aljami3a.com https://www.aljami3a.com/ موقع الجامعة القانونية المغربية الافتراضية Mon, 08 Jun 2026 22:08:53 +0000 ar hourly 1 سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية بين متطلبات الأمن العقاري ومقتضيات الأمن القانوني: قراءة في ضوء القانون رقم 31.18 https://www.aljami3a.com/1589/%d8%b3%d8%ac%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%88%d9%83%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b3%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%82%d8%a9-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%82%d9%88/ https://www.aljami3a.com/1589/%d8%b3%d8%ac%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%88%d9%83%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b3%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%82%d8%a9-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%82%d9%88/#respond Mon, 08 Jun 2026 22:08:52 +0000 https://www.aljami3a.com/?p=1589 عرف التشريع العقاري المغربي خلال العقود الأخيرة تحولات متسارعة فرضتها الاعتبارات المرتبطة بحماية الملكية العقارية وضمان استقرار المعاملات وتحقيق الأمن التعاقدي، وذلك بالنظر إلى المكانة المحورية التي يحتلها العقار داخل الدورة الاقتصادية والاجتماعية، فالعقار لم يعد مجرد مال قابل للتداول، بل أصبح يشكل أحد أهم مرتكزات الاستثمار والتنمية ومؤشراً أساسياً على مدى فعالية المنظومة القانونية في حماية الحقوق والمراكز القانونية للأفراد. ومن هذا المنطلق عمل المشرع المغربي على سن مجموعة من النصوص القانونية الرامية إلى تحصين المعاملات العقارية من مختلف مظاهر الغش والتدليس والتزوير التي أفرزها الواقع العملي، خاصة في ظل ما شهدته السنوات الأخيرة من تنامي المنازعات المرتبطة بالاستيلاء على العقارات واستعمال وسائل قانونية ظاهرها المشروعية وباطنها التحايل على مقتضيات القانون.     وقد شكلت الوكالات المتعلقة بالتصرفات العقارية إحدى أكثر الوسائل القانونية استعمالاً في مجال التصرفات العقارية، بالنظر إلى ما توفره من مرونة وسهولة في إنجاز المعاملات، غير أن هذه المرونة نفسها تحولت في بعض الحالات إلى مصدر للمخاطر القانونية نتيجة استعمال وكالات منتهية أو مزورة أو غير مطابقة للإرادة الحقيقية للموكل، الأمر الذي دفع المشرع إلى التدخل من أجل إعادة تنظيم هذا المجال وفق مقاربة وقائية جديدة تقوم على تعزيز الرقابة السابقة على التصرفات القانونية قبل إنتاج آثارها.  وفي هذا الإطار صدر القانون رقم 31.18 المغير والمتمم لظهير الالتزامات والعقود، والذي أقر إحداث سجل خاص بالوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية، باعتباره آلية قانونية جديدة تروم تأمين المعاملات العقارية وإضفاء مزيد من الشفافية والوضوح على الوكالات المستعملة في هذا المجال. وقد تعزز هذا التوجه التشريعي بصدور المرسوم رقم 2.23.101 المتعلق بتحديد كيفيات تنظيم ومسك سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية²، وكذا قرار وزير العدل...

ظهرت المقالة سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية بين متطلبات الأمن العقاري ومقتضيات الأمن القانوني: قراءة في ضوء القانون رقم 31.18 أولاً على aljami3a.com.

]]>
عرف التشريع العقاري المغربي خلال العقود الأخيرة تحولات متسارعة فرضتها الاعتبارات المرتبطة بحماية الملكية العقارية وضمان استقرار المعاملات وتحقيق الأمن التعاقدي، وذلك بالنظر إلى المكانة المحورية التي يحتلها العقار داخل الدورة الاقتصادية والاجتماعية، فالعقار لم يعد مجرد مال قابل للتداول، بل أصبح يشكل أحد أهم مرتكزات الاستثمار والتنمية ومؤشراً أساسياً على مدى فعالية المنظومة القانونية في حماية الحقوق والمراكز القانونية للأفراد. ومن هذا المنطلق عمل المشرع المغربي على سن مجموعة من النصوص القانونية الرامية إلى تحصين المعاملات العقارية من مختلف مظاهر الغش والتدليس والتزوير التي أفرزها الواقع العملي، خاصة في ظل ما شهدته السنوات الأخيرة من تنامي المنازعات المرتبطة بالاستيلاء على العقارات واستعمال وسائل قانونية ظاهرها المشروعية وباطنها التحايل على مقتضيات القانون.

    وقد شكلت الوكالات المتعلقة بالتصرفات العقارية إحدى أكثر الوسائل القانونية استعمالاً في مجال التصرفات العقارية، بالنظر إلى ما توفره من مرونة وسهولة في إنجاز المعاملات، غير أن هذه المرونة نفسها تحولت في بعض الحالات إلى مصدر للمخاطر القانونية نتيجة استعمال وكالات منتهية أو مزورة أو غير مطابقة للإرادة الحقيقية للموكل، الأمر الذي دفع المشرع إلى التدخل من أجل إعادة تنظيم هذا المجال وفق مقاربة وقائية جديدة تقوم على تعزيز الرقابة السابقة على التصرفات القانونية قبل إنتاج آثارها.

 وفي هذا الإطار صدر القانون رقم 31.18 المغير والمتمم لظهير الالتزامات والعقود، والذي أقر إحداث سجل خاص بالوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية، باعتباره آلية قانونية جديدة تروم تأمين المعاملات العقارية وإضفاء مزيد من الشفافية والوضوح على الوكالات المستعملة في هذا المجال.

وقد تعزز هذا التوجه التشريعي بصدور المرسوم رقم 2.23.101 المتعلق بتحديد كيفيات تنظيم ومسك سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية²، وكذا قرار وزير العدل رقم 381.25 المحدد للنماذج والبيانات المرتبطة بالسجل، قبل أن يدخل هذا النظام حيز التنفيذ ابتداء من فاتح يونيو 2026. ويكشف استقراء هذه النصوص أن المشرع انتقل من مجرد اشتراط الرسمية في بعض الوكالات إلى إقرار نظام قانوني جديد يقوم على ربط فعالية التصرف العقاري بإجراء إضافي يتمثل في التقييد داخل سجل رسمي تمسكه كتابة الضبط بالمحكمة المختصة.

غير أن هذا الاختيار التشريعي، رغم وجاهة أهدافه المرتبطة بحماية الملكية العقارية ومحاربة التزوير، يثير مجموعة من التساؤلات القانونية الدقيقة التي تتجاوز البعد الإجرائي إلى مناقشة الأسس النظرية التي يقوم عليها النظام الجديد، ذلك أن التقييد بالسجل لا يرتبط بأركان الوكالة التقليدية المتمثلة في الرضا والأهلية والمحل والسبب، وإنما يتعلق بإجراء لاحق رتب المشرع على الإخلال به جزاء عدم النفاذ، وهو ما يطرح إشكالاً حقيقياً حول طبيعة هذا الجزاء وحدوده ومدى انسجامه مع النظرية العامة للالتزامات والعقود، كما يثير التساؤل حول مدى مشروعية تحميل المتعاقد حسن النية نتائج إخلال قد يكون مصدره المهني المكلف قانوناً بتحرير الوكالة وتقييدها.

وتزداد أهمية هذا النقاش إذا استحضرنا أن الأمن العقاري، على أهميته، لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن الأمن القانوني الذي يشكل بدوره إحدى الدعائم الأساسية لدولة القانون، فحماية المعاملات العقارية لا ينبغي أن تؤدي إلى المساس بالثقة المشروعة للأفراد في القانون ولا إلى خلق مراكز قانونية هشة قابلة للانهيار بسبب إغفال شكلي لا يد لهم فيه، ومن ثم فإن دراسة النظام القانوني الجديد للوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية لا تكتسي أهمية نظرية فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى استجلاء مدى قدرة المشرع على التوفيق بين مقتضيات الحماية الوقائية للملكية العقارية ومتطلبات العدالة التعاقدية واستقرار المعاملات.

وانطلاقاً من ذلك تثار الإشكالية المركزية التالية: إلى أي حد وفق المشرع المغربي في تحقيق الأمن العقاري من خلال إحداث سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية دون المساس بمبادئ الأمن القانوني والثقة المشروعة وشخصية المسؤولية؟ ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من التساؤلات المرتبطة بالخلفية التشريعية لإحداث السجل، والطبيعة القانونية للتقييد، وموقع جزاء عدم النفاذ داخل منظومة الجزاءات المدنية، وحدود مسؤولية محرر الوكالة، وكذا الدور المنتظر للقضاء في تحقيق التوازن بين الأمن العقاري والأمن القانوني.

الفقرة الأولى: الخلفية التشريعية لإحداث سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية

      لا يمكن فهم الفلسفة التشريعية التي حكمت إحداث سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية بمعزل عن التحولات العميقة التي عرفها المجال العقاري بالمغرب خلال السنوات الأخيرة، ولا عن الإشكالات العملية التي أفرزتها الممارسة اليومية على مستوى توثيق التصرفات العقارية وإنجازها بواسطة الوكالة، فقد أظهرت التجربة العملية أن الوكالة، رغم ما توفره من مرونة في تمثيل الإرادة القانونية للأشخاص، يمكن أن تتحول في بعض الحالات إلى أداة لإضفاء المشروعية الشكلية على تصرفات يشوبها الغش أو التدليس أو انعدام الإرادة الحقيقية للموكل، كما كشفت بعض المنازعات العقارية عن وجود صعوبات عملية مرتبطة بالتحقق من سلامة الوكالات ومدى استمرار آثارها القانونية، خاصة عندما يتعلق الأمر بوكالات حررت منذ مدة طويلة أو أنجزت خارج التراب الوطني أو طرأت عليها وقائع لاحقة تؤثر في فعاليتها القانونية.

     ومن هذا المنطلق تبنى المشرع المغربي توجهاً جديداً يقوم على الانتقال من الحماية اللاحقة للحق إلى الحماية السابقة عليه، أي الانتقال من معالجة آثار النزاع بعد وقوعه إلى تقليص احتمالات وقوعه ابتداءً، ويجد هذا التوجه سنده في التطور الذي عرفته السياسات التشريعية الحديثة، والتي أصبحت تعطي الأولوية للآليات الوقائية باعتبارها أكثر فعالية وأقل كلفة من الوسائل العلاجية التقليدية، ولذلك لم يعد الهدف مقتصراً على تمكين المتضرر من اللجوء إلى القضاء بعد وقوع الاعتداء على حقه، وإنما أصبح يتمثل أيضاً في خلق منظومة قانونية تقلل من فرص وقوع الاعتداء أصلاً.

وفي هذا السياق جاء القانون رقم 31.18 ليشكل امتداداً لمجموعة من الإصلاحات التشريعية التي استهدفت تحصين الملكية العقارية وتدعيم الأمن التعاقدي، حيث أقر إحداث سجل خاص بالوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية وربط نفاذ التصرفات المنجزة بموجبها باحترام إجراءات التقييد المقررة قانوناً. ويستفاد من المذكرة التقديمية للنصوص التنظيمية ومن البلاغات الرسمية الصادرة عن وزارة العدل أن الغاية الأساسية من هذا الإصلاح تتمثل في ضمان إمكانية تتبع الوكالات والتحقق من وجودها وصحتها ومضمونها بشكل فوري ومنظم، بما يسمح بالحد من مخاطر استعمال وثائق غير مطابقة للحقيقة أو فقدت فعاليتها القانونية.

غير أن أهمية هذه الأهداف لا تحول دون إخضاع الاختيار التشريعي للمناقشة العلمية، فالتجارب المقارنة تثبت أن نجاح التشريعات الوقائية لا يقاس فقط بقدرتها على تشديد الرقابة، وإنما كذلك بمدى قدرتها على المحافظة على التوازن بين مقتضيات الحماية وضرورات المرونة القانونية، ذلك أن المبالغة في الإجراءات الشكلية قد تؤدي إلى نتيجة عكسية تتمثل في تعقيد المعاملات وإثقالها بأعباء إضافية قد لا تتناسب دائماً مع طبيعة المخاطر المراد تفاديها، ومن ثم فإن القيمة الحقيقية لسجل الوكالات الرسمية لا تكمن في وجوده كآلية إدارية أو تنظيمية فحسب، وإنما في مدى قدرته على تحقيق الغاية التي أنشئ من أجلها دون الإخلال بالمبادئ العامة التي يقوم عليها قانون الالتزامات والعقود.

الفقرة الثانية: الطبيعة القانونية للتقييد بالسجل وحدود الانتقال من الرضائية إلى الشكلية

           يثير النظام القانوني المستحدث للوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية إشكالية نظرية بالغة الأهمية تتعلق بالطبيعة القانونية للتقييد بالسجل وحدود تأثيره على البناء التقليدي لمؤسسة الوكالة في التشريع المغربي، ذلك أن الوكالة ظلت، في أصلها التاريخي والقانوني، من العقود الرضائية التي تقوم على توافق إرادة الموكل والوكيل، حيث يكفي لانعقادها توافر الأركان العامة اللازمة لصحة التصرف القانوني وفقاً للقواعد المقررة في قانون الالتزامات والعقود، وقد شكل هذا التصور انعكاساً لمبدأ سلطان الإرادة الذي يعد من المبادئ المؤسسة للنظرية العامة للعقد، والذي يفترض أن الإرادة الحرة للأفراد تظل المصدر الأساسي لإنشاء الالتزامات وترتيب آثارها القانونية، غير أن التطور الذي عرفته المعاملات العقارية، وما أفرزه من تعقيدات عملية ومخاطر متزايدة، دفع المشرع إلى إدخال قيود شكلية متزايدة على بعض التصرفات القانونية، سواء تعلق الأمر بالكتابة أو الرسمية أو التسجيل أو التقييد، وهو ما يعكس انتقالاً تدريجياً من الرضائية المطلقة إلى الشكلية المقيدة بمقتضيات المصلحة العامة.

ويعد سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية تجسيداً واضحاً لهذا التحول التشريعي، إذ لم يعد تحرير الوكالة في محرر رسمي كافياً لإضفاء الفعالية القانونية الكاملة عليها، بل أصبح لزاماً استكمال إجراء إضافي يتمثل في تقييدها داخل السجل المحدث لهذا الغرض، ومن خلال قراءة النصوص المنظمة لهذا النظام يتبين أن المشرع لم يعتبر التقييد مجرد وسيلة للإشهار أو التنظيم الإداري، وإنما منحه وظيفة قانونية مؤثرة في مصير التصرف المنجز بموجب الوكالة، فالتقييد لم يعد مجرد إجراء لاحق على وجود الوكالة، بل تحول إلى عنصر مؤثر في قابليتها لإنتاج آثارها القانونية، الأمر الذي يفرض إعادة النظر في موقع الشكلية داخل البنية القانونية للوكالة العقارية.

وتكمن أهمية هذا النقاش في أن الشكلية، في الفكر القانوني الحديث، لا تعتبر غاية في حد ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق أهداف معينة تتصل بحماية الإرادة أو استقرار المعاملات أو ضمان الإثبات أو حماية النظام العام الاقتصاد، ولذلك فإن كل توسع في نطاق الشكلية يجب أن يظل محكوماً باعتبارات الضرورة والتناسب، فالأصل أن التصرفات القانونية تستمد قوتها من الإرادة لا من الإجراءات، والاستثناء هو إخضاعها لشروط شكلية عندما تقتضي المصلحة العامة ذلك، ومن هنا يطرح التساؤل حول ما إذا كان التقييد بالسجل يمثل مجرد وسيلة تقنية لتأمين المعاملات العقارية، أم أنه يشكل في الواقع إعادة صياغة لمفهوم الوكالة العقارية ذاتها من خلال إدماج عنصر شكلي جديد في بنيتها القانونية.

ويبدو أن المشرع قد اختار اتجاهاً وسطاً بين الإبقاء على الرضائية الكاملة وبين اعتماد الشكلية المنشئة للحق، فهو لم يجعل التقييد شرطاً لوجود الوكالة أو لصحتها، كما لم يعتبر الوكالة غير المقيدة باطلة أو معدومة الأثر، وإنما رتب على عدم التقييد جزاء عدم النفاذ، وهذا الاختيار يكشف عن محاولة للموازنة بين الاعتراف بوجود الوكالة من الناحية القانونية وبين اشتراط احترام إجراء معين قبل الاعتداد الكامل بآثارها في مجال الحقوق العينية، غير أن هذا الحل، رغم ما يحققه من مرونة نسبية مقارنة بالبطلان، يظل مثيراً للتساؤل من زاوية الأمن القانوني، لأن المتعاملين قد يجدون أنفسهم أمام وكالة صحيحة ومستوفية لجميع شروطها الموضوعية ومع ذلك لا تنتج النتائج القانونية المنتظرة بسبب عدم استكمال إجراء شكلي لاحق.

ومن الناحية العملية قد يؤدي هذا الوضع إلى خلق فئة جديدة من المنازعات التي لم تكن مطروحة بالحدة نفسها في ظل النظام السابق، فبدل أن ينصب النزاع على صحة الوكالة أو حدودها أو مدى استمرارها، قد يتحول إلى مناقشة مسألة التقييد وإثبات حصوله أو عدم حصوله، وتحديد المسؤول عن الإخلال به، ومدى إمكانية تصحيح هذا الإخلال بعد وقوعه، وهو ما قد يؤدي إلى انتقال مركز الثقل في الخصومة من جوهر التصرف القانوني إلى الإجراءات المرتبطة به، الأمر الذي يثير التساؤل حول مدى نجاح النظام الجديد في تحقيق الغاية الأصلية المتمثلة في تبسيط وتأمين المعاملات العقارية.

كما أن القراءة النقدية لهذا المستجد تبرز أن المشرع، وهو يسعى إلى تعزيز الأمن العقاري، قد وسع في المقابل من نطاق التدخل الشكلي في العلاقات التعاقدية الخاصة، ومعلوم أن التوسع في الشكلية، مهما كانت دوافعه، يظل استثناءً على مبدأ حرية التعاقد ويجب تفسيره في حدود الضرورة التي أملتها المصلحة العامة، لذلك فإن تقييم هذا الاختيار التشريعي لا ينبغي أن يقتصر على دراسة النصوص القانونية المنظمة للسجل، وإنما يجب أن يمتد إلى تحليل آثاره العملية ومدى قدرته على تحقيق التوازن بين مقتضيات الرقابة الوقائية ومتطلبات المرونة التي تقتضيها الحياة القانونية والاقتصادية.

ومن هذا المنطلق يمكن القول إن التقييد بالسجل لا يمثل مجرد إجراء تنظيمي بسيط، وإنما يشكل تحولاً نوعياً في النظرة القانونية إلى الوكالة العقارية، فهو يعكس انتقال المشرع من الثقة شبه المطلقة في الرسمية إلى بناء نظام مزدوج يقوم على الرسمية من جهة والتقييد من جهة ثانية، بما يترتب على ذلك من إعادة توزيع للأدوار والمسؤوليات بين الأطراف والمهنيين والإدارة والقضاء، ومن ثم فإن فهم الطبيعة القانونية لهذا التقييد يظل مدخلاً أساسياً لفهم باقي الإشكالات التي يثيرها النظام الجديد، وفي مقدمتها إشكالية عدم النفاذ ومدى تناسبها مع الأهداف التي ابتغاها المشرع من وراء هذا الإصلاح التشريعي.

الفقرة الثالثة: جزاء عدم النفاذ وإشكالية التناسب بين الإجراء الشكلي والجزاء القانوني

        إذا كان إحداث سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية يمثل أبرز مظاهر النزعة الوقائية التي تبناها المشرع المغربي في مجال حماية المعاملات العقارية، فإن الأهمية الحقيقية لهذا المستجد لا تتجلى فقط في استحداث إجراء التقييد، وإنما في الجزاء الذي رتبه المشرع على الإخلال به، فالملاحظ أن المشرع لم يتجه نحو اعتبار الوكالة غير المقيدة باطلة أو قابلة للإبطال، كما لم يعتبرها منعدمة الوجود، وإنما اختار ترتيب جزاء عدم النفاذ على التصرف المنجز بموجبها. ويعد هذا الاختيار من أكثر الجوانب إثارة للنقاش الفقهي، نظراً لما يثيره من تساؤلات تتعلق بموقع عدم النفاذ داخل منظومة الجزاءات المدنية، وبمدى ملاءمته للوظيفة التي أرادها المشرع من السجل الجديد.

ومعلوم أن النظرية العامة للعقد تميز بين وجود التصرف القانوني وصحته وفعاليته، فقد يوجد التصرف ويكون صحيحاً من حيث أركانه وشروطه الموضوعية، غير أنه لا ينتج آثاره القانونية كاملة بسبب وجود مانع قانوني أو لعدم استكمال بعض الإجراءات التي يتطلبها القانون لنفاذه، ومن هذه الزاوية يبدو أن المشرع المغربي حاول أن يضع التقييد بالسجل ضمن دائرة شروط النفاذ لا ضمن دائرة شروط الانعقاد أو الصحة. غير أن هذا الاختيار، رغم ما يبدو عليه من دقة تقنية، لا يخلو من صعوبات عملية ونظرية، ذلك أن التمييز بين الصحة والنفاذ يظل في كثير من الأحيان تمييزاً نظرياً أكثر منه عملياً، خاصة عندما يؤدي عدم النفاذ إلى النتيجة نفسها التي يؤدي إليها البطلان، والمتمثلة في حرمان التصرف من تحقيق الغاية التي أبرم من أجلها.

وتزداد حدة الإشكال إذا استحضرنا أن عدم التقييد لا يرتبط في حد ذاته بسلامة الرضا ولا بأهلية الأطراف ولا بمشروعية المحل أو السبب، وإنما يتعلق بإجراء شكلي مستقل عن العناصر الجوهرية للتصرف القانوني. فالوكالة قد تكون محررة وفق جميع الضوابط القانونية، وقد تكون الإرادة فيها سليمة وخالية من كل عيب، ومع ذلك يفقد التصرف المنجز بموجبها فعاليته القانونية بسبب عدم استكمال إجراء لاحق يتمثل في التقييد بالسجل، ومن هنا يثور التساؤل حول مدى التناسب بين طبيعة المخالفة المرتكبة وبين جسامة الأثر القانوني المترتب عليها، فهل يكفي مجرد الإخلال بإجراء شكلي لتجريد تصرف قانوني صحيح من آثاره؟ وهل ينسجم هذا التوجه مع المبادئ العامة التي تحكم العدالة التعاقدية واستقرار المعاملات؟

إن مبدأ التناسب أصبح من المبادئ الأساسية التي توجه التشريعات الحديثة، سواء في المجال الدستوري أو الإداري أو المدني. ويقضي هذا المبدأ بأن تكون الوسائل القانونية المعتمدة متناسبة مع الغايات المراد تحقيقها، وألا تتجاوز القيود المفروضة على الحقوق والحريات الحدود الضرورية لتحقيق المصلحة العامة، وإذا كان الهدف الذي يسعى إليه المشرع في الحالة المعروضة يتمثل في حماية الملكية العقارية وتعزيز الثقة في المعاملات، فإن التساؤل يبقى مشروعاً حول ما إذا كان جزاء عدم النفاذ يمثل الوسيلة الأقل مساساً بالمراكز القانونية للأفراد أم أن هناك بدائل أخرى كان يمكن أن تحقق الغاية نفسها بدرجة أقل من التقييد.

ومن بين الملاحظات التي يمكن تسجيلها في هذا الصدد أن المشرع اختار توجيه الجزاء نحو التصرف ذاته بدل توجيهه نحو الشخص المسؤول عن الإخلال بالإجراء، فالنتيجة المباشرة لعدم التقييد تتمثل في المساس بمصير التصرف القانوني، في حين أن الشخص الذي كان ملزماً بالتقييد قد لا يتحمل بالضرورة الأثر المباشر لهذا الإخلال، ويترتب على ذلك احتمال وقوع المتعاقدين حسني النية في وضعية قانونية صعبة رغم أنهم لم يرتكبوا أي خطأ ولم يخلوا بأي التزام قانوني يقع على عاتقهم شخصياً، ومن هنا تظهر أهمية الربط بين نظرية عدم النفاذ وبين قواعد المسؤولية القانونية، لأن العدالة لا تتحقق فقط من خلال حماية الحقوق، بل تتحقق أيضاً من خلال توزيع الأعباء القانونية على أساس منصف ومتوازن.

ومن زاوية أخرى، قد يؤدي التوسع في استعمال جزاء عدم النفاذ إلى خلق حالة من عدم اليقين القانوني لدى المتعاملين في المجال العقاري. فالمتعامل الذي يتأكد من سلامة الوكالة من حيث الشكل والمضمون، ومن أهلية أطرافها وصحة بياناتها، قد يكتشف لاحقاً أن التصرف الذي أنجزه يواجه صعوبة قانونية بسبب عدم استكمال إجراء لم يكن له دور مباشر في القيام بهن ولا شك أن مثل هذه الوضعية قد تؤثر على الثقة في المعاملات وعلى استقرار المراكز القانونية، وهو ما يتعارض مع أحد الأهداف الأساسية التي يسعى القانون نفسه إلى تحقيقها.

كما أن الممارسة العملية قد تكشف مستقبلاً عن حالات يصعب فيها التوفيق بين التطبيق الحرفي للمقتضيات المنظمة للسجل وبين مقتضيات العدالة والإنصاف. فقد يثار مثلاً التساؤل حول مصير التصرفات التي يكون عدم التقييد فيها راجعاً إلى خطأ مادي أو تقني أو إلى ظروف خارجة عن إرادة الأطراف، وحول مدى إمكانية تصحيح هذا الإخلال بعد وقوعه، وحول الآثار التي يمكن أن تترتب على حسن أو سوء نية المتعاملين. وهي كلها أسئلة لا تجد جوابها الكامل في النصوص الحالية، الأمر الذي يجعل القضاء مطالباً مستقبلاً بلعب دور محوري في بلورة الحلول الكفيلة بتحقيق التوازن بين حرفية النص وروحه.

وانطلاقاً من مجموع هذه الاعتبارات، يمكن القول إن اختيار المشرع لجزاء عدم النفاذ يعكس حرصاً واضحاً على إضفاء فعالية حقيقية على نظام التقييد بالسجل ومنع تحويله إلى إجراء شكلي عديم الأثر، غير أن هذا الحرص لا يمنع من مناقشة مدى تناسب الجزاء المقرر مع طبيعة الإخلال الذي يستهدفه. فنجاح أي إصلاح تشريعي لا يقاس فقط بقدرته على فرض احترام القواعد القانونية، وإنما يقاس أيضاً بمدى قدرته على تحقيق العدالة واستقرار المعاملات وحماية الثقة المشروعة للمتعاملين، ولذلك فإن النقاش حول عدم النفاذ لا ينبغي أن ينحصر في البعد التقني للمسألة، بل يجب أن يمتد إلى تقييم فلسفة المشرع نفسها ومدى انسجامها مع المبادئ العامة التي يقوم عليها القانون الخاص المعاصر.

      يطرح النظام القانوني لسجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية إشكالاً بالغ الدقة يرتبط بتوزيع المسؤولية القانونية بين الأطراف المتدخلة في عملية تحرير الوكالة واستعمالها وتقييدها، وبالآثار المترتبة عن الإخلال بواجب التقييد. فالمشرع، حين أقر إلزامية تقييد الوكالات داخل سجل خاص تمسكه كتابة الضبط، لم يحدد فقط إجراءً تنظيمياً، وإنما أسند ضمنياً التزاماً قانونياً ذا طبيعة مهنية يقع على عاتق محرر الوكالة، سواء كان عدلاً أو موثقاً أو محامياً أو موظفاً قنصلياً مكلفاً بالتوثيق بالخارج. غير أن الإشكال الجوهري لا يكمن في تحديد من يتحمل هذا الالتزام من الناحية الشكلية، بل في تحديد من يتحمل النتائج القانونية المترتبة عن الإخلال به، خاصة عندما يتعلق الأمر بأطراف لم يكن لهم أي دور في هذا الإخلال ولم تتوافر لديهم القدرة الواقعية على مراقبته أو تفاديه.

إن القواعد العامة للمسؤولية المدنية في الفكر القانوني الحديث تقوم على مبدأ أساسي مؤداه أن الجزاء يجب أن يترتب على الخطأ الشخصي، وأن من ارتكب الإخلال القانوني هو الذي يتحمل نتائجه، سواء كانت مسؤولية عقدية أو تقصيرية، غير أن النظام الجديد يثير احتمالاً عملياً يتمثل في أن يؤدي عدم قيام محرر الوكالة بإجراء التقييد إلى حرمان المتعاقد حسن النية من آثار تصرف قانوني أبرمه بناء على وثيقة يفترض فيها الرسمية والسلامة القانونية، وهنا يثور التساؤل حول مدى انسجام هذا الوضع مع مبدأ شخصية المسؤولية، ومع مبدأ الثقة المشروعة الذي يعد من المبادئ المؤسسة للأمن القانوني في الدولة الحديثة.

لقد كرست التشريعات المقارنة، كما هو الشأن في بعض النظم المدنية المتقدمة، مبدأ حماية المتعاقد حسن النية باعتباره طرفاً يعتمد على المظهر القانوني المشروع الذي توفره الوثائق الرسمية الصادرة عن الجهات المخولة قانوناً، فالمتعامل مع موثق أو عدل أو محام يفترض فيه أنه يعتمد على نظام قانوني يضمن له سلامة الإجراءات وصحتها، ولا يمكن تحميله عبء التحقق من مدى احترام المهني لجميع الالتزامات الإدارية والتنظيمية المرتبطة بمهنته، ومن ثم فإن نقل آثار الإخلال المهني إلى المتعاقد حسن النية قد يشكل انحرافاً عن هذا التصور التقليدي للعدالة التعاقدية.

ويزداد هذا الإشكال حدة عندما نلاحظ أن النظام الجديد لا يقتصر على تنظيم العلاقة بين الموكل والوكيل، بل يمتد أثره إلى الغير الذي يتعامل استناداً إلى الوكالة، فالمتعاقد الثالث قد يكون قد أبرم التصرف العقاري اعتماداً على وكالة محررة وفق الشكل القانوني المطلوب، دون أن يكون له أي علم بواقعة عدم التقييد أو بإمكانية وجود خلل في الإجراءات الداخلية المتعلقة به، ومع ذلك قد يجد نفسه في وضع قانوني غير مستقر بسبب عدم نفاذ التصرف، وهو ما يطرح تساؤلاً عميقاً حول مدى تحقيق التوازن بين حماية النظام العام العقاري وبين حماية الاستقرار القانوني للمعاملات.

ومن الناحية النظرية، يمكن القول إن المشرع حاول من خلال هذا النظام تعزيز الدور الوقائي للمهنيين المكلفين بالتوثيق، وجعلهم جزءاً من منظومة الأمن العقاري، غير أن هذا التوجه قد يؤدي عملياً إلى تحميلهم مسؤولية مضاعفة، لا تقتصر على صحة تحرير الوكالة، بل تمتد إلى ضمان تقييدها ومتابعة آثارها القانونية. وفي المقابل، قد يؤدي ذلك إلى خلق نوع من عدم التوازن في توزيع المخاطر القانونية، حيث تنتقل هذه المخاطر من المجال المهني إلى المجال التعاقدي، ومن المسؤول المباشر عن الإجراء إلى أطراف قد لا تكون لها أي علاقة مباشرة بالإخلال.

ومن هذا المنظور، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة التفكير في كيفية تفعيل هذا النظام في ضوء مبادئ الأمن القانوني وحماية الثقة المشروعة، فنجاح أي إصلاح تشريعي لا يقاس فقط بصرامة قواعده، وإنما بقدرته على تحقيق عدالة توزيعية للمخاطر القانونية بين مختلف المتدخلين، لذلك فإن تعزيز المسؤولية المهنية لمحرر الوكالة ينبغي أن يقترن بآليات واضحة تضمن عدم الإضرار بالمتعاقد حسن النية، سواء من خلال تطوير نظام التأمين المهني أو من خلال إقرار إمكانيات قانونية لتصحيح الإغفال دون المساس بجوهر الحقوق المكتسبة.

وفي ضوء ذلك يمكن القول إن النظام الجديد يضعنا أمام إعادة تشكيل دقيقة لمفهوم المسؤولية في المجال العقاري، حيث لم تعد المسؤولية محصورة في الفعل المباشر، بل أصبحت مرتبطة بسلسلة من الالتزامات الإجرائية المتداخلة. وهو ما يستدعي تدخلاً قضائياً مستقبلياً لضبط حدود هذه المسؤولية وتحديد نطاقها بدقة، بما يضمن عدم تحول آلية الحماية إلى مصدر جديد لعدم الاستقرار القانوني.

     يعد الأمن العقاري من أبرز الأهداف التي تتصدر السياسات التشريعية الحديثة في المجال العقاري، لما له من دور حاسم في ضمان استقرار المعاملات وتشجيع الاستثمار وحماية الملكية الخاصة من مختلف صور الاعتداء غير المشروع. وقد اتجه المشرع المغربي، في إطار الإصلاحات المتتالية التي مست المنظومة العقارية، إلى تبني مقاربات وقائية تهدف إلى تقليص المخاطر القانونية قبل وقوعها، بدل الاقتصار على معالجتها بعد نشوء النزاع، وفي هذا السياق يندرج إحداث سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية باعتباره آلية تروم تعزيز الرقابة المسبقة على التصرفات العقارية المنجزة بواسطة الوكالة، وضمان إمكانية التحقق من سلامتها ومطابقتها للضوابط القانونية قبل ترتيب آثارها.

غير أن تحقيق الأمن العقاري، رغم أهميته، لا يمكن أن يتم بمعزل عن متطلب موازٍ لا يقل أهمية يتمثل في الأمن القانوني، الذي يقوم على ضمان استقرار القواعد القانونية، ووضوحها، وقابليتها للتوقع، وحماية الثقة المشروعة التي يضعها الأفراد في النظام القانوني، فالمعاملات العقارية لا تقوم فقط على قواعد الحماية، بل تقوم أيضاً على عنصر الثقة الذي يشكل أساس استقرار التبادل القانوني. ومن ثم فإن أي اختلال في هذه الثقة، سواء بسبب غموض القواعد أو صعوبة تطبيقها أو تحميل الأطراف نتائج لم يكونوا قادرين على توقعها، قد يؤدي إلى تقويض الغاية ذاتها التي يسعى المشرع إلى تحقيقها.

ويثير النظام القانوني الجديد لسجل الوكالات الرسمية إشكالاً دقيقاً يتمثل في كيفية التوفيق بين هذين البعدين، أي بين منطق الحماية الوقائية الصارمة ومنطق الاستقرار القانوني للمعاملات. فمن جهة، يبدو واضحاً أن المشرع أراد من خلال إلزامية التقييد وربط بعض الآثار القانونية به تعزيز الرقابة على الوكالات المستعملة في التصرفات العقارية، ومنع استغلالها في عمليات مشوبة بالغش أو التلاعب. غير أن هذا التوجه قد يؤدي من جهة أخرى إلى خلق حالة من عدم اليقين القانوني، عندما تصبح فعالية التصرفات القانونية مرهونة بإجراءات شكلية قد لا تكون دائماً في متناول أو علم الأطراف المتعاقدة.

إن الإشكال لا يتعلق بمبدأ التقييد في حد ذاته، بل يتعلق بالآثار القانونية المترتبة عنه، وبمدى قدرة النظام القانوني على ضمان عدم تحول هذا التقييد إلى مصدر جديد للمخاطر القانونية بدل أن يكون أداة لتقليلها، فكل نظام قانوني فعال يفترض أن يحقق توازناً دقيقاً بين حماية النظام العام الاقتصادي وبين ضمان استقرار المعاملات الخاصة، بحيث لا تطغى اعتبارات الوقاية على حساب العدالة التعاقدية، ولا يؤدي التشدد في الإجراءات إلى إضعاف الثقة في المعاملات القانونية.

وعليه، يمكن القول إن التحدي الحقيقي الذي يطرحه نظام سجل الوكالات الرسمية لا يكمن في بنيته التنظيمية، وإنما في كيفية تفعيله عملياً بما يضمن عدم الإضرار بمراكز قانونية نشأت في إطار من حسن النية والاعتماد على المظهر القانوني المشروع، فالأمن العقاري لا يتحقق فقط من خلال تشديد الرقابة الشكلية، بل يتحقق أيضاً من خلال تعزيز الأمن القانوني الذي يجعل الأفراد واثقين من أن تصرفاتهم القانونية، متى استوفت شروطها الجوهرية، لن تتعرض للزوال أو الإهدار بسبب اختلالات إجرائية لا يد لهم فيها.

وعليه، فإن مستقبل هذا النظام سيظل مرتبطاً بمدى قدرة القضاء على لعب دور توازني في تفسير النصوص وتطبيقها، بما يضمن تحقيق مقاصد المشرع دون المساس بالمبادئ العامة للعدالة القانونية. كما أن التطوير التشريعي المستقبلي قد يكون مطالباً بإعادة النظر في بعض الآثار الصارمة، من خلال تبني حلول أكثر مرونة تراعي حسن النية وتُميّز بين الإخلال الجسيم والإخلال الشكلي البسيط، بما يحقق توازناً أفضل بين الأمن العقاري والأمن القانوني.

    وختاما يمكن القول أن إحداث سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية يشكل تحولاً مهماً في السياسة التشريعية المغربية، من خلال الانتقال نحو مقاربة وقائية تهدف إلى تعزيز حماية المعاملات العقارية والحد من مخاطر التزوير والاستغلال غير المشروع للوكالات، غير أن هذا التحول، رغم وجاهته من حيث المبدأ، يثير في المقابل إشكالات قانونية دقيقة تتعلق بالطبيعة القانونية للتقييد، وبمدى ملاءمة جزاء عدم النفاذ، وبموقع المسؤولية المهنية في النظام الجديد، وبقدرة هذا الإصلاح على تحقيق التوازن بين الأمن العقاري والأمن القانوني.

وقد أبانت الدراسة أن الإشكال الجوهري لا يتعلق بوجود السجل كآلية تنظيمية، وإنما بالآثار القانونية المترتبة على عدم احترام مقتضياته، خاصة عندما تمتد هذه الآثار إلى المتعاقد حسن النية أو إلى الغير الذي لا علاقة له بالإخلال الواقع. كما تبين أن نجاح هذا النظام سيظل رهيناً بمدى قدرة المنظومة القانونية، تشريعاً وقضاءً وفقهاً، على تطوير حلول تضمن تحقيق العدالة التعاقدية دون المساس بأهداف الحماية الوقائية التي ابتغاها المشرع.

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن سجل الوكالات الرسمية لا ينبغي النظر إليه كغاية في حد ذاته، وإنما كوسيلة لتحقيق التوازن بين متطلبات الأمن العقاري ومقتضيات الأمن القانوني، وهو توازن يظل مفتوحاً على التطوير والتأويل والتكييف القضائي، بما يضمن استقرار المعاملات وصون الحقوق في إطار من العدالة واليقين القانوني.

………………………………………………………………………….

المراجع:

1ظهير الالتزامات والعقود، الباب المتعلق بعقد الوكالة.

ا2لقانون رقم 31.18 المغير والمتمم لظهير الالتزامات والعقود.

3عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء الأول، نظرية الالتزام بوجه عام.

3المرسوم رقم 2.23.101 المتعلق بتنظيم سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية ومسكه.

4 قرار وزير العدل رقم 381.25 المحدد للنماذج والبيانات المرتبطة بالسجل.

5 بلاغ وزارة العدل بشأن دخول سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية حيز التنفيذ ابتداء من 1 يونيو 2026.

6محمد الكشبور، نظرية العقد، دراسة في قانون الالتزامات والعقود المغربي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.

7عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، نظرية الالتزام بوجه عام.

ظهرت المقالة سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية بين متطلبات الأمن العقاري ومقتضيات الأمن القانوني: قراءة في ضوء القانون رقم 31.18 أولاً على aljami3a.com.

]]>
https://www.aljami3a.com/1589/%d8%b3%d8%ac%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%88%d9%83%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%b3%d9%85%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%82%d8%a9-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%82%d9%88/feed/ 0
أزمة معيار التبعية القانونية أمام نموذج المنصات الرقمية: قراءة في التحولات النظرية والاجتهاد القضائي المقارن https://www.aljami3a.com/1584/%d8%a3%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d9%85%d8%b9%d9%8a%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a8%d8%b9%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d9%86%d9%88%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a3%d9%85%d8%a7%d9%85-%d9%86%d9%85%d9%88/ https://www.aljami3a.com/1584/%d8%a3%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d9%85%d8%b9%d9%8a%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a8%d8%b9%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d9%86%d9%88%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a3%d9%85%d8%a7%d9%85-%d9%86%d9%85%d9%88/#respond Sat, 27 Sep 2025 13:20:39 +0000 https://www.aljami3a.com/?p=1584 ملخـص المقـــــال: يطرح نموذج الشغل عبر المنصات الرقمية إشكالية قانونية مستحدثة ومعقدة، حيث أدى هذا النمط من الشغل إلى نشوء “منطقة رمادية” تقع بين فئتي الأجير والمقاول المستقل أو الذاتي. وفي قلب هذه الإشكالية، يواجه معيار “التبعية القانونية” التقليدي صعوبة في استيعاب أشكال الرقابة والتوجيه التي يمارسها “المدير الخوارزمي”، مما يثير تساؤلات حول مدى كفايته لتوفير الحماية لهذه الفئة الجديدة من الأجراء. ففي الواقع، تقوم المنصات بتفكيك أركان السلطة التقليدية (التوجيه، الرقابة، الجزاء) وإعادة تشكيلها في قوالب تقنية، الأمر الذي يكرس تبعية اقتصادية وتقنية فعلية تحت ستار الاستقلالية الشكلية. وأمام هذا الوضع، ورغم أن القضاء المقارن، خاصة في فرنسا، قد تطور نحو إعادة تكييف هذه العلاقات كعقود شغل عبر قرارات حاسمة، إلا أن هذه الحلول القضائية تظل علاجية وتأتي بعد نزاعات طويلة ومكلفة. وبالتالي، يخلص البحث إلى أن الحماية الفعالة والشاملة لأجراء المنصات الرقمية تتطلب تجاوز الحلول القضائية الفردية والتوجه نحو تدخل تشريعي استباقي. فمثل هذا التدخل هو الكفيل بوضع إطار قانوني واضح، كإنشاء قرينة على وجود علاقة شغل، لضمان حقوق هذه الفئة وربطها بمنظومة الحماية الاجتماعية بشكل منهجي ومستدام. الكلمات المفتاحية: قانون الشغل، المنصات الرقمية، الأوبرة  (Ubérisation)، التبعية القانونية، المدير الخوارزمي، المنطقة الرمادية، إعادة التكييف القضائي. Résumé de l’article: Le modèle de travail via les plateformes numériques soulève une problématique juridique nouvelle et complexe. Ce mode de travail a en effet donné naissance à une « zone grise » située entre les catégories de salarié et de travailleur indépendant ou auto-entrepreneur. Au cœur de cette problématique, le critère traditionnel de la «subordination juridique» peine à appréhender les formes de contrôle et de direction exercées...

ظهرت المقالة أزمة معيار التبعية القانونية أمام نموذج المنصات الرقمية: قراءة في التحولات النظرية والاجتهاد القضائي المقارن أولاً على aljami3a.com.

]]>

ملخـص المقـــــال: يطرح نموذج الشغل عبر المنصات الرقمية إشكالية قانونية مستحدثة ومعقدة، حيث أدى هذا النمط من الشغل إلى نشوء “منطقة رمادية” تقع بين فئتي الأجير والمقاول المستقل أو الذاتي. وفي قلب هذه الإشكالية، يواجه معيار “التبعية القانونية” التقليدي صعوبة في استيعاب أشكال الرقابة والتوجيه التي يمارسها “المدير الخوارزمي”، مما يثير تساؤلات حول مدى كفايته لتوفير الحماية لهذه الفئة الجديدة من الأجراء.

ففي الواقع، تقوم المنصات بتفكيك أركان السلطة التقليدية (التوجيه، الرقابة، الجزاء) وإعادة تشكيلها في قوالب تقنية، الأمر الذي يكرس تبعية اقتصادية وتقنية فعلية تحت ستار الاستقلالية الشكلية. وأمام هذا الوضع، ورغم أن القضاء المقارن، خاصة في فرنسا، قد تطور نحو إعادة تكييف هذه العلاقات كعقود شغل عبر قرارات حاسمة، إلا أن هذه الحلول القضائية تظل علاجية وتأتي بعد نزاعات طويلة ومكلفة.

وبالتالي، يخلص البحث إلى أن الحماية الفعالة والشاملة لأجراء المنصات الرقمية تتطلب تجاوز الحلول القضائية الفردية والتوجه نحو تدخل تشريعي استباقي. فمثل هذا التدخل هو الكفيل بوضع إطار قانوني واضح، كإنشاء قرينة على وجود علاقة شغل، لضمان حقوق هذه الفئة وربطها بمنظومة الحماية الاجتماعية بشكل منهجي ومستدام.

الكلمات المفتاحية: قانون الشغل، المنصات الرقمية، الأوبرة  (Ubérisation)، التبعية القانونية، المدير الخوارزمي، المنطقة الرمادية، إعادة التكييف القضائي.

Résumé de l’article: Le modèle de travail via les plateformes numériques soulève une problématique juridique nouvelle et complexe. Ce mode de travail a en effet donné naissance à une « zone grise » située entre les catégories de salarié et de travailleur indépendant ou auto-entrepreneur. Au cœur de cette problématique, le critère traditionnel de la «subordination juridique» peine à appréhender les formes de contrôle et de direction exercées par le « manager algorithmique », ce qui interroge sa capacité à garantir une protection à cette nouvelle catégorie de salariés.

En pratique, les plateformes procèdent à un démantèlement des piliers du pouvoir patronal classique (direction, contrôle, sanction) pour les reconfigurer sous des formes technologiques, consacrant ainsi une subordination économique et technique de fait, sous le couvert d’une indépendance formelle. Face à cette réalité, et bien que la jurisprudence comparée, notamment en France, ait évolué vers une requalification de ces relations en contrats de travail par des arrêts de principe, ces solutions judiciaires demeurent curatives et interviennent au terme de longs et coûteux contentieux.

Par conséquent, cette recherche conclut que la protection efficace et globale des salariés des plateformes numériques exige de dépasser les solutions jurisprudentielles individuelles pour s’orienter vers une intervention législative proactive. Une telle intervention est seule à même d’établir un cadre juridique clair, tel que l’instauration d’une présomption de salariat, afin de garantir les droits de cette catégorie et de la rattacher de manière systématique et durable au système de protection sociale.

Mots-clés: Droit du travail, plateformes numériques, ubérisation, subordination juridique, manager algorithmique, zone grise, requalification judiciair.

مقدمة

يشهد عالم الشغل، منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، تحولات بنيوية هي الأعمق منذ الثورة الصناعية. فإذا كانت الأخيرة قد أفرزت “علاقة الشغل المأجور” كنموذج مهيمن، وأدت إلى ميلاد قانون الشغل كفرع قانوني مستقل، فإن الثورة الرقمية اليوم تعيد طرح الأسئلة الوجودية ذاتها حول طبيعة الشغل ومن يستحق الحماية. وفي قلب هذا التحول، برز ما يعرف بـ “اقتصاد المنصات”(Platform Economy)، وهو نموذج أعمال يعتمد على منصات رقمية تعمل كوسيط بين مقدمي الخدمات وطالبيها، مقدماً نفسه كطريق نحو التحرر من قيود علاقة الشغل التقليدية[1].

غير أن هذا النموذج الاقتصادي المبتكر لم يواكبه تطور تشريعي مماثل، ما أدى إلى نشوء ما أصطلح عليه الفقه الفرنسي بالمنطقة الرمادية (Zone grise)[2]، وهو مفهوم لا يعني مجرد فراغ قانوني، بل يشير إلى منطقة التباس تقع بين فئتي الأجير والمقاول المستقل، حيث تغيب الحماية المرتبطة بعقد الشغل دون أن تتحقق الاستقلالية الاقتصادية الحقيقية للمقاول. ففي صميم هذه المنطقة تكمن أزمة المفاهيم الكلاسيكية التي تأسس عليها قانون الشغل، وعلى رأسها معيار “التبعية القانونية”. فهذا المعيار، الذي صُمم ليناسب واقعاً تكون فيه سلطات المشغل واضحة ومباشرة، وجد نفسه في مواجهة نموذج عمل يعتمد على “الإدارة الخوارزمية”(Algorithmic Management)  لإخفاء مظاهر السلطة والرقابة، وهو ما وصفه بعض الفقه بأنه “تحايل معياري”(fraude à la qualification)  يهدف إلى التهرب من تطبيق قانون الشغل[3].

وتتجلى خطورة هذه الأزمة في الأبعاد المتعددة التي تكتسيها. فعلى المستوى القانوني، هي تمثل اختباراً حقيقياً لمدى مرونة النظم القانونية، بينما على المستوى الاجتماعي، تهدد بتقويض أسس النموذج الاجتماعي القائم على الحماية. يضاف إلى ذلك بعد اقتصادي خطير، يتمثل في خلق منافسة غير مشروعة للشركات التقليدية، مما قد يؤدي إلى سباق نحو الأسفل بخصوص معايير الشغل والحماية الاجتماعية على مستوى الاقتصاد ككل[4].

وبناءً على ما سبق، تتمحور الإشكالية المركزية لهذا الموضوع حول التساؤل التالي: إلى أي حد استطاع معيار التبعية القانونية، كأداة محورية في قانون الشغل، الصمود والتكيف أمام التحديات البنيوية التي يفرضها نموذج العمل عبر المنصات الرقمية؟

وللإجابة على هذه الإشكالية، تتفرع عنها أسئلة فرعية جوهرية:

  • كيف أدت آليات عمل المنصات الرقمية إلى تفكيك المظاهر التقليدية للتبعية القانونية وإظهار محدوديتها النظرية؟
  • وما هو المسار الذي اتخذه القضاء المقارن، وتحديداً القضاء الفرنسي، في مواجهته لهذه الإشكالية، وهل نجح في إعادة بناء مفهوم التبعية في سياق رقمي؟

ولمعالجة هذه التساؤلات، ينطلق هذا المقال من فرضية أساسية مفادها أن معيار التبعية القانونية، رغم الأزمة التي واجهها، لم يفقد صلاحيته، بل أثبت مرونة كامنة وقدرة على التطور. هذه المرونة تجلت بشكل حاسم في الاجتهاد القضائي المقارن الذي نجح، بعد مرحلة من التردد، في اختراق “الحجاب التكنولوجي” للمنصات وتكريس مفهوم “التبعية الرقمية”.

وللإحاطة بمختلف جوانب هذه الإشكالية والتحقق من صحة الفرضية التي انطلقنا منها، سيتم تقسيم هذا المقال إلى مطلبين متكاملين يتبعان مساراً منطقياً ينتقل من النظرية إلى التطبيق، ابتداء بالوقوف عند إشكالية محدودية معيار التبعية القانونية وتجلياتها النظرية، ثم سنقوم بعد ذلك بدراسة موقف القضاء المقارن الذي برز في بدايته بصورة مترددة قبل أن يعرف تطورا شكل ترجمة وتجسيدا لفكرة “قدرة القانون على التجدد والتكيف مع الوقائع المستجدة”.

المطلب الأول: محدودية معيار التبعية القانونية وتجلياتها النظرية

لقد شكل معيار التبعية القانونية، منذ نشأته في رحم الثورة الصناعية كاستجابة قانونية لواقع اجتماعي جديد، حجر الزاوية الذي بُني عليه صرح قانون الشغل الحديث. فهو لم يكن مجرد أداة تقنية لتصنيف العقود، بل كان تجسيداً لفلسفة حمائية تهدف إلى إعادة التوازن في علاقة غير متكافئة بطبيعتها بين مالك رأس المال (المشغل) والأجير الذي لا يملك سوى قوة عمله. لذلك ظل معيار التبعية القانونية صامدا لعقود وأثبت فعاليته في تنظيم علاقات الشغل القائمة على نموذج الإنتاج الصناعي التقليدي، ذي الهيكلة الهرمية الواضحة[5].

وتتجسد هذه التبعية الكلاسيكية في ثلاثة أركان متكاملة:

الأول، يتجلى في سلطة التوجيه التي تمنح المشغل حق إصدار الأوامر وتحديد ماهية الشغل وكيفية أدائه ومكانه وزمانه، وهي السلطة التي تضع الأجير في موقع المنفذ لتعليمات غيره.

والثاني، فيبرز من خلال سلطة الرقابة التي تخول للمشغل صلاحية تتبع ومراقبة مدى التزام الأجير بتلك التوجيهات، سواء بشكل مباشر عبر مشرفين أو بشكل غير مباشر عبر تقارير الأداء.

أما الثالث، فيظهر على شكل سلطة الجزاء التي تمكن المشغل من فرض عقوبات تأديبية عند إخلال الأجير بالالتزامات المهنية، وهي التجسيد الأوضح لعلاقة القوة غير المتكافئة.

غير أن هذا الصرح النظري، الذي صُمم ليناسب واقع القرن العشرين، بدأ يواجه تحدياً وجودياً أمام بزوغ نموذج العمل عبر المنصات الرقمية. ذلك أن هذه المنصات -التي تمثل ذروة “رأسمالية المنصات”- استطاعت بفضل هندسة قانونية وتكنولوجية متطورة أن تفكك الرابط المادي المباشر بين الإدارة والأجير، وتخلق نموذجاً يبدو ظاهرياً متحرراً من قيود علاقة الشغل التقليدية.

ويستند الخطاب القانوني لهذه المنصات، الذي صيغ بعناية فائقة في “شروط الاستخدام” التي يوافق عليها الأجير بنقرة زر، إلى أنها مجرد “وسيط تكنولوجي” أو “سوق رقمي” محايد. فهي تدعي أنها لا تمارس أي سلطة إدارية، مستندة في ذلك إلى أنها لا تفرض ساعات عمل محددة، بل تتيح للأجير “حرية” الاتصال بالمنصة وقتما يشاء، كما أنها لا تفرض عليه قبول مهام معينة، بل تمنحه “حرية” الاختيار بين العروض المتاحة.

هذا الخطاب يهدف بشكل ممنهج إلى تحقيق غاية استراتيجية، وهي إخراج العلاقة التعاقدية من نطاق قانون الشغل، الذي يقوم على منطق الحماية والحد الأدنى من الحقوق، وإدخالها في فضاء القانون التجاري أو المدني، حيث تسود مبادئ “حرية التعاقد” و”سلطان الإرادة” بين أطراف يفترض فيهم التكافؤ القانوني والاقتصادي، وهو افتراض يتجاهل واقع القوة السوقية الكبيرة للمنصة.

وهنا يكمن جوهر الإشكال، فهذه الاستقلالية المزعومة لا تعدو كونها قناعاً يخفي وراءه أشكالاً جديدة ومقنّعة من التبعية. فالخوارزمية ليست مجرد أداة تقنية محايدة، بل هي تجسيد رقمي لسلطات المشغل التقليدي، أو ما يمكن تسميته بـ “المدير الخوارزمي(Algorithmic Manager) ” فهي تمارس أولاً سلطة التوجيه بشكل غير مباشر لكنه فعال، عبر تحديد الأسعار ديناميكياً، واقتراح المسارات، وتوزيع المهام بناءً على معايير أداء غير شفافة.  

وإلى جانب هذا التوجيه، تمارس الخوارزمية سلطة الرقابة بشكل أكثر قسوة، حيث تقوم بجمع سيل مستمر من البيانات عبر التتبع الدائم للموقع الجغرافي ومراقبة الأداء. وهذه البيانات لا تخدم مجرد غاية تقنية لتحسين الخدمة، بل تشكل الأداة الأساسية لتقييم الأجير وتصنيفه بشكل فوري، مما يكرس حالة من الخضوع المستمر لسلطة المنصة الرقابية.

أما سلطة الجزاء، فتتخذ أشكالاً رقمية لا تقل قسوة عن الجزاءات التقليدية. فالتقييمات السلبية أو مخالفة “معايير المجتمع” التي تضعها المنصة من جانب واحد، قد تؤدي إلى عقوبات آلية وفورية. تتدرج هذه العقوبات من “التعطيل المؤقت” للحساب “Soft block” الذي يحرم الأجير من الدخل لساعات أو أيام، وصولاً إلى “الحذف النهائي” للحساب “Deactivation”، وهو ما يعادل “الطرد الرقمي” التعسفي، الذي يتم غالباً دون سابق إنذار أو إمكانية حقيقية للتظلم أو الدفاع.

ويمكن تفكيك هذه التبعية المستحدثة إلى بعدين رئيسيين متداخلين: فمن جهة أولى، تبرز تبعية اقتصادية ساحقة. لكونها لا تقتصر فقط على اعتماد الأجير على المنصة كمصدر أساسي لدخله، بل تتعمق عبر آليات نفسية وسلوكية مثل “التلعيب” “Gamification”، حيث تستخدم المنصة أنظمة المكافآت والشارات والتحديات لتشجيع الأجير على العمل لساعات أطول والبقاء متصلاً بالمنصة، مما يزيد من اعتماده عليها ويجرده من أي قوة تفاوضية حقيقية.

هذا الضعف التفاوضي يظهر جلياً في عجز الأجير عن التأثير في سعر خدمته. ذلك أن الأسعار تفرضها الخوارزمية بشكل أحادي، وغالباً ما تكون ديناميكية ومتقلبة، مما يحرم الأجير من أي استقرار أو قدرة على التخطيط المالي. ونتيجة هذا الوضع يجد الأجير نفسه في وضعية ما قبل قانون الشغل، بمعنى تحول الأجير إلى مجرد “عنصر إنتاج” يخضع لمنطق العرض والطلب، لا طرفاً في علاقة اجتماعية يحميها القانون.

ومن جهة ثانية، تتكرس تبعية تقنية لا تقل أهمية، وهي تبعية تتمثل في خضوع الأجير لنظام رقمي مغلق ومملوك بالكامل للمنصة، مما يفقده السيطرة على بيئة عمله. وتبدأ هذه التبعية بشكل ملموس من خلال فرض المنصة لاستخدام تطبيقاتها الحصرية وأدواتها الخاصة، الأمر الذي يترتب عليه في كثير من الأحيان إجبار الأجير على اقتناء تجهيزات محددة (كموديل معين للسيارة أو هاتف ذكي بمواصفات خاصة)[6]، وهو ما يشكل قيداً مباشراً على حريته في اختيار أدوات عمله.

وتتعمق هذه التبعية التقنية عبر نظام التقييم المستمر من قبل الزبناء والخوارزمية. هذا النظام لا يعمل فقط كمؤشر جودة، بل كأداة رقابة سلوكية دائمة، أو ما أسماه الفلاسفة بـ “البانوبتيكون الرقمي” “Panoptique numérique”، حيث يشعر الأجير بأنه مراقب في كل حركة، مما يدفعه إلى تعديل سلوكه ليتوافق مع ما تتوقعه المنصة، وهو شكل من أشكال الانضباط الذاتي المفروض من الخارج.

ويضاف إلى ذلك أن عدم امتلاك الأجير لقاعدة بيانات الزبناء، التي تعتبر من أثمن أصول المنصة، يجعله غير قادر على بناء عمله الخاص بعيداً عنها. فهو يبني “سمعة رقمية” داخل نظام مغلق، وإذا قرر مغادرة المنصة أو تم طرده منها، فإنه يفقد هذه السمعة بالكامل ويبدأ من الصفر. هذا “الحبس الرقمي” “”Digital Lock-in يكرس تبعيته الدائمة للمنصة ويمنعه من تحقيق الاستقلالية الحقيقية التي يتمتع بها المقاول المستقل التقليدي، والتي بشرت بها هذه المنصات.

إن هذا التداخل المعقد بين الأبعاد المختلفة للتبعية كشف عن وضع قانوني هجين[7]، أطلق عليه الفقه المقارن وصف “المنطقة الرمادية”. فالأجير في هذه المنطقة لا يستوفي الشروط الشكلية لصفة “الأجير” وفق التفسير الكلاسيكي، وفي نفس الوقت لا يتمتع بالاستقلالية الاقتصادية والحرية التنظيمية التي تميز “المقاول الحر أو الذاتي”. ما أدى إلى ظهور نوع أخر من الأجراء يمكن أن يطلق عليه “أجير هجين” يجمع بين مخاطر المقاولة الحرة (تحمل تكاليف أدوات العمل، غياب الأجر المضمون، انعدام الحماية الاجتماعية) دون أن يحظى بامتيازاتها (حرية تحديد الأسعار، بناء قاعدة زبناء خاصة).

ويمكن تفكيك مفهوم “المنطقة الرمادية” الفقهي المركب، الذي لا يمثل حلاً بقدر ما يصف أزمة، إلى ثلاثة أبعاد متكاملة تكشف عن عمق الإشكالية:

أولاً، البعد المتعلق بالفراغ القانوني (Une zone vide juridique) : حيث تمثل “المنطقة الرمادية” – في إطار هذا البعد – المساحة التي تقع بين التصنيفات القانونية الواضحة، باعتبارها منطقة لا ينطبق عليها قانون الشغل بشكل كامل (لأن مظاهر التبعية التقليدية غائبة)، ولا ينطبق عليها قانون المقاولة بشكل عادل (لأن الاستقلالية الحقيقية منعدمة). كما أن الأجير في هذه المنطقة يسقط في فراغ قانوني، فلا هو أجير يتمتع بالحماية، ولا هو مقاول حقيقي يتمتع بالحرية.[8]

ثانياً، البعد المتعلق بالتباس التكييف(Une zone de qualification incertaine) : ففي هذا السياق، تصبح المنطقة الرمادية ساحة معركة قضائية حول تكييف العلاقة على أنها تجارية، بينما يسعى الأجراء والقضاء إلى إعادة تكييفها كعلاقة شغل. فعبارة “الرمادية” هنا تعكس حالة الشك وعدم اليقين القضائي، حيث يمكن لقرار قضائي أن يذهب في اتجاه، وقرار آخر في الاتجاه المعاكس، قبل أن تستقر محكمة النقض على معيار موحد[9].

ثالثاً، البعد المتعلق بالحماية الجزئية(Une zone protection partielle) : فمع المحاولات التشريعية الأولى، أصبحت المنطقة الرمادية تشير أيضاً إلى الوضع الذي يتمتع فيه الأجير ببعض الحقوق الاجتماعية المحدودة  (مثل الحق في التكوين أو الانضمام لنقابة). غير أن عبارة “الرمادية” هنا لا تعني غياب الحماية تماماً، بل وجود حماية منقوصة أو جزئية، وهي حماية “رمادية” وليست “بيضاء” (حماية كاملة) أو “سوداء” (غياب كامل للحماية)[10].

وبالتالي، فإن التحدي المطروح على الفكر القانوني اليوم لا يقتصر على مجرد تكييف أداة قانونية قديمة، بل يتعداه إلى التساؤل حول قدرة قانون الشغل نفسه على الصمود في وجه نموذج إنتاجي يسعى بشكل ممنهج إلى تفكيك “علاقة الشغل” ذاتها، وتحويلها إلى مجرد “علاقة تجارية” بين أطراف متساوية ظاهرياً، وغير متكافئة واقعياً.

إن الفشل في مواجهة هذا التحدي لا يعني فقط ترك فئة متزايدة من الأجراء دون أي حماية، بل يهدد بتقويض أحد أهم المكتسبات الاجتماعية للقرن العشرين، ويفتح الباب أمام مستقبل قد يعود فيه “العمل عند الطلب” هو القاعدة، والحماية الاجتماعية هي الاستثناء.

المطلب الثاني: تردد القضاء المقارن وتطوره العملي: التجربة الفرنسية نموذجاً

انتقلت الإشكالية التي أحدثها نموذج المنصات الرقمية في بنية قانون الشغل من حقل التنظير الفقهي إلى ساحات القضاء الذي وجد نفسه في خط المواجهة الأول أمام هذا التحدي. وقد شكل القضاء الفرنسي، بحكم رمزيته التاريخية كمصدر إلهام للعديد من التشريعات ومنها التشريع المغربي، المختبر الحقيقي الذي تجلت فيه كل تعقيدات هذه الإشكالية، حيث خاض معركة قضائية طويلة لتكييف أدواته التقليدية مع واقع الشغل الرقمي الجديد.

ففي مرحلة أولى، اتسم الموقف القضائي الفرنسي بالتردد والحذر الشديد، وهي مرحلة يمكن وصفها بـ”الصدمة المعيارية” أمام نموذج غير مألوف. ففي مواجهة الحجج القانونية المتقنة التي قدمتها المنصات، والتي ركزت على “حرية” الأجير في الاتصال ورفض المهام، وجد قضاة الموضوع أنفسهم أمام صعوبة بالغة في تطبيق معيار التبعية القانونية بأركانه الكلاسيكية على علاقة شغل تتم إدارتها عبر خوارزمية غير مرئية، حيث كانوا يبحثون عن المظاهر المادية المباشرة للسلطة، كالأوامر الشفهية أو المكتوبة والرقابة الشخصية من مشرف، فلم يجدوها بالشكل المألوف، مما أدى إلى حالة من الارتباك القضائي.

هذا التردد تجسد في سلسلة من الأحكام الصادرة عن محاكم الدرجة الأولى والاستئناف، والتي مالت في معظمها إلى تبني الطرح الليبرالي للمنصات. فقد اعتبرت هذه القرارات أن العلاقة بين الأجير والمنصة هي علاقة تجارية بين طرفين مستقلين، وأن المنصة لا تعدو كونها مجرد وسيط يقدم خدمة تقنية. وقد كان لهذه “الأجوبة القضائية الخجولة”، كما وصفها بعض الفقه الفرنسي بدقة، أثر مباشر وخطير، تمثل في تكريس الفراغ القانوني وحرمان فئة واسعة من الأجراء من أي حماية مرتبطة بصفة الأجير، مما أثار انتقادات فقهية واسعة حذرت من مخاطر هذا التوجه على مستقبل قانون الشغل[11].

إلا أن هذا التوجه لم يكن ليصمد طويلاً أمام واقع الممارسة الذي يزداد وضوحاً، وأمام الضغط المتزايد من النقابات العمالية والتحليلات الفقهية التي كانت تدق ناقوس الخطر، حيث بدأت تصور العلاقة التبعية الجديدة لدى القضاة يتضح تدريجياً على أن غياب المظاهر التقليدية للسلطة لا يعني غياب السلطة ذاتها، بل يعني أنها تمارس بوسائل جديدة وأكثر تعقيداً. وقد أشار فقهاء بارزون في هذا الصدد إلى ضرورة البحث عن “التبعية في العصر الرقمي” ليس في الأشكال، بل في جوهر علاقة القوة الاقتصادية والتقنية التي تفرضها المنصة[12].

وشكل قرار محكمة الاستئناف بباريس الصادر في 10 نوفمبر 2015 منعطفاً أولياً، وإن كان محتفظاً ببعض الحذر. ففي قضية “L’uber de la séduction”، ورغم أن المحكمة لم تصل إلى حد إعادة تكييف العقد إلى عقد شغل، إلا أنها أقرت بوجود “علاقة تبعية” من نوع ما، وفتحت الباب أمام إمكانية مساءلة المنصة عن إنهاء العلاقة بشكل تعسفي. لقد كان هذا القرار بمثابة أول شرخ في جدار الحصانة القانونية التي كانت تتمتع بها المنصات، وأعطى إشارة أولى بأن القضاء بدأ يعيد النظر في تحليله التقليدي[13].

لكن التحول الحاسم والجذري جاء من أعلى سلطة قضائية في فرنسا، محكمة النقض، التي قررت، في إطار دورها التوحيدي للاجتهاد القضائي، أن تضع حداً لحالة التضارب والتردد. ففي قرارها التاريخي والمؤسس الصادر بتاريخ 28 نوفمبر 2018 في قضية “Take Eat Easy”، تبنت الغرفة الاجتماعية رؤية أكثر عمقاً وواقعية، معلنة المبدأ الأساسي القائل بأن وجود علاقة شغل لا يعتمد على الإرادة المعلنة للأطراف أو التسمية التي يطلقونها على العقد، بل على ظروف الأداء الفعلية للشغل. وقد قامت المحكمة في هذا القرار بتطبيق منهجية “حزمة المؤشرات” “faisceau d’indices” بشكل مبتكر، وهي منهجية ليست جديدة في حد ذاتها، لكن الجديد هو تطبيقها على واقع رقمي. فلم تبحث المحكمة عن ركن واحد للتبعية، بل قامت بتجميع عدد من العناصر التي أثبتت في مجملها وجود سلطة فعلية للمنصة. وقد استخلصت المحكمة هذه المؤشرات من خلال تحليل دقيق لآليات عمل التطبيق الرقمي نفسه، معتبرة أن التطبيق ليس مجرد أداة، بل هو فضاء لممارسة السلطة الإدارية[14].

فمن بين المؤشرات التي اعتمدتها المحكمة، برز امتلاك المنصة لنظام تحديد الموقع الجغرافي الذي يسمح بتتبع حركة الأجير بشكل مستمر، وهو ما اعتبرته المحكمة شكلاً من أشكال الرقابة التي تتجاوز مجرد ضمان حسن سير الخدمة. كما أشارت إلى أن المنصة تحتفظ بسلطة تحديد خصائص الخدمة ومواصفاتها، مما يقيد حرية الأجير في طريقة أدائه لعمله، ويجعله مجرد منفذ لعملية تم تصميمها بالكامل من قبل المنصة. والأهم من ذلك كله، ركزت المحكمة بشكل خاص على امتلاك المنصة لـ”سلطة توقيع الجزاء”. وقد اعتبرت أن إمكانية قطع اتصال الأجير بالمنصة بشكل مؤقت أو دائم، بناءً على تقييماته أو عدم احترامه لتعليمات الخوارزمية، هي التجسيد الرقمي للسلطة التأديبية التي يملكها المشغل التقليدي. هذا التحليل اعتبره الفقه الفرنسي نقلة نوعية، لأنه ربط بين “التقييم” و”الجزاء”، وأثبت أن نظام التقييم ليس مجرد مؤشر جودة، بل أداة انضباطية بامتياز[15].

وبهذا التحليل، خلصت محكمة النقض إلى أن سلطات المنصة تتجاوز بشكل واضح دور الوسيط البسيط، وتكرس علاقة تبعية حقيقية، ولو تمت إدارتها بشكل إلكتروني ومرن. وبذلك يكون هذا القرار بمثابة ثورة قضائية في ميدانه، لأنه أعلن بشكل صريح أن “التبعية القانونية” يمكن أن تكون “تبعية رقمية” أيضاً، وأن الخوارزمية يمكن أن تكون هي “المشغل” الفعلي في علاقة الشغل، وهو ما فتح الباب أمام نقاش فقهي واسع حول مفهوم “المشغل الخوارزمي”[16].

ولم يكن هذا القرار حدثاً معزولاً، بل تم تأكيده وتدعيمه بقرار آخر لا يقل أهمية صدر في 4 مارس 2020 في قضية “Uber”، والذي جاء ليرسخ هذا التوجه بشكل نهائي. ففي هذه القضية، ذهبت محكمة النقض إلى أبعد من ذلك، حيث لم تركز فقط على سلطات المنصة، بل على وضعية الأجير نفسه، مؤكدة أن الأجير الذي لا يستطيع بناء قاعدة زبناء خاصة به، ولا يملك حرية تحديد أسعار خدمته، ولا يعرف وجهة السباق إلا بعد قبوله، لا يمكن اعتباره أجيراً مستقلاً حقيقياً، حيث اعتبرت المحكمة في قرار “Uber” أن الانضمام إلى المنصة لا يمنح الأجير مجرد فرصة للوصول إلى السوق، بل يدمجه في “خدمة نقل منظمة” “un service de transport organisé”، يكون هو جزءاً لا يتجزأ منها وتكون المنصة هي المنظم والمشغل الفعلي لها. هذا التكييف الجديد، الذي اعتبر أن المنصة ليست مجرد وسيط بل “منظم خدمة”، كان له صدى واسع لأنه يقوض النموذج الاقتصادي والقانوني الذي بنت عليه “أوبر” إمبراطوريتها العالمية[17].

هذا التطور القضائي الفرنسي الحاسم لم يكن مجرد نقاش تقني، بل كان له بعد اجتماعي عميق. حيث أدرك القضاء أن ترك هؤلاء الأجراء في “المنطقة الرمادية” يعني خلق طبقة جديدة من “البروليتاريا الرقمية”، التي تتحمل كل مخاطر الشغل الحر (الاستثمار في الأدوات، غياب الدخل المضمون) دون أن تتمتع بأي من مزاياه (الاستقلالية، حرية تحديد الأسعار)، وتخضع في الآن ذاته لسلطة المشغل دون أن تستفيد من أي من ضماناته.

وبالتالي، فإن هذا المسار القضائي، الذي بدأ بالتردد وانتهى بالثورة، يقدم تجربة ملهمة. فهو تصور جديد يوضح أن الأدوات الكلاسيكية لقانون الشغل، وعلى رأسها معيار التبعية القانونية، لا تزال تتمتع بمرونة وقدرة على استيعاب التحولات الجديدة، شريطة أن يتم تفسيرها بشكل مرن وواقعي، وأن ينظر القاضي إلى جوهر العلاقة لا إلى شكلها الخارجي أو تسميتها التعاقدية. وبالتالي فهو تأكيد على أن القانون يمكن أن يتكيف لمواجهة محاولات التحايل عليه عبر الوسائل التكنولوجية[18].

ورغم أهمية هذا الحل القضائي، فإنه يطرح بدوره تحديات جديدة. فهو حل يأتي بعد نزاعات قضائية طويلة ومكلفة، ولا يوفر حماية تلقائية ومسبقة لجميع الأجراء، بل يقتصر أثره على أطراف النزاع فقط. وهذا ما يفتح الباب على التساؤل حول ضرورة تدخل المشرع لوضع حلول أكثر شمولية واستباقية، كإقرار “قرينة على وجود علاقة شغل” مثلاً.

خاتمــــة

لقد بلغ معيار “التبعية القانونية” التقليدي، رغم صموده التاريخي، إلى حدوده القصوى في مواجهة نموذج “المدير الخوارزمي” الذي تتبناه المنصات الرقمية. فهذه الأخيرة، عبر هندسة قانونية وتقنية متطورة، نجحت في تفكيك مظاهر السلطة المباشرة، مما خلق “منطقة رمادية” كرّست الهشاشة القانونية لفئة واسعة من الأجراء تحت ستار الاستقلالية الشكلية.

ورغم أن القضاء، بوصفه حارساً للمبادئ الأساسية لقانون الشغل، قد أدى دوراً حيوياً في مواجهة هذا التحدي، كما أثبتت التجربة الفرنسية، إلا أن الحلول القضائية تظل علاجية ومحدودة الأثر، حيث تأتي بعد نزاعات طويلة ومكلفة وتقتصر على أطراف الدعوى، دون أن تقدم حماية شاملة واستباقية للجميع.

وهنا تبرز أهمية التطور الحاسم الذي لم يأتِ من المشرع الوطني الفرنسي، بل من المشرع الأوروبي، الذي أقر في أبريل 2024 توجيهاً تاريخياً يقلب عبء الإثبات عبر إقرار “قرينة قانونية على وجود علاقة شغل”. إن هذا التوجه يمثل تحولاً جذرياً في ميزان القوى، ويجبر المنصات على إثبات استقلالية عمالها بدلاً من إلزام الأجراء بإثبات تبعيتهم[19].

إن هذا الحل الأوروبي، الذي أصبحت فرنسا ملزمة بتطبيقه، يقدم رؤية ملهمة لكل الأنظمة القانونية التي لا تزال تتمسك بالتحليل الكلاسيكي للتبعية. فهو يؤكد أن المواجهة الحقيقية لأزمة “الأوبرة” تتطلب جرأة تشريعية تتجاوز الحلول الترقيعية والانتظار الطويل لتطور الاجتهاد القضائي. ويبدو أن الطريق الأسلم لحماية “أجراء المنصات” وضمان حقوقهم الأساسية، يمر حتماً عبر تبني حلول تشريعية واضحة ومستلهمة من هذه التجارب الرائدة، تقوم على إقرار قرينة بسيطة على وجود علاقة الشغل، تكون هي القاعدة، والاستقلالية هي الاستثناء الذي يجب إثباته.

قائمة المراجع

أولاً: الكتب  (Ouvrages):

  • LOKIEC, Pascal, Droit du travail, 4e éd., Paris : Presses Universitaires de France, 2025.
  • LOKIEC, Pascal, Il faut sauver le droit du travail !, Paris : Tallandier, 2024.
  • RAY, Jean-Emmanuel, Droit du travail: droit vivant, 28e éd., Paris : WK-RH / Liaisons, 2020.
  • SRNICEK, Nick, Platform Capitalism, Cambridge: Polity Press, 2017.
  • SUPIOT, Alain, Au-delà de l’emploi, Paris: Flammarion, 1999.
  • SUPIOT, Alain, Critique du droit du travail, Paris: PUF, 1994.

ثانياً: المقالات والتقارير (Articles et Rapports):

  • BELLEMARE, Guy, « Zone grise du travail et de l’emploi : de quoi parle-t-on ? », CRISES (Centre de recherche sur les innovations sociales), Université du Québec à Montréal, 2024.
  • DIEUAIDE, Pascal, « De quelle régulation la notion de “zone grise d’emploi” est-elle le nom ? », Droit Social, n°5, 2017.
  • FABRE, Alexandre, “Les travailleurs des plateformes sont-ils des salariés ? Premières réponses frileuses des juges français”, Revue de droit social, 2018.
  • International Labour Organization (ILO), World Employment and Social Outlook 2021: The role of digital labour platforms in transforming the world of work, Geneva, 2021.
  • LAPEYRE, Frédéric, « Les zones grises : réintégrer les territoires sans gouvernance », Interventions Économiques, n°59, 2018.
  • LOKIEC, Pascal, “Le salariat, mort ou vif ? Réflexions après l’affaire Uber”, Revue de Droit du Travail, n° 4, 2020.
  • LYON-CAEN, Antoine, “L’employeur algorithmique“, Les Cahiers de la Justice, vol. 50, n° 2, 2019.
  • RAY, Jean-Emmanuel, « De Germinal à Internet : pour une redéfinition du contrat de travail », Droit social, n°01, 2018.
  • RAY, Jean-Emmanuel, “La qualification du contrat de travail à l’ère numérique : l’arrêt Take Eat Easy”, Droit Social, n° 1, 2019.
  • SUPIOT, Alain, “Le droit du travail à l’épreuve de la ‘plateformisation'”, Droit Social, n° 5, 2019.
  • SUPIOT, Alain, « Les nouveaux visages de la subordination», Droit Social, février 2000.

ثالثاً: القرارات القضائية (Jurisprudence):

  • (affaire L’uber de la séduction): Cour d’appel de Paris, Pôle 6 – Chambre 2, 10 novembre 2015, n° 15/01734 .
  • (affaire Take Eat Easy) : Cour de cassation, Chambre sociale, 28 novembre 2018, n° 17-20.079.
  • (affaire Uber) : Cour de cassation, Chambre sociale, 4 mars 2020, n° 19-13.316.

رابعا: المواقع الإلكترونية (Sites web):

  • https://www.doctrine.fr/d/CA/Paris/2015/RGF44719222E64A411283B95
  • https://www.courdecassation.fr/decision/5c0000a434de0e769c76d58d
  • https://www.courdecassation.fr/decision/5e5f6b547586a82331555397

[1]  Nick Srnicek, Platform Capitalism, Polity Press, Cambridge, 2017, p. 40-45

[2]  Pour plus de détails sur l’origine et le développement de ce concept dans la doctrine française, voir par exemple : Alain Supiot, Au-delà de l’emploi, Flammarion, 1999, qui a analysé les nouvelles formes de travail se situant en dehors des qualifications traditionnelles.

–  Voir également les analyses plus récentes de : Pascal Lokiec, «Le salariat, mort ou vif ?», Revue de Droit du Travail, 2020, qui décrit le conflit jurisprudentiel autour de la qualification de ces relations ambiguës.

[3] Lyon-Caen, “L’employeur algorithmique”, Les Cahiers de la Justice, vol. 50, n° 2, 2019, p. 215.

[4] International Labour Organization (ILO), World Employment and Social Outlook 2021: The role of digital labour platforms in transforming the world of work, Geneva, 2021, p. 75-80.

[5]  تشير الهيكلة الهرمية إلى نموذج التنظيم البيروقراطي الذي أرسى أسسه ماكس فيبر وطوره هنري فايول، والقائم على تقسيم واضح للعمل، وتسلسل صارم للسلطة (Chaîne de Commandement)، حيث يكون كل موظف مسؤولاً أمام رئيس واحد مباشر. وقد كان هذا النموذج هو السائد في المقاولات الصناعية الكبرى طوال القرن العشرين، وهو ما سهل على القضاء تحديد علاقة التبعية القانونية بشكل مباشر، وهو الأمر الذي أصبح معقداً مع ظهور نماذج الإدارة الشبكية (Management en Réseau) التي تتبناها المنصات الرقمية.

[6]  – على سبيل المثال، تفرض منصات النقل الإلكتروني كـ “Uber” على سائقيها استخدام سيارات لا يتجاوز عمرها عدداً معيناً من السنوات وتنتمي لفئات محددة (مثل  UberX أو Comfort ) هذه الشروط لا ترتبط بتشغيل التطبيق، بل تهدف إلى فرض معيار جودة موحد على الخدمة المقدمة للزبون، وهي ممارسة تندرج ضمن سلطة التوجيه والإشراف التي يمارسها المشغل التقليدي على جودة الإنتاج.

[7]  Alexandre Fabre, “Les travailleurs des plateformes sont-ils des salariés ? Premières réponses frileuses des juges français”, Revue de droit social, 2018, p. 547

[8]  Alain Supiot, « critique du droit du travail », paris, puf, 1994, pp. 133-139.

[9]  Pour en savoir plus sur la « zone de qualification incertaine », voir les références suivantes:

–  Pascal Lokiec, Droit du travail, 4e éd., Paris : Presses Universitaires de France, 2025, pp. 109-115.
–  Pascal Lokiec, Il faut sauver le droit du travail !, Paris : Tallandier, 2024, pp. 76-79.
–  Jean-Emmanuel Ray, Droit du travail: droit vivant, 28e éd., Paris : WK-RH / Liaisons, 2020, pp. 229-235.
–  Jean-Emmanuel Ray, « De Germinal à Internet : pour une redéfinition du contrat de travail», Droit social, n°01, 2018, pp. 52-56

[10]  Pour en savoir plus sur la « zone protection partielle», voir les références suivantes:

–  Pascal Dieuaide, « De quelle régulation la notion de “zone grise d’emploi” est-elle le nom ? », Droit Social, n°5, 2017, pp. 507-515.
–  Alain Supiot, « Les nouveaux visages de la subordination », Droit Social, février 2000, pp. 131-137.
–  Guy Bellemare, « Zone grise du travail et de l’emploi : de quoi parle-t-on ? », CRISES (Centre de recherche sur les innovations sociales), Université du Québec à Montréal, 2024, pp. 11-15.
–  Frédéric Lapeyre, « Les zones grises : réintégrer les territoires sans gouvernance », Interventions Économiques, n°59, 2018, pp. 67-88.

[11]  Alexandre Fabre, “Les travailleurs des plateformes sont-ils des salariés ? Premières réponses frileuses des juges français”, Revue de droit social, 2018, p. 547

[12] Alain Supiot, “Le droit du travail à l’épreuve de la ‘plateformisation'”, Droit Social, n° 5, 2019, p. 405

[13]  Cour d’appel de Paris, Pôle 6 – Chambre 2, 10 novembre 2015, n° 15/01734 .

 (affaire L’uber de la séduction), disponible sur :

https://www.doctrine.fr/d/CA/Paris/2015/RGF44719222E64A411283B95, (consulté le 05/09/2025).

[14] Cour de cassation, Chambre sociale, 28 novembre 2018, n° 17-20.079,

 (affaire Take Eat Easy), disponible sur :

https://www.courdecassation.fr/decision/5c0000a434de0e769c76d58d, (consulté le 05/09/2025).

[15]  Jean-Emmanuel Ray, “La qualification du contrat de travail à l’ère numérique : l’arrêt Take Eat Easy”, Droit Social, n° 1, 2019, p. 88

[16]  Antoine Lyon-Caen, “L’employeur algorithmique”, Les Cahiers de la Justice, vol. 50, n° 2, 2019, p. 215

[17]  Cour de cassation, Chambre sociale, 4 mars 2020, n° 19-13.316,

(affaire Uber), disponible sur :

https://www.courdecassation.fr/decision/5e5f6b547586a82331555397, (consulté le 05/09/2025).

[18] Pascal Lokiec, “Le salariat, mort ou vif ? Réflexions après l’affaire Uber”, Revue de Droit du Travail, n° 4, 2020, p. 245

[19] Directive (UE) 2024/1124 du Parlement européen et du Conseil du 24 avril 2024 relative à l’amélioration des conditions de travail dans le cadre du travail via une plateforme, Journal officiel de l’Union européenne, L1124, 30.4.2024. Disponible sur :

https://eur-lex.europa.eu/legal-content/FR/TXT/?uri=CELEX:32024L1124, (consulté le 05/09/2025).

ظهرت المقالة أزمة معيار التبعية القانونية أمام نموذج المنصات الرقمية: قراءة في التحولات النظرية والاجتهاد القضائي المقارن أولاً على aljami3a.com.

]]>
https://www.aljami3a.com/1584/%d8%a3%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d9%85%d8%b9%d9%8a%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a8%d8%b9%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d9%86%d9%88%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a3%d9%85%d8%a7%d9%85-%d9%86%d9%85%d9%88/feed/ 0
إلى طلبتنا الأعزاء .. طلبة القانون بمناسبة اليوم العالمي للقانون https://www.aljami3a.com/1573/%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%b7%d9%84%d8%a8%d8%aa%d9%86%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b9%d8%b2%d8%a7%d8%a1-%d8%b7%d9%84%d8%a8%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d9%86%d9%88%d9%86-%d8%a8%d9%85%d9%86%d8%a7%d8%b3/ https://www.aljami3a.com/1573/%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%b7%d9%84%d8%a8%d8%aa%d9%86%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b9%d8%b2%d8%a7%d8%a1-%d8%b7%d9%84%d8%a8%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d9%86%d9%88%d9%86-%d8%a8%d9%85%d9%86%d8%a7%d8%b3/#respond Sun, 14 Sep 2025 14:58:12 +0000 https://www.aljami3a.com/?p=1573 تساؤلات تعترض الطلبة الجدد العديد من التساؤلات التي تراودهم خلال مرحلة انتقالهم من الثانوي إلى التعليم الجامعي، ولعل أهم تلك الأسئلة ما يتعلق بالتخصص الذي يرغبون في متابعته على مستوى التعليم العالي، فتراهم في تيه من أمرهم بين من يختار هذا التخصص بحكم دوافع عائلية، أو ذاك الذي يختاره بحكم علاقات الصداقة التي تربطه بأحد أصدقائه وأقرانه، أو ثالث يبتعد عن تخصص معين بحكم ما يراه في واقع محيطه من خيبة أصابت بعض من يعرفهم من الأشخاص، وخوفا من مصير مجهول قد ينتظرهم. هواجس وإذا كانت هواجس المستقبل أمرا لصيقا بالطبيعة البشرية التي تخشى ما تحمله لها الأقدار في المستقبل، فإننا نقول في بادئ الأمر أن تلك الأقدار كلها بيد الله، فلا أحد منا يملك قدره ولا أحد منا يمكنه الهروب منه، غير أن مسؤوليتنا اتجاه أقدارنا تلك تكمن في ضرورة القيام بما هو واجب علينا في الحال دون المآل. وفي هذا السياق، لا بد لمن يختار أي تخصص من طلبتنا الأعزاء أن يسعى إلى بذل كل الجهد من أجل التحصيل العلمي، والرفع من مستواه المعرفي، ليكون أهلا للدرجة العلمية التي سيتحصل عليها، بدل أن يهدر الوقت والجهد في ما لا طائلة منه، بحثا عن أيسر الطرق للوصول إلى تلك الدرجة ولو بطريقة غير مشروعة. انتبهوا ولا يخفى على كل واحد ممن ينتمون للجامعة، وخاصة طلبتنا الأعزاء مختلف المتغيرات التي يشهدها الوسط الأكاديمي، سواء على مستوى تجويد العرض البيداغوجي، أو على مستوى تطوير آليات اختيار الطلبة القادرين على مواصلة الدراسات الجامعية في أعلى مستوياتها. ومن أجل ذلك فإن المزاوجة بين العمل الآني الدؤوب ومواكبة المحاضرات، مواكبة متواصلة من جهة، مع استحضار آفاق المستقبل، وما يتطلبه...

ظهرت المقالة إلى طلبتنا الأعزاء .. طلبة القانون بمناسبة اليوم العالمي للقانون أولاً على aljami3a.com.

]]>
تساؤلات

تعترض الطلبة الجدد العديد من التساؤلات التي تراودهم خلال مرحلة انتقالهم من الثانوي إلى التعليم الجامعي، ولعل أهم تلك الأسئلة ما يتعلق بالتخصص الذي يرغبون في متابعته على مستوى التعليم العالي، فتراهم في تيه من أمرهم بين من يختار هذا التخصص بحكم دوافع عائلية، أو ذاك الذي يختاره بحكم علاقات الصداقة التي تربطه بأحد أصدقائه وأقرانه، أو ثالث يبتعد عن تخصص معين بحكم ما يراه في واقع محيطه من خيبة أصابت بعض من يعرفهم من الأشخاص، وخوفا من مصير مجهول قد ينتظرهم.

وإذا كانت هواجس المستقبل أمرا لصيقا بالطبيعة البشرية التي تخشى ما تحمله لها الأقدار في المستقبل، فإننا نقول في بادئ الأمر أن تلك الأقدار كلها بيد الله، فلا أحد منا يملك قدره ولا أحد منا يمكنه الهروب منه، غير أن مسؤوليتنا اتجاه أقدارنا تلك تكمن في ضرورة القيام بما هو واجب علينا في الحال دون المآل.

وفي هذا السياق، لا بد لمن يختار أي تخصص من طلبتنا الأعزاء أن يسعى إلى بذل كل الجهد من أجل التحصيل العلمي، والرفع من مستواه المعرفي، ليكون أهلا للدرجة العلمية التي سيتحصل عليها، بدل أن يهدر الوقت والجهد في ما لا طائلة منه، بحثا عن أيسر الطرق للوصول إلى تلك الدرجة ولو بطريقة غير مشروعة.

ولا يخفى على كل واحد ممن ينتمون للجامعة، وخاصة طلبتنا الأعزاء مختلف المتغيرات التي يشهدها الوسط الأكاديمي، سواء على مستوى تجويد العرض البيداغوجي، أو على مستوى تطوير آليات اختيار الطلبة القادرين على مواصلة الدراسات الجامعية في أعلى مستوياتها. ومن أجل ذلك فإن المزاوجة بين العمل الآني الدؤوب ومواكبة المحاضرات، مواكبة متواصلة من جهة، مع استحضار آفاق المستقبل، وما يتطلبه من تفوق معرفي أساسا من جهة أخرى، تصبح أمرا ضروريا وبوابة نحو السعي إلى مستقبل أفضل بإذن الله تعالى.

وبما أن المناسبة شرط كما يقول المثل؛ فإنني أتوجه أساسا بخطابي إلى طلبتنا الجدد والقدامى على حد سواء ممن اختاروا أن يواصلوا مشوارهم الدراسي في تخصص القانون، لأقول لهم إن اختيار القانون كحقل معرفي ليس بالأمر الهين أولا، فالمتخصص في القانون يحتاج لأن يكون شخصا موسوعيا، لتكون ثقافته العامة خادمة لتخصصه. فالمتخصصون في القانون يحتاجون ليكونوا على دراية بأساسيات التاريخ لمعرفة جذور الظاهرة القانونية كما عليهم التمكن من أساسيات أو مداخل علم الاجتماع للوقوف على حقيقة الظواهر الاجتماعية التي يتخذ منها القانون أساسا لتنظيمها، وعليهم الاطلاع على المبادئ العامة للاقتصاد نظرا للعلاقة الوطيدة بين القانون والاقتصاد، وهكذا. وما نراه من اكتفاء طلبتنا بالمحاضرات فقط لا يصنع متخصصا في القانون، بل بالكاد يساعدهم في اجتياز الامتحان، والتعامل مع المحاضرات تعاملا ظرفيا ينتهي باستيفاء الامتحانات المطلوبة ليبدأ مشوارا جديدا مع سداسية أخرى وكأن قدره التعامل مع كل سداسية على حدة.

إن الحقيقة التي يجب أن يستحضرها طلاب القانون هي أن الدراسة الأكاديمية، وخاصة الجامعية، دراسة تراكمية. بمعنى أن تدرجهم في مختلف مستويات الدراسة إنما يتحقق بالتمكن من الدرس الأول لكونه أساسا للدرس الثاني، الذي بدوره يعد مدخلا للدرس الثالث وهكذا؛ الشيء الذي يصبح معه التحصيل العلمي سلسلة متواصلة لا يقطعها أجل ولا توقفها امتحانات.

ومن جهة أخرى، فما على طلاب القانون أن يستحضروه أيضا، هو ذلك الترابط القائم بين مختلف مواد الدراسات القانونية، فلا يجوز تصور أن كل مادة منفصلة عن الأخرى، وبالتالي فعلى كل طالب أن يجتهد في إيجاد الرابط الذي يربط المواد المختلفة، وخاصة تلك التي تنتمي لفرع قانوني معين كالقانون المدني أو القانون الجنائي أو القانون العقاري، وما إلى ذلك.

إن الاشتغال بطريقة متواصلة منذ بداية السنة مع المواكبة الحثيثة للمحاضرات وتحضيرها والتوسع في البحث في عناصرها سيكون المفتاح لكل مستقبل مشرق يتمناه كل طالب.

وإذا كان التحصيل العلمي يتطلب جهدا من طلاب القانون، فإن الجانب النفسي والمعنوي يحتل مركزا مهما في مسيرة ذلك التحصيل، فاختيار الزملاء المناسبين، الذين يبثون الروح الإيجابية، ويدعمون المبادرات الشخصية الرائدة، ويساهمون في تطوير الملكات والمؤهلات، ويساعدون في تشكيل روح الفريق، يعتبر عاملا مهما من عوامل النجاح.

وفي المقابل فإن النظر إلى المستقبل بروح اليأس التي تتغذى على النماذج السيئة، والتجارب الفاشلة التي لم تأخذ من الأساس بأسباب التفوق، من شأنه أن يفتت من عضد الجد، ويساهم في رسم صورة قاتمة للمستقبل.

وكما يقول المثل ” لا تحصد اليد إلا ما زرعته”. فإن كان ما زرعته جدا واجتهادا فالنتيجة ستكون مثمرة ومرضية لا شك، وأما إن كان الزرع تيئيسا فالنتيجة ستكون تدميرا محققا لمستقبل كان من الممكن أن يكون مشرقا.

ظهرت المقالة إلى طلبتنا الأعزاء .. طلبة القانون بمناسبة اليوم العالمي للقانون أولاً على aljami3a.com.

]]>
https://www.aljami3a.com/1573/%d8%a5%d9%84%d9%89-%d8%b7%d9%84%d8%a8%d8%aa%d9%86%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b9%d8%b2%d8%a7%d8%a1-%d8%b7%d9%84%d8%a8%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d9%86%d9%88%d9%86-%d8%a8%d9%85%d9%86%d8%a7%d8%b3/feed/ 0
العقوبات البديلة بين بداية المسار وأمل الانتصار https://www.aljami3a.com/1568/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%88%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%af%d9%8a%d9%84%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a8%d8%af%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a7%d8%b1-%d9%88%d8%a3%d9%85/ https://www.aljami3a.com/1568/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%88%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%af%d9%8a%d9%84%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a8%d8%af%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a7%d8%b1-%d9%88%d8%a3%d9%85/#respond Fri, 12 Sep 2025 14:29:15 +0000 https://www.aljami3a.com/?p=1568 كما هو معلوم فإن توقيع العقاب على من تحلى بصفة الجاني هو من بين الأهداف الرئيسية للسياسة الجنائية ببلادنا التي تباشر بطريقة محكمة منبعها جهاز النيابة العامة في شخص الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، وإن كان الدور الأساس لهذه الجهة فإن التدخل لا يبقى حكرا عليها فأيادي الإسهام عديدة شاكلتها مؤسسات أخرى والحديث هنا عن المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج مرورا ب السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، أجهزة تنبهت لمأمورية مهمة وهو أن النمط التقليدي للإدانة يسهم في تعبئة شديدة للمؤسسات السجنية سواء منها المركزية أو المحلية وهو ما يفرغ المجهودات المقامة من محتواها لأنها تقدم حلا يؤدي لإشكال، وهذا ما جعل بالجهاز المكلف بالتشريع بالمملكة المغربية يتدخل ويصدر قانون العقوبات البديلة بتاريخ 22 أغسطس 2024 صدور ظل موقوفا لسنة كاملة بغرض إعداد النصوص اللازمة لتطبيقه، ليشهد المغرب بعد ذلك وبتاريخ 22 أغسطس 2025 التفعيل الرسمي لبنود هذا القانون بجانب المرسوم 2.25.386 الصادر في 3 يونيو 2025، قانون ومرسوم أتيا بمقتضيات بعيدة عن الطابع التقليدي محورها 4 عقوبات ذات منظور مختلف عن تلك الواردة في النصوص الوضعية الأنفة الوجود وركيزتها تنسيق فعال بين 4 متدخلين ” النيابة العامة، هيئة الحكم، الإدارة المكلفة بالسجون في شخص مديرها ودور مراقب معين لهذا الغرض وهيئة بنية ستحدث لهذا الغرض، قاضي تطبيق العقوبة”، ولأن الجهاز القضائي لا يعمل بالفكر التقليدي المتمثل في تكريس السلطة وتوقيع العقاب القاسي نجد أن المحكمة الابتدائية بأكادير أصدرت مقررا قضائيا بتاريخ 23.8.2025 بحق شخص متابع بجنحة المشاركة في إتجار بالخمور قضت بالحبس في حقه لمدة شهرين وغرامة مالية قدرها 500 درهم مع استبدال العقوبة الحبسية بعقوبة الغرامة اليومية محددة مقدارها في 300 درهم...

ظهرت المقالة العقوبات البديلة بين بداية المسار وأمل الانتصار أولاً على aljami3a.com.

]]>
كما هو معلوم فإن توقيع العقاب على من تحلى بصفة الجاني هو من بين الأهداف الرئيسية للسياسة الجنائية ببلادنا التي تباشر بطريقة محكمة منبعها جهاز النيابة العامة في شخص الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، وإن كان الدور الأساس لهذه الجهة فإن التدخل لا يبقى حكرا عليها فأيادي الإسهام عديدة شاكلتها مؤسسات أخرى والحديث هنا عن المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج مرورا ب السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، أجهزة تنبهت لمأمورية مهمة وهو أن النمط التقليدي للإدانة يسهم في تعبئة شديدة للمؤسسات السجنية سواء منها المركزية أو المحلية وهو ما يفرغ المجهودات المقامة من محتواها لأنها تقدم حلا يؤدي لإشكال، وهذا ما جعل بالجهاز المكلف بالتشريع بالمملكة المغربية يتدخل ويصدر قانون العقوبات البديلة بتاريخ 22 أغسطس 2024 صدور ظل موقوفا لسنة كاملة بغرض إعداد النصوص اللازمة لتطبيقه، ليشهد المغرب بعد ذلك وبتاريخ 22 أغسطس 2025 التفعيل الرسمي لبنود هذا القانون بجانب المرسوم 2.25.386 الصادر في 3 يونيو 2025، قانون ومرسوم أتيا بمقتضيات بعيدة عن الطابع التقليدي محورها 4 عقوبات ذات منظور مختلف عن تلك الواردة في النصوص الوضعية الأنفة الوجود وركيزتها تنسيق فعال بين 4 متدخلين ” النيابة العامة، هيئة الحكم، الإدارة المكلفة بالسجون في شخص مديرها ودور مراقب معين لهذا الغرض وهيئة بنية ستحدث لهذا الغرض، قاضي تطبيق العقوبة”، ولأن الجهاز القضائي لا يعمل بالفكر التقليدي المتمثل في تكريس السلطة وتوقيع العقاب القاسي نجد أن المحكمة الابتدائية بأكادير أصدرت مقررا قضائيا بتاريخ 23.8.2025 بحق شخص متابع بجنحة المشاركة في إتجار بالخمور قضت بالحبس في حقه لمدة شهرين وغرامة مالية قدرها 500 درهم مع استبدال العقوبة الحبسية بعقوبة الغرامة اليومية محددة مقدارها في 300 درهم عن كل يوم من تلك العقوبة الحبسية، تفعيل أتى في إطار يرمي بدرجة أولى إلى تخفيف العبء عن سجون المملكة من تلك الجرائم ذات التأثير المحدود مقارنة مع أخرى التي تتوزع في صنف الجنايات أو تبقى في صنف الجنح إلى أنها خطيرة وهي تلك التي استبعدتها مضامين القانون الأنف الذكر.

وأمام التفعيل الذي شهده القانون 43.22 فإنه ستبرز عديد النتائج على مستوى الجانب العملي والتي يأمل أن تكون هي المبتغى من قبيل:

التضاعف السلبي لعدد المدانين بسجون المملكة:  حسب الإحصائيات التي تصدرها المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج فإن عدد الأشخاص المسجونين إلى غاية السنة الفارطة وصل إلى 105.094، هذا العدد الهائل الذي توزع بين نسبة 93 في المئة خاضعين لتدبير الحراسة النظرية ونسبة 68.21 مدانين بأحكام حائزة لقوة الشيء المقضي به وأخرون جراء تدبير الإكراه البدني، أرقام شكلت فيها النساء نسبة 2.59 في المئة، ونسبة منهم دون سن الثلاثين ، ونسبة 45.90 منهم عاطلون عن العمل15.15، ونسبة 10.32 استحوذ عنها الأميون و 0.37  في المئة لذوي الإعاقة والسجناء الأجانب 1.60 في المئة. كل هاته الأرقام إن انبرى إليها التدقيق بشكل جيد فسنجد أن منها نسبة مهمة يكون المتابعون فيها ممن اقترفوا جنحا بسيطة ترقى لدرجة توقيع العقاب ولكن ليس لتلك الدرجة القاسية وهو أمر من شأن القانون 43.22 تحقيقه وفق المبتغى. 

تغيير الفلسفة العقابية ببلادنا: إن من شأن القانون 43.22 أن يغير الفلسفة المتخذة للعقاب عن الأفعال الجرمية المحدثة وذلك بطريقة توازن بين جهتين تكرس لهما الحماية المتطلبة ” المجني عليه من خلال الظفر بحقه وعدم تركه مهملا والجاني عبر معاقبته بطريقة تجعل الردع الخاص محققا بأقل مجهود وبأفضل طريقة.

الإسهام في تحقيق النفع العام بطريقة غير مباشرة: من حسنات القانون 43.22 أن العقوبات المستحدثة التي أتى بها ستحقق بعضها نفعا عاما يستحسن بإيجابيات كل المواطنين فالعمل لأجل المنفعة هو بمثابة بادرة خيرية تؤدى في مؤسسات عمومية تنفع هاته الأخيرة ويغنم منها المواطن المستفيد من خدمات ذلك المرفق العمومي.

وإن كانت لغاية كتابة هاته الأسطر قد فعلت بنود القانون 43.22 فإن المأمول من هذا التفعيل هو تحقيق انتصار ذي صبغة قانونية بطابع ردعي مستحدث يحقق ما وجد خارج حدود هذا البلد ويوفق بين عديد الأمور منها ما أسفر عنه الحديث ومنها ما سيندثر عنه ستار الغموض في قادم الأحوال.

ظهرت المقالة العقوبات البديلة بين بداية المسار وأمل الانتصار أولاً على aljami3a.com.

]]>
https://www.aljami3a.com/1568/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d9%88%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%af%d9%8a%d9%84%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a8%d8%af%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a7%d8%b1-%d9%88%d8%a3%d9%85/feed/ 0
حل المنازعات الناتجة عن مجلس العقد الإلكتروني على ضوء التشريع المغربي والمقارن بين العجز والإمكان https://www.aljami3a.com/1564/%d8%ad%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%a7%d8%b2%d8%b9%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a7%d8%aa%d8%ac%d8%a9-%d8%b9%d9%86-%d9%85%d8%ac%d9%84%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a5/ https://www.aljami3a.com/1564/%d8%ad%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%a7%d8%b2%d8%b9%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a7%d8%aa%d8%ac%d8%a9-%d8%b9%d9%86-%d9%85%d8%ac%d9%84%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a5/#respond Thu, 11 Sep 2025 17:14:29 +0000 https://www.aljami3a.com/?p=1564 لما كان مجلس العقد الإلكتروني[1] بخلاف العقد العادي افتراضيا و حكميا لا يتصور فيه الحضور المادي لأطرافه، فإن تحديده أضحى يشكل أبرز الإشكالات التي تثير المنازعة الإلكترونية، إذ أن تحديد مجلس العقد يساهم من جهة في معرفة زمان ابرام العقد، و بالتالي معرفة القانون ساري النفاذ على التصرف القانوني محل العقد الإلكتروني، ومن جهة ثانية معرفة مكان ابرام العقد لمعرفة الإختصاص القانوني و القضائي الذي يخضع له التصرف القانوني. و عليه يثار التساؤل، هل استطاع التشريع الوطني(المغربي) و الدولي وضع ضوابط قانونية كفيلة بتحديد مجلس العقد الإلكتروني من حيث الزمان و المكان؟ (الفقرة الأولى)، و إلى أي حد يعد ذلك كافيا لفض المنازعات الإلكترونية المثارة بهذا  الشأن؟(الفقرة الثانية). الفقرة الأولى: ضوابط تحديد مجلس العقد الإلكتروني بين التشريع الوطني و الدولي حاول المشرع المغربي من خلال سنه لمقتضيات ق 53.05  المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية، وضع ضوابط لتحديد مجلس العقد الإلكتروني اعتبارا لخصوصيته. ففيما يخص زمان انعقاد العقد الإلكتروني، فإنه بالرجوع لنص المادة5/[2]65 من ق 53.05 يلاحظ أن المشرع لم يكتف بإرسال الرسالة الإلكترونية، و إنما اشترط ضرورة تسلمها من طرف الموجب و كذا اطلاعه عليها و العلم بما تحتويه من مضمون[3]، على أن هذا القول لا ينبغي الأخذ به على اطلاقه، ذلك أن قراءة العبارة الأخيرة من ذات المادة توحي لنا بأنه و متى كان بإمكان الموجب الإطلاع على رد القابل لكنه لم يطلع عليه، فإنه و رغم عدم اطلاعه على القبول يعد العقد الإلكتروني مبرما آنذاك. و مما تنبغي الإشارة إليه في هذا الصدد أن المشرع المغربي قد سار على المنحى الذي أقرته المادة 18/2 من اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بعقود البيع الدولي للبضائع...

ظهرت المقالة حل المنازعات الناتجة عن مجلس العقد الإلكتروني على ضوء التشريع المغربي والمقارن بين العجز والإمكان أولاً على aljami3a.com.

]]>
لما كان مجلس العقد الإلكتروني[1] بخلاف العقد العادي افتراضيا و حكميا لا يتصور فيه الحضور المادي لأطرافه، فإن تحديده أضحى يشكل أبرز الإشكالات التي تثير المنازعة الإلكترونية، إذ أن تحديد مجلس العقد يساهم من جهة في معرفة زمان ابرام العقد، و بالتالي معرفة القانون ساري النفاذ على التصرف القانوني محل العقد الإلكتروني، ومن جهة ثانية معرفة مكان ابرام العقد لمعرفة الإختصاص القانوني و القضائي الذي يخضع له التصرف القانوني.

و عليه يثار التساؤل، هل استطاع التشريع الوطني(المغربي) و الدولي وضع ضوابط قانونية كفيلة بتحديد مجلس العقد الإلكتروني من حيث الزمان و المكان؟ (الفقرة الأولى)، و إلى أي حد يعد ذلك كافيا لفض المنازعات الإلكترونية المثارة بهذا  الشأن؟(الفقرة الثانية).

حاول المشرع المغربي من خلال سنه لمقتضيات ق 53.05  المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية، وضع ضوابط لتحديد مجلس العقد الإلكتروني اعتبارا لخصوصيته. ففيما يخص زمان انعقاد العقد الإلكتروني، فإنه بالرجوع لنص المادة5/[2]65 من ق 53.05 يلاحظ أن المشرع لم يكتف بإرسال الرسالة الإلكترونية، و إنما اشترط ضرورة تسلمها من طرف الموجب و كذا اطلاعه عليها و العلم بما تحتويه من مضمون[3]، على أن هذا القول لا ينبغي الأخذ به على اطلاقه، ذلك أن قراءة العبارة الأخيرة من ذات المادة توحي لنا بأنه و متى كان بإمكان الموجب الإطلاع على رد القابل لكنه لم يطلع عليه، فإنه و رغم عدم اطلاعه على القبول يعد العقد الإلكتروني مبرما آنذاك.

و مما تنبغي الإشارة إليه في هذا الصدد أن المشرع المغربي قد سار على المنحى الذي أقرته المادة 18/2 من اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بعقود البيع الدولي للبضائع المنعقدة بفيينا سنة 1980، و التي جاء فيها أنه” …يحدث قبول الإيجاب أثره من اللحظة التي يصل فيها إلى الموجب ما يفيد الموافقة…”.

أما فيما يخص مكان انعقاد العقد الإلكتروني، فإن المشرع المغربي التزم الصمت حيال ذلك في القانون53.05، غير أن المادة 15 من قانون الأونسترال النموذجي بشأن التجارة الإلكترونية لسنة 1996 اعتبرت أنه: “…ما لم يتفق المنشئ و المرسل إليه غلى غير ذلك، يعتبر أن رسالة البيانات أرسلت من المكان الذي يقع فيه مقر عمل المنشئ، و يعتبر أنها استلمت في المكان الذي يقع فيه مقر عمل المرسل إليه…”، وعليه ترى الأستاذة “فريدة اليوموري” أن طبيعة التعاقد الإلكتروني و خصوصية هذا النوع من العقود، يقتضي أن يكون مكان ابرامها هو مقر عمل القابل[4].

هذا و إذا كان تحديد مجلس العقد الإلكتروني يطرح الكثير من الصعوبة، فإن التسليم بتحديده لا يغني عن المنازعة الإلكترونية، بل إنه يجعلها أكثر تعقيدا. ذلك أن العقد الإلكتروني و إن كان يتم في القليل من الأحيان بين متعاقدين عن بعد داخل تراب وطني مشترك، فإنه في الغالب يتم بين متعاقدين يختلف التراب الوطني لكل منهما عن الآخر، و بالتالي تختلف جنسية كل منهما، و بالتالي يثار التساؤل، لمن ينعقد الإختصاص القضائي و القانوني في المنازعة الإلكترونية؟

كما سبق الذكر فإن تحديد مجلس العقد الإلكتروني لا يغني عن المنازعة الإلكترونية بقدر ما يجعلنا أمام منازعة الكترونية أخرى هي الأكثر تعقيدا، و يتعلق الأمر بتنازع الأختصاص القضائي(أولا)، و تنازع الإختصاص القانوني(ثانيا).

أولا: مجلس العقد الإلكتروني و إشكالية تنازع الإختصاص القضائي

اعتبارا على أن مجلس العقد الإلكتروني يتم بين غائبين مكانيا، فإننا نكون بذلك أمام حالتين، الأولى و التي يكون طرفي العقد الإلكتروني داخل حيز ترابي واحد بحيث نرى في هذه الحالة أنه رغم غياب قواعد قانونية خاصة تنظم الإختصاص القضائي، فإن ذلك لا يغني عن تطبيق القواعد العامة للاختصاص القضائي، بحيث ينعقد الإختصاص لمحكمة المدعى عليه ما لم يرد نص خاص يخالف ذلك.

أما الحالة الثانية، و هي التي نكون إزاءها بصدد عقد إلكتروني يتواجد كل من أطرافه في حيز ترابي مختلف عن الآخر، ما يعني اختلاف  مكانهما و جنسيتهما بل اختلاف الجهات القضائية كذلك. و عليه، مراعاة لما تفرضه هذه الوضعية من تنازع للإختصاص القضائي، و أخذا بعين الإعتبار دور القانون الدولي الخاص  في تسوية المنازعات الناتجة عن العلاقات الدولية الخاصة ذات العنصر الأجنبي و التي تتطابق شيئا ما معها، فإننا بذلك نتساءل، إلى أي حد يمكن لقواعد القانون الدولي الخاص حل اشكالية تنازع الإختصاص القضائي في العقد الإلكتروني؟

إن الإجابة عن هذه الإشكالية جعلت من الفقه يتخذ معايير عدة لإيجاد حل لهذه المنازعة، بحيث نجد معيار اختصاص القاضي من زاوية أطراف الدعوى(الجنسية) الذي اتخذه المشرع الفرنسي بحيث ينعقد الإختصاص للقضاء الفرنسي متى كان أحد أطراف النزاع فرنسيا، و هو التوجه الذي سار عليه المشرع المغربي في مسودة المسطرة المدنية، بأن نظم لأول مرة قواعد الإختصاص القضائي الدولي. و كذا معيار الإرادة، بحيث أنه يكون لإطراف العقد الإتفاق على جعل الإختصاص ينعقد لمحكمة معينة سواء دولة أحدهما أو دولة غير ذلك، على أن الأخذ بهذا المعيار يقتضي وجود مصلحة مشروعة تدفع الإطراف لجعل الإختصاص ينعقد لتلك المحكمة دون غيرها، و ألا يكون ذلك بهدف التحايل على القانون[5]. و معيار موطن المدعى عليه أو محل إقامته الذي يقتضي جعل التصرف يخضع لقضاء موطن المدعى عليه أو محل اقامته اعتبارا لما لقضاء دولته من سلطة عليه. و كذا معيار ابرام أو تنفيذ العقد بحيث ينعقد الإختصاص لمحكمة ابرام العقد  الإلكتروني أو مكان تنفيذه. غير أن التساؤل يطرح بخصوص كفاية قواعد القانون الدولي الخاص في حل المنازعات الإلكترونية؟

إجابة عن هذا التساؤل فإن هذه المعايير و إن كان هناك جدوى في تطبيقها على التصرفات التي يحكمها مجلس عقد حقيقي، فإنه قد لا يظهر ذلك لما نكون أمام مجلس عقد  حكمي، إذ ما محل الأخذ بمعيار موطن المدعى عليه أو محل إقامته ما دام أن الأمر يتعلق بجهتين قضائيتين لكل منهما سيادة ؟ و ما محل القول بمعيار مكان ابرام العقد أو تنفيذه ما دام أن طرفي العقد غير ملزمين بمكان محدد ؟.

و عليه، فإنه أمام محدودية الحلول التي تمكننا منها قواعد القانون الدولي الخاص في تحديد الإختصاص القضائي في المنازعة الإلكترونية، نتساءل إلى أي حد يمكن القول بنجاعتها في حل إشكالية تنازع القوانين التي يثيرها مجلس العقد الإلكتروني؟

ثانيا: مجلس العقد الإلكتروني و إشكالية تنازع الإختصاص القانوني

اعتبارا لما يتخلل مجلس العقد الإلكتروني من إشكاليات جمة، بحيث يكون طرفا العقد مختلفين من حيث الإنتماء الترابي، و بالتالي اختلاف جنسية كل منهما، الأمر الذي يجعلنا أمام قوانين مختلغة بعضها عن بعض، و عليه نتساءل، إلى أي حد تستطيع قواعد القانون الدولي الخاص حل اشكالية تنازع القوانين في المنازعة الإلكترونية؟

في سبيل الإجابة عن هذا التساؤل، ينبغي الإشارة إلى أن فقهاء القانون الدولي الخاص، يقرون بآليات لحل اشكالية تنازع القوانين، الأمر يتعلق بقواعد الإسناد “التي تكون وظيفتها الأساسية هي الإشارة أو الإسناد إلى قانون يتولى حل النزاع في العلاقات ذات الطابع الدولى”[6]،  و تتنوع قواعد الإسناد بين الأصلية و الإحتياطية، بحيث نجد قواعد الإسناد الأصلية تنقسم إلى الشخصية ترتبط بإرادة الأطراف في تحديد القانون الواجب التطبيق على التصرف القانوني محل العقد الإلكتروني، سواء بإتفاق يضمن في التصرف أتناء ابرامه أو بعد إبرامه عند حدوث المنازعة، و يظهر ذلك في العديد من العقود الإلكترونية الراهنة كعقد شركة Apple stor  حيث نص على انه: “تخضع كل عقود البيع التي تكون شركة Apple stor طرفا فيها لقانون كاليفورنيا”[7]، و المكانية التي ينعقد بموجبها العقد لقانون موطن أو محل إقامة المدعى عليه، أو مكان ابرام أو تنفيذ العقد. و أخرى احتياطية يترك فيها المجال لسلطة القاضي في اخضاع العقد للقانون الأوثق صلة بالعقد الإلكتروني.

هنا نعيد الإشارة من جديد لعدم كفاية قواعد القانون الدولي الخاص في حل اشكالية تنازع القوانين الناتجة عن المنازعات الإلكترونية، اعتبارا لخصوصية مجلس العقد الإلكتروني.

و لعل هذا ما دفع بالمنتظم الدولي إلى العمل على وضع قواعد موضوعية للحد من اشكالية تنازع الإختصاص القانوني و القضائي في عقود التجارة الإلكترونية، و نذكر على سبيل المثال القانون النموذجي للتجارة الإلكترونية”اليونسترال”. فإلى أي حد استطاع المنتظم الدولي احتواء الإشكاليات التي تثيرها المنازعات الإلكترونية؟.


[1] – “تلك الفترة الزمنية الممتدة بين تعبير كل طرف عن إرادته و وصول هذا التعبير لعلم الطرف الآخر”.

انظر، أبو الخير عبد الونيس الخويلدي، حق المشتري في فسخ العقد المبرم بوسائل الإتصال الحديثة، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، طبعة 2006، ص83.

[2] – جاء في نص المادة 5/65 من ق 53.05 أنه:”… يعتبر قبول العرض وتأكيده والإشعار بالتسلم متوصلا بها إذا كان بإمكان الأطراف المرسلة إليهم الولوج إليها“.

[3] – ذ .فريدة اليوموري، موجز العقود المسماة، الطبعة الثانية 2016، ص47.

[4] – ذ. فريدة اليوموري، م.س، ص50.

[5] – محاضرات  ألقتها  ذ. فاطمة حداد، على طلبة القانون الخاص بكلية العلوم القانونية و الإقتصادية و الإجتماعية  بسلا، سنة 2018.

[6] – ابراهيم أحمد ابراهيم، القانون الدولي الخاص-تنازع القوانين- دار النهضة العربية، طبعة 1977، ص333.

[7] – طه كاظم حسن المولى، تطويع قواعد الإسناد في عقود التجارة الإلكترونية، الطبعة الأولى، سنة 2018، منشورات زين الحقوقية، بيروت- بغداد، ص122.

ظهرت المقالة حل المنازعات الناتجة عن مجلس العقد الإلكتروني على ضوء التشريع المغربي والمقارن بين العجز والإمكان أولاً على aljami3a.com.

]]>
https://www.aljami3a.com/1564/%d8%ad%d9%84-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%a7%d8%b2%d8%b9%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a7%d8%aa%d8%ac%d8%a9-%d8%b9%d9%86-%d9%85%d8%ac%d9%84%d8%b3-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%82%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%a5/feed/ 0
مناط التمييز بين المسؤولية الجنائية والمسؤولية المهنية في جرائم اختلاس وتبديد أموال عمومية https://www.aljami3a.com/1558/%d9%85%d9%86%d8%a7%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%85%d9%8a%d9%8a%d8%b2-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a4%d9%88%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%86%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d8%a9-%d9%88/ https://www.aljami3a.com/1558/%d9%85%d9%86%d8%a7%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%85%d9%8a%d9%8a%d8%b2-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a4%d9%88%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%86%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d8%a9-%d9%88/#respond Sat, 30 Nov 2024 21:38:43 +0000 https://www.aljami3a.com/?p=1558 مناط التمييز بين المسؤولية الجنائية والمسؤولية المهنية في جرائم اختلاس وتبديد أموال عمومية       تكتسي التفرقة بين المسؤولية المدنية والجنائية أهمية كبيره لدي فقهاء القانون، وذلك لارتباطها الوثيق بمسألة التكييف القانوني وعملية الإثبات، فإذا كان اصطلاح المسؤولية بشكل عام يطلق من الناحية اللغوية على حال أو صفة من يسأل عن أمر تقع عليه تبعته، فأخلاقياً تطلق على التزام الشخص بما يصدر عنه قولاً أو عملاً، فيقال أنا بريء من مسؤوليتي عن هذا العمل، كما تطلق على الالتزام بإصلاح الخطأ الواقع على الغير طبقا للقانون. كجزاء عن الإخلال بالتزام أدبي أو قانوني يقع على الفرد داخل مجتمعه. وفي هذا السياق وارتباطا بموضوعنا المتعلق بالجواب عن الإشكالية المرتبطة بتعين الضوابط المحددة لقيام كل من المسؤولية الجنائية و المهنية في جرائم الأموال و التمييز بينهما، تم بعد ذلك توضيح الآثار القانونية المترتبة عن كليهما، خصوصا وان موضوع التمييز بينهما، يثير كثيرا من اللبس القانوني الناجم عن تداخل المفاهيم و المحددات القانونية و القضائية الفاصلة بينهما، وعليه فالمسؤولية الجنائية معناها الالتزام بتحمل النتائج القانونية المترتبة على توافر أركان الجريمة في فعل ما، وموضوع هذا الالتزام هو العقوبة أو التدبير الاحترازي الذي يقرره القانون بحق المسؤول عن الجريمة، أما المسؤولية المهنية فتتحقق وتقوم بمناسبة الأعمال المهنية التي تترتب على عمل يصدر من المهني نفسه، كما أن أساسها الخطأ، وعليه فالخطأ غير مفترض في جانب المسؤول ويجب على المضرور إثباته، ومما لا شك فيه أن  موضوع الفصل و التمييز بين كل من  المسؤولية المهنية و المسؤولية الجنائية ، أصبح من المواضيع المهمة، التي تفرض نفسها على كل دارس أو مهتم بالشأن القانوني و القضائي، خصوصا و أن مهمة الفصل بين كل...

ظهرت المقالة مناط التمييز بين المسؤولية الجنائية والمسؤولية المهنية في جرائم اختلاس وتبديد أموال عمومية أولاً على aljami3a.com.

]]>
مناط التمييز بين المسؤولية الجنائية والمسؤولية المهنية في جرائم اختلاس وتبديد أموال عمومية

      تكتسي التفرقة بين المسؤولية المدنية والجنائية أهمية كبيره لدي فقهاء القانون، وذلك لارتباطها الوثيق بمسألة التكييف القانوني وعملية الإثبات، فإذا كان اصطلاح المسؤولية بشكل عام يطلق من الناحية اللغوية على حال أو صفة من يسأل عن أمر تقع عليه تبعته، فأخلاقياً تطلق على التزام الشخص بما يصدر عنه قولاً أو عملاً، فيقال أنا بريء من مسؤوليتي عن هذا العمل، كما تطلق على الالتزام بإصلاح الخطأ الواقع على الغير طبقا للقانون. كجزاء عن الإخلال بالتزام أدبي أو قانوني يقع على الفرد داخل مجتمعه.

وفي هذا السياق وارتباطا بموضوعنا المتعلق بالجواب عن الإشكالية المرتبطة بتعين الضوابط المحددة لقيام كل من المسؤولية الجنائية و المهنية في جرائم الأموال و التمييز بينهما، تم بعد ذلك توضيح الآثار القانونية المترتبة عن كليهما، خصوصا وان موضوع التمييز بينهما، يثير كثيرا من اللبس القانوني الناجم عن تداخل المفاهيم و المحددات القانونية و القضائية الفاصلة بينهما، وعليه فالمسؤولية الجنائية معناها الالتزام بتحمل النتائج القانونية المترتبة على توافر أركان الجريمة في فعل ما، وموضوع هذا الالتزام هو العقوبة أو التدبير الاحترازي الذي يقرره القانون بحق المسؤول عن الجريمة، أما المسؤولية المهنية فتتحقق وتقوم بمناسبة الأعمال المهنية التي تترتب على عمل يصدر من المهني نفسه، كما أن أساسها الخطأ، وعليه فالخطأ غير مفترض في جانب المسؤول ويجب على المضرور إثباته،

ومما لا شك فيه أن  موضوع الفصل و التمييز بين كل من  المسؤولية المهنية و المسؤولية الجنائية ، أصبح من المواضيع المهمة، التي تفرض نفسها على كل دارس أو مهتم بالشأن القانوني و القضائي، خصوصا و أن مهمة الفصل بين كل من المسؤولية الجنائية و المهنية لازالت محل نقاش وجدل كبيرين بين فقهاء القانون ورجال القضاء والباحثين، ولا غرابة في ذلك، فقد أفرز هذا الجدل والاختلاف الفقهي تطورا في المعطيات الجديدة، لاسيما فيما يتعلق بتطور جرائم الأموال العمومية، ومحاولة البعض السعي للفصل بينهما،

الفقرة الأولى: ماهية جرائم الاختلاس و التبديد الواقعة على المال العام والعناصر التكوينية لها

     تعرف جريمة الاختلاس بشكل عام بأنها استيلاء شخص ما على مال أو ممتلكات بشكل غير قانوني، أما إذا ما كانت مرتبطة باختلاس مال عام ، فتعريفها يكون أدق من التعريف العام لها و أخص، ذلك أن وقوعها على المال العام يضفي عليها خصوصية تتطلب قيام مجموعة من الشروط و العناصر التكوينية لها، إضافة إلى توافر أركانها اللازمة لذلك، ولعل ومن بين أهم الشروط المرتبطة بفعل الاختلاس ،أن يكون مرتكبها جريمة الاختلاس أموال عمومية موظفا عموميا مؤتمنا على هذه الأموال بسبب منصبه أو وظيفته، لذلك يمكن القول أن اختلاس أموال عمومية يراد به اتجاه نية الموظف العمومي إلى التصرف بالمال العام بسوء نية،وذلك بتغيير الظرف المخصص له،

   أما فيما يخص تحديد  مفهوم تبديد الأموال العامة، فالمراد به بشكل عام، ذلـك التصـرف الواقع على المال العام على نحـو كلـي أو جـزئي بإنفـاقه أو إفنـائه، وإذا ما كان التبديد مرتبط بالمال العام،

وقد تطرق القانون المغربي لجرائم الاختلاس و التبديد المتعلقة بالأموال العمومية في مجموعة من النصوص الواردة بالقانون الجنائي، سعيا منه لتوضيح الحقوق وتحديد المسؤوليات في قضايا الاختلاس و التبديد المالي وحماية الأموال العامة والخاصة، ومن جهة أخرى لضمان معاقبة مرتكبي هذه الجرائم. ولعل أبرز ما تم التنصيص عليه في هذا الصدد مقتضيات الفصول: 241 و 242 و 242 مكرر من القانون الجنائي ،حيث بموجبها تم ضبط وتحديد طبيعة الأموال العامة المقصودة، التي تقتضي أن تكون أموالا مرادفة للنقود معدنية أو ورقية تملكها الدولة أو المؤسسات العمومية أو سندات تقوم مقامها وتلعب دور النقود كالكمبيالة أو السند للأمر أو الشيك تكون موضوعة تحت يد الموظف العمومي.

ولقيام جريمتي الاختلاس و التبديد، استوجب المشرع توافر مجموعة من العناصر التكوينية المتعلقة بالفعل ألجرمي، وهكذا لتحقق قيام جريمة الاختلاس، يجب توفر العناصر التكوينية و شروط توافرها ، حيث جاء في قرار لمحكمة النقض رقم  2022/735 ملف عدد  2021/12/6/14985،إن المحكمة لما أيدت الحكم الابتدائي فيما قضى به مستندة إلى اعتراف الطاعن تمهيديا بمحضر الضابطة القضائية له وانتهت إلى ثبوت العناصر التكوينية للجنحة موضوع المتابعة، تكون قد استعملت سلطتها في تقييم الأدلة والحجج المعروضة عليها ولا رقابة عليها في ذلك من طرف محكمة النقض إلا فيما يخص التعليل، وأبرزت العناصر التكوينية لفصل المتابعة، فجاء بذلك قرارها معللا تعليلا كافيا وسليما من الناحيتين الواقعية والقانونية.

ومن هذا المنطلق يمكن القول انه لقيام جريمة اختلاس أموال عمومية يجب توافر أركانها التالية: :

الركن المادي: يتمثل في فعل الاستيلاء أو التصرف في المال الذي كان بحوزة الجاني بشكل مشروع بفضل وظيفته أو موقعه و يجب أن يكون المال المختلس منقولاً (أموال, مستندات, أوراق مالية) وليس عقار، فالاستيلاء يُعتبر مكوناً أساسياً في جريمة الاختلاس، وهو التصرف بالمال كأن الجاني يملكه، ويقوم بإخراجه من حيازة الجهة المالكة بشكل غير قانوني.

الركن المعنوي : و يتمثل في توافر النية الجنائية لدى الجاني, أي القصد العام (الوعي والإرادة) والقصد الخاص (نية الاستيلاء على المال بهدف تملكه بشكل دائم) حيث يجب أن يثبت أن الجاني كان يدرك تماماً أن هذا الفعل مخالف للقانون، وأنه قام به لتحقيق مصلحة شخصية غير مشروعة.

الركن الخاص: (صفة الجاني) يجب أن يكون الجاني موظفاً عمومياً أو شخصاً مؤتمناً على الأموال بحكم وظيفته أو موقعه، ويعتبر هذا الركن عنصراً جوهرياً في جريمة الاختلاس, فلا يمكن أن يقوم بها شخص عادي غير مرتبط بعلاقة ثقة أو مسؤولية تجاه المال المختلس.

الركن القانوني: وهذا الأخير يرتكز على النصوص القانونية التي تُجرّم فعل الاختلاس وتحدد العقوبات المفروضة عليه..

و بالعودة إلى النصوص الواردة بالقانون الجنائي ، يمكن القول أن جريمة اختلاس أموال عمومية تتحقق عندما تقع على مال الدولة، وذلك بالعمد إلى الاستحواذ على هذه الأموال العمومية لنفسه أو بتبددها،

أما بالنسبة لجريمة تبديد أموال عمومية، فتتحقق هي الأخرى بمجرد قيام العناصر التكوينية لها حيث جاء في قرار لمحكمة النقض رقم 271 ملف رقم 6693/6/4/2019:

لما أيدت المحكمة القرار الابتدائي فيما قضى به من إدانة الطاعن من أجل المشاركة في جناية تبديد أموال عامة طبقا للفصل 241 من القانون الجنائي بعد ما اعتبرته موظفا عموميا باعتباره يقوم بمهمة ذات نفع عام تتمثل في مساعدة القضاء في البت في النزاعات، ومعللة ذلك بأنه سهل على المتهم الاستحواذ على ممتلكات إدارة المياه والغابات التي وضعت تحت يده بمقتضى وظيفته، وبأن المتهم المذكور استند على محضر المعاينة الذي أنجزه الطاعن لأجل تفويت العقار المملوك للإدارة المذكورة، دون أن تبرز في تعليلها من أين استخلصت أن العقار موضوع القضية كان موضوعا تحت يد الطاعن بمقتضى وظيفته، وهو الركن الأساسي في جريمة تبديد أموال عامة من طرف موظف عمومي موضوعة تحت يده بمقتضى وظيفته طبقا للفصل 241 من القانون الجنائي، ودون أن تبرز عناصر المشاركة في الجناية المذكورة طبقا لما يقضي به الفصل 129 من القانون السالف الذكر، وكذا عنصر علم الطاعن بأن العقار المذكور مملوكا لإدارة عمومية، تكون قد أضفت على قرارها عيب فساد التعليل وانعدام الأساس القانوني وعرضته للنقض والإبطال.

و عليه فليقام جريمة تبديد أموال عمومية يشترط فيها هي الأخرى توفر كل من :

الركن المادي: يتمثل الفعل المادي المكون لهـذه الجريمة في تبديـد أمولا عامة أو استعمالاها على نحو غير شرعي لصالحه أو لصالح شخص أو كيان أخر و يشمل هذا أية ممتلكات أو أموال أو أوراق مالية عمومية أو خاصة أو أي شيء أخـر ذات قيمة عهـد بها إليه بحكم وظيفته أو بسببها .

و يتخــذ الركـن المـادي في جريمة تبديد أموال عمومية بإنفاقه أو إفنائه بحيث يستعمل الموظف و يعتمـد على طـرق مشروعة قانونا و يقوم من خلالها بإنفـاق المال العـام و إفناءه، و بالتالي قيام فعل التبديـد .

الركـن المعنوي: يقوم الركن المعنوي في هــذه الجريمة على توافــر القصــــد الجنائي، فهي جريمة عمدية في كل صورها، و عليه يجب أن يكون الموظف على علم بأن المال الذي بحوزته هو ملك للدولة و مع ذلك تتجـه إرادته إلى تبديـده .

و نرى أن القصد العام القائم على العلم و الإرادة يكفي لتحقيق الركن المعنوي، في حين يتطلب الأمــر تحقق القصد الجنائي الخاص في فعل تبديد يتطلب اتجاه نيـة الموظف إلى تبديد الشيء الذي بحوزته فإذا نختلف القصد الخاص و هـو نيــة التبديد إذ ذاك لا يمكن وصف الجرم على انه تبديد لأموال عمومية على اعتبار أن جريمة تبديد الأموال العامة تحققها مرتهن برغبة و سوء نية الفاعل المتجهة لارتكاب الفعل ، و هي ألحظة التي تتـم بها الجريمة كاملة مما يعني أن الشروع في التبديـد غير متصور في جريمة تبديد أموال عمومية فهي إما تقـع كاملة و إما أن لا تقـع .

الركـن الخاص: يشيــر القـانون الجنائي المغربي إلى صفـة الجـاني الـذي يــرتكب هـذه الجريمة مشترطا بذلك أن يكون التبديد الواقع على المال العام هو الأخر مرتكب من الموظف العمومـي، أي أن يكـون مـرتكب هـذه الجـريمة فـي عـداد العـاملين في الـدولة،ويـلاحـظ أن المشـرع المغربي فـــي القـانون المتعلـق بالوظيفة العمومية لـم يتـوسع فـي إعطـاء وشـرح معنى الموظف العمومي خـلافـــــا لمـا نـص عليـه القانون الجنائي، بحيث ان دلالة الموظف ابعد و أوسع نطاقا مما جاء ذكره بقانون الوظيفة العمومية.

الركـن القانوني: و هـي نص المواد 241 و 242 و 242 مكرر من القانون الجنائي المغربي.

   وعلى ضوء ما سبق بسطه و بيانه، فالمشرع المغربي حدد شروطا و ضوابط لقيام جناية اختلاس و تبديد أموال عمومية بغير حق، اقتضاؤها وجود المال في ملك الدولة و عنصراً من عناصر ذمتها المالية، كما يفترض قيام موظف عام أو من في حكمه بتبديد أو اختلاس المال العام خلسة أو حيلة أو عنوة بمقتضى وظيفته و انصراف نيته إلى اختلاس و تبديد أموال عمومية باعتباره حائزا لها و التصرف فيها، وهو معنى مركب من فعل مادي، هو التصرف في المال ومن عامل معنوي يقترن به، هو اتجاه نية الموظف إلى فعل الاختلاس أو بإضاعة المال وتبديده عمدا، الشيء الذي يقتضي توفر عنصري التبديد (الإتلاف) أو الاختلاس وأن يكون ذلك مقرونا بسوء النية لدى الجاني، أي ضرورة تحقق القصد الجنائي الذي يقوم بتوافر عنصري العلم والإرادة.، ومادام أن الأصل في الإنسان حسن النية إلى أن يثبت العكس، وان الأصل هو البراءة، وأن الشك يفسر لفائدة المتهم، إذا لا يمكن وصف الفعل المرتكب بالاختلاس وتحققه إلا إذا تبت أو متى استعمل الجاني الشيء في غير ما اتفق عليه أو تصرف فيه كما لو كان في ملكه إضرارا بالغير بسوء نية، كأن يقوم المختلس بإضافة المال المختلس المعهود إليه لملكه بنية إضاعته على مالكه.

الفقرة الثانية: مناط الإثبات في جرائم الاختلاس و التبديد في الميدان الزجري

       في هذا الصدد نذكر أن جريمتي الاختلاس و التبديد، تعد من الجرائم التي يجوز إثابتها بكافة الطرق القانونية بما في ذلك البينة والقرائن، فللمحكمة أن تستند في إثباتها إلى ما ظهر لها من التحقيق ومن مناقشة المتهمين بالجلسة ومن ظروف الدعوى ووقائعها، فالعبرة في الإثبات هنا تقاس باقتناع القاضي بأدلة الإثبات المعروضة عليه، كما أن استخلاص ثبوت الجريمة أو عدم ثبوتها يرجع لقضاة الموضوع بمالهم من كامل السلطة، ذلك انه لقضاة الزجر في الميدان الزجري السلطة التقديرية الكاملة للبت في الوقائع المعروضة عليهم وتقديرها دون أن يخضعوا في ذلك لمراقبة محكمة النقض، ولهم أن يستمدوا قناعتهم من أي دليل من الأدلة المعروضة عليهم أثناء دراسة القضية ومناقشتها طالما أنهم قد اطمأنوا إليه وكان له مأخذ صحيح من أوراق الدعوى، وهذا ما يزكيه قرار لمحكمة النقض، رقم  224 ملف عدد 2020/7/6/7320 حيث جاء فيه ما يلي : المقرر أن المحكمة الزجرية تستخلص قناعتها بإدانة المتهم أو براءته من جميع الأدلة المعروضة أمامها متى اطمأنت إليها، ولا رقابة لمحكمة النقض عليها في ذلك إلا فيما يخالف القانون. وجاء في قرارها رقم 538 ملف عدد 1193/6/4/2020

أن المحكمة حرة في تكوين قناعتخا من خلال وسائل الاتبات التي عرضت أمامها ولا رقابة عليها في ذلك من طرف محكمة النقض إلا فيما يتعلق بسلامة التعليل .

لذلك فسلطة المحكمة واسعة بإعمال سلطتها التقديرية، إذ يمكن لقضاة الموضوع  أن يستخلصوا من شهادة الشهود الصورة الصحيحة التي شكلت لديهم مادة الإدانة، ولهم أن يطرحوا ما عداها من التصريحات والشهادات المخالفة ما دام أن استخلاصهم لوقائع الإدانة كان سائغا ومستندا على أدلة مقبولة لها سندها في أوراق الملف، لذلك فعندما تقضي المحكمة ببراءة المتهم مما ينسب إليه من جنحة أو جناية اختلاس و تبديد أموال عمومية مستندة في ذلك إلى إنكاره لواقعة الاختلاس والتبديد، تكون قد استعملت سلطتها في تقييم الأدلة المعروضة عليها وبينت دواعي اقتناعها بعدم إتيان المتهم للأفعال المنسوبة إليه، لذلك فإن قاضي الموضوع لا يكتفي في تعليل إثباتها على مجرد سرد القرائن و اعتمادها لإثبات نسبة جناية أو جنحة اختلاس أو تبديد أموال أو المشاركة فيها دون أن يتطرق للتعليل الواقعي لها ببيان كيفية وظروف ارتكابها وتعليلها من الناحية القانونية بإبراز العناصر القانونية المكونة لها كما هي محددة قانونا، بما في ذلك قيمة المبلغ المبدد، وترتيب الآثار القانونية على ذلك، فجريمتي الاختلاس و التبديد المنصوص عليهما في المواد 241 و 242 و 242 مكرر و 245، التي تنص على العقوبات المرتبطة بها لا يشترط لإثباتها طريقة خاصة غير طرق الاستدلال العامة، إذ يكفي فقط اقتناع المحكمة بوقوع الفعل المكون لها من أي دليل أو قرينة تقدم إليها، حيث جاء في قرارمحكمة النقض رقم 534 ملف جنائي رقم 1189/6/4/2020 انه:لما ألغت المحكمة الحكم المستأنف فيما قضى به من براءة الطاعن وقضت من جديد بإدانته من أجل المشاركة في اختلاس وتبديد أموال عامة وجنحتي منح شهادات وإقرارا يتضمن وقائع غير صحيحة واستعمالها بعد إعادة التكييف استنادا إلى اعترافات المتهمين القضائية وشهادة موظفي إدارة المياه والغابات، في إطار سلطتها التقديرية، تكون قد أعملت سلطتها التقديرية في تقييم الحجج المعروضة عليها، والوسيلة على غير أساس.

لذلك فتوافر القصد الجنائي في جريمة الاختلاس والتبديد إثباته، رهبن فيما قد يرد في الحكم من وقائع وظروف ما يدل على قيامه، كما انه من جانب أخر التفات المحكمة بالرد على مستندات المتهم لنفي ارتكابه جريمة الاختلاس أو التبديد، لا يعاب عليها ذلك متى اطمأنت إلى الأخذ بعين الاعتبار الظروف و الملابسات المحيطة بفعلي الاختلاس و التبديد، ومثاله إطمئناننها إلى أقوال شهود الإثبات والوضع المالي للمتهم، والأخذ منه بما تطمئن إلى صدقه، و طرح ما عداه ، كما أن الاعتراف على الواقعة بكافة تفاصيلها غير لازم. إذ يكفي وروده على وقائع تستنتج المحكمة منها ومن باقي عناصر الدعوى اقتراف الجاني للجريمة، لذلك فتقدير أدلة الدعوى هنا موضوعي قد تأخذ به المحكمة وتفصح عن أسباب الأخذ بها أو إطراحها، ولعل من أهم المعايير التي تؤدي إلى البراءة في قضايا الاختلاس:

انتفاء الركن المادي للجريمة: فالجريمة لا تُعتبر مكتملة إلا إذا ثبت أن الموظف قد استولى على الأموال أو الممتلكات، وقام بتحويلها إلى ملكيته الخاصة أو استخدامها بطريقة غير قانونية. فإذا لم يتم إثبات أن المتهم قد اختلس الأموال فعليًا أو لم تكن لديه سلطة التصرف في المال المختلس، فقد يؤدي ذلك إلى حكم بالبراءة.

انتفاء الركن المعنوي للجريمة: الاختلاس جريمة تتطلب نية جنائية، أي أن الموظف كان يقصد الاستيلاء على الأموال بشكل غير مشروع، لذلك إذا استطاع الدفاع إثبات أن المتهم لم تكن لديه نية الاختلاس أو أن المال قد أُخذ عن طريق الخطأ أو دون نية سيئة، فقد يتم تبرئة المتهم.

غياب صفة الموظف العام أو من في حكمه: فوفقًا للقانون الجنائي المغربي, يجب أن يكون المتهم موظفا عموميا أو في حكم الموظف العام (مثل العاملين في الهيئات العامة أو الشركات العامة) ليحاكم بجريمة الاختلاس. وهكذا إذا ثبت أن المتهم ليس له صفة موظف عام أو لم تكن له صلاحية التصرف في الأموال أو الممتلكات التي يتهم باختلاسها، فإن هذا يؤدي إلى حكم بالبراءة.

عدم وجود أدلة مادية قوية: في القضايا الجنائية، ومن بينها الاختلاس و التبديد،  لا بد أن تكون الأدلة قاطعة وواضحة، فإذا لم تكن الأدلة المتاحة كافية أو تم الحصول عليها بطرق غير قانونية، يمكن أن يؤدي ذلك إلى عدم إدانة المتهم، على اعتبار أن الشك يُفسر دائمًا لصالح المتهم، فإذا لم تستطع النيابة تقديم أدلة قوية وواضحة تدين المتهم يتم الحكم بالبراءة.

إثبات تسوية الأمور المالية: في بعض القضايا، يمكن للمتهم أن يثبت أنه قد قام بتسوية الأمور المالية المتعلقة بالمال الذي تم اتهامه باختلاسه، وذلك بإعادة الأموال، أو إثبات أنه تم التصرف فيها بشكل قانوني، وعليه إذا تم إثبات ذلك، قد يتم تخفيف الحكم أو إصدار حكم بالبراءة.

الخطأ في الإجراءات القانونية: في بعض الأحيان، يتم الحصول على أدلة أو اتخاذ إجراءات قضائية بشكل غير قانوني، مثل الاعترافات التي تؤخذ بالإكراه أو تفتيش غير قانوني، فإذا تم إثبات وجود أخطاء إجرائية في القضية يمكن أن يؤدي ذلك إلى إبطال التهم والحكم بالبراءة.

غياب الأدلة الفنية: في بعض الحالات, قد يعتمد الاتهام على أدلة فنية, مثل الفحص المحاسبي أو تقارير الخبراء، لذلك إذا استطاع الدفاع إثبات أن تلك الأدلة غير دقيقة أو مشكوك فيها، فإن ذلك يمكن أن يؤدي إلى الحكم بالبراءة.

تقديم الأدلة على حسن النية: إذا استطاع المتهم إثبات حسن النية في التصرف في الأموال، وأنه لم يكن يقصد اختلاسها، يمكن أن يؤدي ذلك إلى الحكم بالبراءة، على سبيل المثال, إذا كانت هناك أخطاء إدارية، أو سوء تفاهم حول تصرف المتهم في الأموال, فإن ذلك قد يُعتبر دفاعًا عن البراءة.

إثبات عدم وجود علاقة بين المتهم والمال المختلس: إذا تمكن المتهم من إثبات أنه لم يكن له دور أو علاقة مباشرة بالأموال التي تم ادعاء اختلاسها، فإنه يمكن أن يحصل على حكم بالبراءة.

غياب الشهود أو الأدلة الشخصية: في بعض قضايا الاختلاس يعتمد الادعاء بشكل كبير على شهادة الشهود أو الأدلة الشخصية، لذلك فعدم كفاية الأدلة أو كانت متناقضة، فإن المحكمة قد تحكم ببراءة المتهم.

الفقرة الثالثة : سلطة المحكمة في إضفاء الوصف القانوني على الوقائع المعروضة المرتبطة باختلاس و تبديد أموال عمومية

    مما لا شك فيه أن جرائم الاختلاس و التبديد تحمل معها تحديات كبيرة، سواء على المستوى القانوني أو الاقتصادي، ومن أجل حماية المؤسسات واسترداد حقوقها يستدعي التعامل معها الماما كبيرا من الخبرة والاحترافية التي يتمتع بها القاضي المختص و هو يبت القضايا المعروضة عليه، حتى يتأتى له تحقيق أفضل النتائج، وحماية المؤسسات من الخسائر الكبيرة التي قد يتسبب بها الاختلاس أو التبديد في عالم مليء بالتحديات القانونية المتنوعة، وذلك من خلال إعمال المحكمة لسلطتها في إضفاء الوصف القانوني على الوقائع المعروضة عليه، فللمحكمة سلطة إضفاء الوصف القانوني على الوقائع المعروضة عليها بغض النظر عن الوصف الذي أحيلت به عليها، طبقا لعموم مقتضيات المادة 368 من ق.م.ج. وبذلك وتطبيقا لمقتضيات المادة 390 من ق.م.ج التي تنص، على أنه إذا لم يكن للفعل وصف جنحة أو مخالفة تدخل ضمن اختصاص المحكمة فإنها تصرح بعدم اختصاصها وتحيل الطرف الذي أقام الدعوى العمومية على من له حق النظر، و يسري نفس الحكم إذا تعلق الأمر بجناية وفقا لمقتضيات المادتين 411 و389 من قانون المسطرة الجنائية، اللتين بموجبهما يتعين على المحكمة كلما تبين لها أن المتهم لم يرتكب الفعل أو أن الفعل لا يكون مخالفة للقانون الجنائي، فإنها تحكم بالبراءة وتصرح بعدم الاختصاص في المطالب المدنية، هذا و يحق لمحكمة الموضوع في تعديل وصف التهمة متى اقتنعت بذلك، لذلك فأحكام البراءة في قضايا الاختلاس والتبديد ،تقوم على عدم اكتمال أركان الجريمة، سواء من حيث الركن المادي (أي وقوع فعل الاختلاس أو التبديد) أو الركن المعنوي (النية الجنائية)، أو على وجود ثغرات في الأدلة أو الإجراءات القانونية، كما إذا لم تكن تلك الأدلة كافية أو كانت متناقضة، فإن المحكمة قد تحكم ببراءة المتهم، لذلك فحينما تبسط المحكمة رقابتها على الوقائع المعروضة تكون مطالبة بالضرورة إلى إبراز العلاقة القائمة بين المتهم والمال المختلس، أو تأسيسا  على عدم اكتمال أركان الجريمة، سواء من حيث الركن المادي (أي وقوع فعل الاختلاس أو التبديد) أو الركن المعنوي (النية الجنائية)، أو على وجود ثغرات في الأدلة أو الإجراءات القانونية.

وفي هذا السياق نذكر ما جاء به  قرار محكمة النقض ملف عدد 2020/4/6/1190 بقوله: لما ألغت المحكمة الحكم المستأنف فيما قضى به من براءة الطاعن وقضت من جديد بإدانته من أجل المشاركة في اختلاس وتبديد أموال عامة وجنحتي منح شهادات وإقرارا يتضمن وقائع غير صحيحة واستعمالها بعد إعادة التكييف استنادا إلى اعترافات المتهمين القضائية وشهادة موظفي إدارة المياه والغابات، في إطار سلطتها التقديرية، تكون قد أعملت سلطتها التقديرية في تقييم الحجج المعروضة عليها، والوسيلة على غير أساس.، كما جاء في قرار لها في الملف : ملف عدد 2016/1/6/3078،إن ما أوردته الوسيلة من نعي على القرار المطعون فيه يتعلق بجريمتي الاختلاس والتبديد، والحال أن الثابت من تنصيص القرار المطعون فيه ومن وقائع القضية أن العارض أدين من أجل عدم توفير مؤونة شيك عند تقديمه للأداء، مما يكون معه ما جاء في الوسيلة خلاف الواقع فهي غير مقبولة.

ونشير في هذا الصدد أن سلطة المحكمة في إضفاء الوصف القانوني على الوقائع المعروضة المرتبطة باختلاس و تبديد أموال عمومية، هي سلطة يمكن بموجبها للمحكمة المعروضة عليها القضية ان تعمل على إعادة تكييف الوصف الذي أعطته للوقائع و تكييفه من جديد ، ذلك ن سلطة القاضي الجنائي في إعادة التكييف تحكمها مجموعة مبادئ الهدف منها محاولة إيجاد أساس لضبط عملية التكييف وعدم الخروج عن نطاق الواقعة التي أخطر بها (أولا)، ومساعدة القاضي الزجري على تكوين قناعته القضائية وضبط أفكاره عبر منحه سلطة معتبرة في البحث عن الوصف الحقيقي للواقعة بعيدا عن التعجل أو سوء الفهم.

الفقرة الرابعة : إشكالية التوفيق بين المسؤولية الجنائية و المهنية للموظف في الجرائم المرتبطة باختلاس و تبديد أموال عمومية

    تفترض المسؤولية الجنائية وقوع جريمة وتوافر أركان هذه الجريمة، سواءً كانت جناية أم جنحة أم مخالفة، وسواء كانت تامة أم مشروعاً فيها، فالبحث في المسؤولية الجنائية تالٍ أو لاحق على قيام الجريمة وتحقق أركانها، لذلك فهي ليست ركناً من أركان الجريمة، وإنما هي أثر لاجتماع أركان الجريمة، لذلك عندما نتحدث عن المسؤولية الجنائية المتعلقة باختلاس و تبديد أموال عمومية، لا نتحدث عن المسؤولية هنا كركن من أركان الجرم المرتكب، وإنما كنتيجة حتمية ،لأثر لاجتماع أركان الجريمة فهي تالية ولاحقة على قيام فعل التبديد أو الاختلاس الواقع على المال العام،فالعبرة بوقع الاختلاس أو التبديد في المال العام هو اتجاه مرتكب الفعل الجرمي إلى سوء نيته في إيقاع الاختلاس أو إتلاف المال ، وهذه النية السيئة هي المقصود بها توافر القصد الجنائي للمسؤول عنها، ذلك أن المشرع المغربي أضفى خصوصية شديدة على تحقق فعلي الاختلاس و التبديد، إذ إن افتراض قيام الجريمتين بمجرد توافر الركن المادي لهما دون توفر القصد الجنائي المتمثل في قيام الركن المعنوي لها، لا يكفي لقيام المسؤولية الجنائية لمرتكبها، فمجرد وجود عجز في حساب الموظف العمومي، لا يكفى بذاته دليلاً على حصول الاختلاس،لجواز أن يكون ذلك ناشئاً عن خطأ مهني في العمليات الحسابية، أو لسبب آخر.

قرار محكمة النقض رقم
2022/546 ملف عدد
2021/12/6/17748 بتاريخ 2022-05-10من المقرر، إذا كان لمحكمة الموضوع أن تقضي بالبراءة متى عاينت انعدام عنصر من عناصر الجريمة، فإن ذلك مشروط بأن يشتمل حكمها على ما يفيد أنها أحاطت بظروف القضية وبأدلة الثبوت التي قام عليها الاتهام والمستمدة من مستندات الملف.

فجناية الاختلاس آو التبديد المنصوص عليها في القانون الجنائي المغربي تتحقق متى كان المال المختلس أو المبدد مسلما إلى الموظف العمومي أو من في حكمه، حيث جاء في قرار محكمة النقض رقم 2017/284 ملف عدد 2016/1/6/20896: أن الطاعن كان يعمل كمدير للوكالة الجهوية التابعة للصندوق الوطني للقرض الفلاحي وبالتالي وبالرجوع إلى القانون المؤسس لهذا الأخير يتضح أنه يقوم بأعمال بنكية لفائدة الدولة التي أنشأته وطعمته بأموال عامة مما يجعل صفة الموظف العمومي المنصوص عليها في المادة 224 من القانون الجنائي ثابتة في حقه. بالرجوع إلى الذمة المالية للصندوق الوطني للقرض الفلاحي يتضح أن الأموال التي يتولى تدبيرها هي أموال عامة مادام رأسماله مملوك للدولة. المحكمة أدانت الطاعن على أساس صفته كمدير وكالة و كون الأموال موضوعة تحت عهدته أموال عامة مما يجعل مقتضيات كل من الفصلين224 و241 الفقرة الأولى من القانون الجنائي ثابتة في حقه لأنه قام بتمكين باقي المتهمين من مبالغ كمبيالات دون وجه حق ورغم رجوعها بعد الأداء وتجاوز خط الاعتمادات الممنوحة للبعض وأداء مبالغ الشيكات دون توفر على مؤونة مما يجعل جناية تبديد أموال عامة قائمة. ثبوت الأفعال الجرمية المتابع بها المتهم الرئيسي)الطاعن) في حقه و نظرا لكونها ألحقت ضررا بالمؤسسة البنكية من خلال المبالغ المالية التي كان سببا في استفادة الغير بها دون أخذ الإجراءات القانونية المتطلبة يجعل الفعل و الضرر والعلاقة السببية ثابتة مما يجعل الحكم بالتعويضات وفق ما هو مفصل بمنطوق القرار مؤسسا. رفض الطلب،

 لذتك فإن الجرائم المالية الواقعة على المال العام، تتطلب صفة خاصة فيمن يرتكبها، وتتمثل هذه الصفة في الموظف العمومي،و المقصود بالموظف العمومي هنا، كل شخص يعين في وظيفة قارة ويرسم في إحدى رتب السلم الخاص أبسالك الإدارة التابعة للدول،.إلا أن هذا المفهوم يتسع نطاقا كلما تم اعتماد التعريف الجنائي للموظف العمومي 

فطبقا للفصل 224 من القانون الجنائي المغربي فالموظف العمومي يراد به  “كل شخص كيفما كانت رثيته يعهد إليه في حدود معينة بمباشرة وظيفة أو مهمة ولو مؤقتة بأجر أو بدون اجر، وساهم بذلك في خدمة الدولة أو المصالح العمومية أو الهيئات البلدية أو المؤسسات العمومية أو مصلحة ذات نفع عام، وتراعى صفة الموظف في وقت ارتكاب الجريمة، ومع ذلك فإن هذه الصفة تعتبر باقية له بعد انتهاء خدمته إذا كانت هي التي سهلت له ارتكاب الجريمة أو مكنته من تنفيذها”

وعليه نتساءل هل يكفي لقيام جريمتي الاختلاس والتبديد بأن يكون مرتكبهما ذو صفة موظف عمومي و بالتالي قيام مسؤوليته الجنائية؟  للجواب عن هذا السؤال جاء في قرار محكمة النقض رقم 2016/9 2015/1/6/2618،إن مناط مساءلة المتهم جنائيا وفق ما نصت عليه أحكام ومقتضيات الفصل 241 من القانون الجنائي الذي تناول بالتجريم والعقاب جريمة اختلاس أموال عمومية هو اختلاس الجاني لمال مرصود لمصلحة عامة أو خاصة باعتباره موظفا عموميا مع انصراف نيته الجرمية إلى ذلك على اعتبار أن الجريمة موضوع المتابعة من الجرائم العمدية التي لا يمكن تصور قيامها إلا بحصول الركن المعنوي المذكور، ولما كان ذلك وكان البين من تصريحات المتهم والمسمى(ع.ب) قيام هذا الأخير باختلاس المبالغ المالية واختصاصه بها لنفسه دون المتهم وعدم حصول علم هذا الأخير بذلك، فإن الجريمة بركنيها موضوع المتابعة تبقى غير قائمة في نازلة الحال وهو ما انتهت معه المحكمة في قناعتها إلى عدم ثبوت جريمة اختلاس أموال عمومية في حق المتهم لانعدام قيام عناصرها الواقعية والقانونية. تقصير المتهم وإهماله في مراقبة الأموال الصادرة والواردة عن الوكالة التي يشرف على تسييرها بالشكل الذي تقتضيه القوانين واللوائح الإدارية المعمول بها لا يمكن أن يكون أساسا للقول بقيام مسؤوليته الجنائية، بل يمكن مناقشة ذلك في إطار مسؤوليته المهنية وما يستتبع ذلك من مساءلته تأديبيا من طرف الإدارة التي يتبع لها وإيقاع الجزاءات الإدارية المتناسبة والخطأ المهني الذي ارتكبه وما يمكن أن يترتب عن ذلك من نتائج.

فبالرجوع إلى أحكام المواد الضابطة و المحددة لحالة قيام جريمتي الاختلاس و التبديد،نجدها تشترط   بالإضافة إلى صفة موظف عمومي، اتجاه نية الموظف العمومي  إلى العمد بالتصرف في المال العام و تغيير الظرف المخصص له ،أو إتلافه و تبديده ،مع علمه المسبق بذلك، وعلى هذا الأساس إذا لم تتحقق العناصر التكوينية في فعلي الاختلاس و التبديد المرتكبين من ظرف الموظف العمومي، فإننا لا نكون أمام قيام مسؤوليته جنائية، بقدر ما تكون أمام مسؤولية مهنية مفترضة في حالة قيامه بتقديم دليل قانوني أو واقعي يتشف منه انتفاء القصد الجنائي و إبراز حسن نيته،كما اثبت بأن الفعل مؤسس على خطئ غير متعمد، ا وان الفعل المنسوب له كان نتيجة مخالفته لنصوص قانونية لم يستوعبها، نتج عنها تطبيق غير سليم للقانون، و العكس صحيح، فالموظف يسأل عما يرتكبه شخصيا من أخطاء ناتجة عن إهماله أو عدم احتياطه أو عدم تبصره أو عدم مراعاته النظم و القوانين طبقا لمقتضيات القانون الجنائي، كل ذلك دون إغفال ما له من حقوق مهنية، .متى ما حدث الفعل المخالف للقاعدة القانونية عن قصد واكتملت أركانه بان خالف نص قانوني معاقب عليه وفق قواعد القانون الجنائي فان الأثر القانوني لهذا الفعل ينتقل من المسؤولية المهنية إلي المسؤولية الجنائية ليتم تطبيق جزاء قانوني معين مع الوضع بعين الاعتباران هناك بعض الأفعال التي تصدر من الموظفين، قد يحتمل أن تكون لها نتيجة معينة، أو اثر قانوني معين يجعلها عرضه بان تندرج تحت المسؤولية الجنائية والمدنية، وهنا من الممكن إن يعاقب عليها الشخص المخالف للقاعدة مدنياً وجنائياً، وذلك وفق سلطات المحكمة التقديرية في ذلك، فلا شك أن مسؤوليات الموظف العمومي متعددة الطبيعة القانونية بتعدد أسبابها، فتكون إما جنائية قائمة على ارتكاب فعل مجرم من طرف القانون بمناسبة مزاولة نشاطه المهني، ومن ذلك تبديد و اختلاس أموال عمومية، أو تكون تأديبية عند وجود مخالفة لقواعد المهنة التي يفرضها القانون المنظم لها، أو توجبها الأعراف المهنية، لذلك فقد ظلت جل التشريعات تخص هذه الأوساط المهنية بأنظمة قانونية ولوائح تنظيمية تؤطرها، وهذا ما شكل سند بروز النظام القانوني الخاص بالمسؤولية المهنية، وفصلها عن المسؤولية الجنائية .

ظهرت المقالة مناط التمييز بين المسؤولية الجنائية والمسؤولية المهنية في جرائم اختلاس وتبديد أموال عمومية أولاً على aljami3a.com.

]]>
https://www.aljami3a.com/1558/%d9%85%d9%86%d8%a7%d8%b7-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%85%d9%8a%d9%8a%d8%b2-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%a4%d9%88%d9%84%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%86%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d8%a9-%d9%88/feed/ 0
دور محكمة النقض في رد الدفوع غير المنتجة https://www.aljami3a.com/1548/%d8%af%d9%88%d8%b1-%d9%85%d8%ad%d9%83%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%82%d8%b6-%d9%81%d9%8a-%d8%b1%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%81%d9%88%d8%b9-%d8%ba%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%aa%d8%ac/ https://www.aljami3a.com/1548/%d8%af%d9%88%d8%b1-%d9%85%d8%ad%d9%83%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%82%d8%b6-%d9%81%d9%8a-%d8%b1%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%81%d9%88%d8%b9-%d8%ba%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%aa%d8%ac/#respond Mon, 01 Jul 2024 23:50:12 +0000 https://www.aljami3a.com/?p=1548 دور محكمة النقض في رد الدفوع غير المنتجة تعتبر محكمة النقض أعلى هيئة قضائية بالمملكة وتسهر على مراقبة التطبيق السليم للقانون وتوحيد العمل القضائي، الأمر الذي يساهم في تحقيق الأمن القضائي وتعزيز جودة الأحكام الصادرة عن محاكم الموضوع. وكما هو معلوم أن المقررات القضائية هي نتاج لمجهود القاضي يأتي بعد البت في طلبات الأطراف ودفاعهم وقبول ورد ما قدم من دفوع وردود، وهو ما يطلق عليه في القوانين المسطرية بالتعليل أي تسبيب الأحكام من خلال إنزال حكم القانون على الواقع وصولا إلى المنطوق الذي ينسجم مع التعليل. غير أنه خلال مرحلة سريان الخصومة ومناقشة القضايا تعرض على القاضي مجموعة من الدفوع التي تصنف إلى دفوع منتجة وأخرى غير منتجة، ونشير إلى أن الدفع المنتج هو الذي يكون له تأثير على وجه قضاء المحكمة، ويكون الرد عليه وقبوله سببا في الحكم على طرف لحساب آخر، ويأتي هذا التصنيف في إطار رد الدفوع غير المنتجة التي تؤدي إلى إطالة أمد التقاضي، طالما أن المحكمة غير ملزمة بتتبع الأطراف في جميع مناحي أقوالهم. ونتساءل كيف تساهم محكمة النقض في رد الدفوع غير المنتجة، من خلال الاستناد إلى مقتضيات الفصل 49 من قانون المسطرة المدنية الذي أشار إلى مجموعة من الدفوع، إذ ينص على ما يلي:” يجب أن يثار في آن واحد وقبل كل دفاع في الجوهر الدفع بإحالة الدعوى على محكمة أخرى لتقديمها أمام محكمتين مختلفتين أو لارتباط الدعويين والدفع بعدم القبول وإلا كان الدفعان غير مقبولين. يسري نفس الحكم بالنسبة لحالات البطلان والإخلالات الشكلية والمسطرية التي لا يقبلها القاضي إلا إذا كانت مصالح الطرف قد تضررت فعلا.” كما أن معيار تحقق الغاية ساهم بدوره في التقليل من...

ظهرت المقالة دور محكمة النقض في رد الدفوع غير المنتجة أولاً على aljami3a.com.

]]>
دور محكمة النقض في رد الدفوع غير المنتجة

تعتبر محكمة النقض أعلى هيئة قضائية بالمملكة وتسهر على مراقبة التطبيق السليم للقانون وتوحيد العمل القضائي، الأمر الذي يساهم في تحقيق الأمن القضائي وتعزيز جودة الأحكام الصادرة عن محاكم الموضوع.

وكما هو معلوم أن المقررات القضائية هي نتاج لمجهود القاضي يأتي بعد البت في طلبات الأطراف ودفاعهم وقبول ورد ما قدم من دفوع وردود، وهو ما يطلق عليه في القوانين المسطرية بالتعليل أي تسبيب الأحكام من خلال إنزال حكم القانون على الواقع وصولا إلى المنطوق الذي ينسجم مع التعليل.

غير أنه خلال مرحلة سريان الخصومة ومناقشة القضايا تعرض على القاضي مجموعة من الدفوع التي تصنف إلى دفوع منتجة وأخرى غير منتجة، ونشير إلى أن الدفع المنتج هو الذي يكون له تأثير على وجه قضاء المحكمة، ويكون الرد عليه وقبوله سببا في الحكم على طرف لحساب آخر، ويأتي هذا التصنيف في إطار رد الدفوع غير المنتجة التي تؤدي إلى إطالة أمد التقاضي، طالما أن المحكمة غير ملزمة بتتبع الأطراف في جميع مناحي أقوالهم.

ونتساءل كيف تساهم محكمة النقض في رد الدفوع غير المنتجة، من خلال الاستناد إلى مقتضيات الفصل 49 من قانون المسطرة المدنية الذي أشار إلى مجموعة من الدفوع، إذ ينص على ما يلي:” يجب أن يثار في آن واحد وقبل كل دفاع في الجوهر الدفع بإحالة الدعوى على محكمة أخرى لتقديمها أمام محكمتين مختلفتين أو لارتباط الدعويين والدفع بعدم القبول وإلا كان الدفعان غير مقبولين.

يسري نفس الحكم بالنسبة لحالات البطلان والإخلالات الشكلية والمسطرية التي لا يقبلها القاضي إلا إذا كانت مصالح الطرف قد تضررت فعلا.”

كما أن معيار تحقق الغاية ساهم بدوره في التقليل من الدفوع المثارة بخصوص العديد من الإخلالات الشكلية التي يرمي من خلالها الأطراف إلى التأثير على نتيجة المقرر القضائي.

أولا: تحقق الغاية من الإجراء كسبب من أسباب رد الدفوع المتعلقة بالخبرة:

يعتبر معيار تحقق الغاية من المعايير الناجعة التي كرستها محكمة النقض في العديد من النوازل القضائية التي ردت فيها بعض الدفوع المثارة بشأن إخلالات شكلية تمسك بها الأطراف رغم أنه لم يعد هناك مبرر مقبول للتمسك بها، لكون الغاية من الإجراء القانوني المدعى بخرقه قد تحققت الغاية منه لسبب من الأسباب التي سنذكر بعضها.

  1. الدفع بعدم إشعار الأطراف بقرار استبدال الخبير:

جاء في إحدى وسائل مقال الطعن بالنقض، حيث يعيب الطاعنون على القرار خرق الفصل 61 من قانون المسطرة المدنية ذلك أنه لم يتم إشعارهم باستبدال الخبير (ع-ب) بالخبير (س-أ) المعتمدة خبرته في القرار المطعون فيه.

وقبل أن نعرض موقف محكمة النقض من هذه الوسيلة لا بد من الإشارة إلى مقتضيات الفصل 61 المذكور الذي ينص في الفقرة الأولى على أنه:” إذا لم يقم الخبير بالمهمة المسندة إليه داخل الأجل المحدد له أو لم يقبل القيام بها، عين القاضي بدون استدعاء للأطراف خبيرا آخر بدلا منه وأشعر الأطراف فورا بهذا التغيير.”

يتبين من خلال استقراء مقتضيات الفصل أعلاه أنه يتعين على القاضي كلما أمر باستبدال الخبير المعين سلفا بخبير آخر لعدم إنجاز مهمته أو لأي سبب آخر أن يشعر الأطراف فورا بقرار الاستبدال، ضمانا لحقهم في ممارسة إجراءات التجريح إن كان لها موجب طبقا للفصل 62 من ذات القانون.

على أنه من بين التزامات الخبير استدعاء الأطراف ووكلائهم للحضور لإجراءات الخبرة، حتى يتمكن كل طرف من الإدلاء بملاحظاته وإبداء آرائه حول موضوع النزاع، وبالتالي فإن حضورهم للخبرة ضمانة من الضمانات القانونية المقررة لفائدتهم طبقا للفصل 63 من قانون المسطرة المدنية.

وقد ردت محكمة النقض الوسيلة المشار إليها أعلاه بكون الغاية من الإشعار باستبدال الخبير قد تحققت من خلال حضور الطاعنين لإجراءات الخبرة، واعتبرت أن حضورهم بمثابة إشعار لهم بالخبير المعين بمقتضى القرار القاضي بالاستبدال[1].

وبالتالي نلاحظ مدى مساهمة محكمة النقض في إطار الجواب على الوسائل في رد بعض الدفوع المثارة بشأن الإخلالات المسطرية التي لا تأثير لها على وجه قضاء المحكمة وعلى سلامة نتيجة المقرر القضائي.

  • الدفع بعدم استدعاء الأطراف لحضور إجراءات الخبرة:

في قضية أخرى عرضت على محكمة النقض تتعلق بالطعن في القرار الاستئنافي القاضي في شقه المتعلق بالدعوى المدنية التابعة بأداء تعويضات لذوي حقوق الهالك في إطار حادثة سير، إذ جاء في وسيلة الطعن بالنقض أن الخبرة أنجزت في غيبة الطاعنين ودفاعهما مما يعد خرقا للفصلين 40 و63 من قانون المسطرة المدنية وخرقا لحق الدفاع، وبالتالي اعتماد الحد الأدنى للأجر، لكن محكمة الاستئناف ردت الدفع بعلة أن الخبير احترم مقتضيات الفصل 63 م قانون المسطرة المدنية والخبرة موضوعية لأن الخبير اعتمد أجرة المثل، وهذا التعليل ليس في محله نظرا لخلو الملف مما يثبت استدعاء المسؤول المدني رغم أنه طرف رئيسي في النازلة والفصل 63 المذكور يوجب على الخبير استدعاء كافة الأطراف ووكلائهم، وخلوه كذلك مما يثبت توصل دفاع الطاعنين بأي إشعار من طرف الخبير كما أن الضحية يمارس مهنة حرة خاضعة للقانون الضريبي، وورثته لم يقدموا للخبيرة الحيسوبية أية تصاريح ضريبية مما يكون معه القرار خارقا للقانون ومعرضا للنقض.[2]

ردت محكمة النقض ما تضمنته الوسيلة من عدم استدعاء الطرف ودفاعه بكون الغاية من هذا الإجراء أي الاستدعاء لحضور إجراءات الخبرة قد تحققت طالما أن طالبة النقض لم تنازع في الضمان وناقشت الوثائق المعتمدة في الخبرة الحسابية.

وقد يحصل أيضا أن يدفع الأطراف بعدم استدعائهم لحضور إجراءات الخبرة المأمور بها رغم أنهم حضروا وتم تسجيل حضورهم في محضر من طرف الخبير المعين، مما يجعل دفعهم غير جدي ولا تأثير له على صحة إجراءات الخبرة ومآلها، طالما أن الغاية من الاستدعاء قد تحققت بحضورهم دون استدعاء، ويبقى ما أثير على غير أساس ويتعين رده.

   وبالتالي تكون محكمة النقض قد ردت هذا الدفع المثار لعدم ارتكازه على أي أساس قانوني أو واقعي سليم، خاصة إذا علمنا أنها نقضت العديد من القرارات بسبب خرق مقتضيات الفصل 63 من قانون المسطرة المدنية لا سيما الاستدعاء لحضور الخبرة لكونه من الإجراءات الجوهرية التي يترتب على خرقها تضرر مصالح الأطراف.

  • الدفع بعدم تبليغ الأطراف بالحكم التمهيدي القاضي بإجراء خبرة:

ينص الفصل 62 من قانون المسطرة المدنية على أنه: ” يمكن تجريح الخبير الذي عينه القاضي تلقائيا للقرابة أو المصاهرة بينه وبين أحد الأطراف إلى درجة ابن العم المباشر مع إدخال الغاية:

– إذا كان هناك نزاع بينه وبين أحد الأطراف؛

– إذا عين لإنجاز الخبرة في غير مجال اختصاصه؛

– إذا سبق له أن أبدى رأيا أو أدلى بشهادة في موضوع النزاع؛

– إذا كان مستشارا لأحد الأطراف؛

– لأي سبب خطير آخر.

 يمكن للخبير أن يثير أسباب التجريح من تلقاء نفسه.

يتعين تقديم طلب التجريح داخل أجل خمسة أيام من تاريخ تبليغ المقرر القضائي بتعيين الخبير.

تبت المحكمة في طلب التجريح داخل خمسة أيام من تاريخ تقديمه، ولا يقبل هذا المقرر أي طعن إلا مع الحكم البات في الجوهر.”

حدد الفصل أعلاه أسباب وحالات تجريح الخبير المعين تلقائيا من طرف المحكمة وكذا أجل تقديم طلب التجريح والبت فيه، وفي ذلك ضمانة من ضمانات التقاضي المقررة لصالح الأطراف، لا سيما وأن نتائج الخبرة تكون حاسمة في العديد من القضايا.

وكما هو معلوم مسطريا أن الخبرة تكون بحكم تمهيدي يصدره القاضي ويخضع كغيره من الأحكام لمقتضيات التبليغ وباقي الشكليات المحددة في الفصل 50 من قانون المسطرة المدنية، باستثناء الطعن بالاستئناف الذي يبقى حقا مكفولا إلى حين ممارسته مع الحكم الفاصل في الجوهر عملا بمقتضيات الفصل 140 من نفس القانون.

غير أنه عمليا لا يتم تبليغ الأحكام التمهيدية الصادرة بإجراء خبرة بسبب كثرة القضايا، أو لعلم الأطراف ودفاعهم بصدورها لا سيما في المساطر الكتابية (ملفات المسؤولية التقصيرية نموذجا)، إلا أنه مع ذلك يثار بشأن ذلك العديد من الدفوع بسبب عدم تبليغها.

ولا شك أن فهم أسباب النزول في التشريع يساعد على معرفة الغاية من كل إجراء وضعه المشرع، فالغاية من التنصيص على ضرورة تبليغ الأطراف بالحكم التمهيدي القاضي بإجراء خبرة هي ضمان حقهم في ممارسة التجريح داخل الأجل إن توفرت موجباته، طالما أن ذلك يتم بعد توصلهم بالمقرر القاضي بإجراء خبرة.[3]

إذن نتساءل كيف تعاملت محكمة النقض مع هذا الدفع؟

 بداية اعتبرت محكمة النقض في العديد من القرارات[4] أن عدم تبليغ الأطراف بالحكم التمهيدي الصادر بإجراء خبرة يجعل أجل التجريح مفتوحا بالنسبة إليهم، حتى يتمكنوا من تقديم طلب التجريح في أي مرحلة من مراحل الدعوى.

غير أن ذلك رهين بتمسكهم بحقهم في سلوك مسطرة التجريح ضد الخبير، أما في الحالة التي لا يثير فيها الطرف أي دفع بشأن التجريح، ثم يعيب على الحكم الصادر في الجوهر بكونه لم يتم تبليغه بالحكم التمهيدي الصادر بإجراء خبرة رغم مناقشته لما جاء في تقرير الخبرة ونتائجها وتعقيبه عليها، دون إثارة أي دفع بخصوص تجريح الخبير، يجعل دفعه غير جدي ومآله الرد، وذلك ما كرسته محكمة النقض في قرار لها جاء فيه بأن الغاية من تبليغ الأمر التمهيدي القاضي بإجراء خبرة هي فتح المجال أمام الأطراف لممارسة مسطرة التجريح في الخبير المنتدب داخل الأجل القانوني، وما دام الطاعن لم يمارس هذا الحق إلى أن أصبحت القضية جاهزة بل وأدلى بملاحظاته حول الخبرة؛ فإنه لم يترتب له أي ضرر من عدم توصله بالحكم التمهيدي[5].

  • الدفع بعدم الإشارة إلى أن القرار صادر عن الهيئة التي ناقشت القضية:

       جاء في النعي على قرار صادر عن محكمة الاستئناف التجارية خرق قاعدة مسطرية أضر بأحد الأطراف، والفصل 345 من قانون المسطرة المدنية، بدعوى أن القرار الاستئنافي المذكور ومحضر الجلسة لم يشيرا إلى أن الهيئة التي ناقشت القضية هي نفسها التي أصدرت الحكم، ملتمسا معه نقض القرار المطعون فيه.

       وفي إطار رد محكمة النقض على النعي اعتبرت أن عدم إشارة القرار المطعون فيه ضمن بياناته إلى صدوره عن نفس الهيئة التي ناقشت القضية لا يعيبه في شيء، طالما أن الثابت من خلال محضر الجلسة أنه صدر عن نفس الهيئة القضائية التي ناقشتها، والفرع من الوسيلة على غير أساس.[6]

ثانيا: اشتراط تحقق الضرر للطرف المتمسك بالخرق الشكلي:

ينص الفصل 49 من قانون المسطرة المدنية على ما يلي:” يجب أن يثار في آن واحد وقبل كل دفاع في الجوهر الدفع بإحالة الدعوى على محكمة أخرى لتقديمها أمام محكمتين مختلفتين أو لارتباط الدعويين والدفع بعدم القبول وإلا كان الدفعان غير مقبولين.

يسري نفس الحكم بالنسبة لحالات البطلان والإخلالات الشكلية والمسطرية التي لا يقبلها القاضي إلا إذا كانت مصالح الطرف قد تضررت فعلا.”

انطلاقا من الفصل المذكور يمكن رد مجموعة من الدفوع غير المنتجة التي تعترض المقرر القضائي، وذلك من خلال اشتراط تحقق عنصر الضرر لقبول بعض الدفوع.

  1. الدفع بعدم تضمين بيان مهنة الأطراف في المقال الافتتاحي:

يتضمن الفصل 32 من قانون المسطرة المدنية بعض البيانات التي يتعين على المدعي تضمينها في إطار تقييد الدعوى ووضع المقال لدى المحاكم حتى يتم قبولها من الناحية الشكلية، إلا أن السؤال المطروح هو هل لتخلف أحد البيانات المذكورة أثر على صحة الطلب؟.

فمن بين الدفوع المثارة بشأن بيانات المقال، حالة عدم ذكر مهنة المدعى عليه، الذي يعتبر في الحقيقة دفعا غير منتج ولا تأثير له على سلامة الدعوى، خاصة إذا لم يثبت الطرف المثير للدفع الضرر الحاصل له من جراء عدم تضمين بيان المهنة.

وهذا ما أكدته محكمة النقض في قرار لها جاء فيه أن خرق قاعدة لا يشكل سببا من أسباب النقض إلا إذا تضررت مصالح مثير الخرق المذكور، وبيَّن وجه تضرره من ذلك الخرق المزعوم[7].

وفي قرار آخر[8]  اعتبرت أن مثير الخرق عليه عبء إثبات وجه تضرره، إذ جاء في النعي على القرار الاستئنافي ما يلي: “عدم الارتكاز على أساس قانوني، وفساد التعليل الموازي لانعدامه، بدعوى أنه علل ضمه للاستئنافين بإنجاز خبرة مشتركة تهم الإرساليتين موضوع سندي الشحن، والحال أن لكل بضاعة فاتورتها التجارية وسند شحنها والأمر بالتأمين المتعلق بها، والقيمة المؤمن عليها، ووصل تصفية العوار الخاص بها، وعليه فإنه ولئن كان تقرير الخبرة هو الأمر المشترك بين الملفين، إلا أن ذلك لا يعد موجبا للضم، خصوصا أن موجباته هي وحدة الأطراف والسبب والموضوع، مما يناسب التصريح بنقض القرار المطعون فيه.”

وردت محكمة النقض الوسيلة المذكورة بما يلي: “لكن حيث إن الإخلالات المسطرية لا تعد سببا من أسباب النقض، إلا إذا ثبت أنها رتبت ضررا لمن تمسك بخرقها، وفي النازلة الماثلة لم تثبت الطالبتان الضرر الذي أصابهما من جراء استجابة المحكمة لطلب الضم، والوسيلة غير مقبولة.”

  • الدفع بالإشارة إلى (وزارة العدل) في ديباجة الأحكام القضائية:

جاء دستور المملكة لسنة 2011 بأحكام قانونية تسعى إلى ترسيخ سلطة قضائية مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، تكريسا لاستقلال القضاء، وذلك من خلال إحداث المجلس الأعلى للسلطة القضائية كمؤسسة دستورية يرأسها جلالة الملك وتمكينها من الاستقلال المالي والإداري وتخويل الرئيس الأول لمحكمة النقض مهام الرئيس المنتدب بدلا من وزير العدل تجسيدا لفصل السلط.

وفي إطار العمل القضائي كانت بعض الأحكام والقرارات القضائية تحمل في ديباجتها بعد -المملكة المغربية- عبارة -وزارة العدل- على الرغم من استقلال السلطة القضائية عن وزارة العدل باعتبار هذه الأخيرة جهازا تابعا للسلطة التنفيذية، الأمر الذي استغله طرف من أطراف قرار قضائي صادر عن محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء كوسيلة للطعن بالنقض نعى فيها على القرار المذكور خرق القانون، لكون القرار جاء مخالفا لمقتضيات الظهير الشريف رقم 1.17.45 المؤرخ في 30/08/2017 بتنفيذ القانون رقم 33.17 المتعلق بنقل اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل إلى الوكيل العام لمحكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة وبسن قواعد لتنظيم رئاسة النيابة العامة، وكذا الفصل 107 من الدستور، وبالتالي بطلان القرار الاستئنافي بعلة أنه ورد بديباجته –وزارة العدل- كما لو كانت سلطة الوصاية على محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء، والحال أن هذه الوصاية زالت استنادا إلى الفصل 113 من الدستور وذلك على إثر إحداث المجلس الاعلى للسلطة القضائية بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.16.40 المؤرخ في 24/03/2016 بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 100.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 6456 بتاريخ 14/04/2016 الصفحة 3143، معتبرا أن تلك المقتضيات من النظام العام وخرقها يعرض القرار المذكور للبطلان.[9]

ردت محكمة النقض ما جاء بالوسيلة أعلاه بتعليل كالتالي: “لكن حيث إن الخرق المسطري كسبب للنقض مشروط بحصول الضرر لمن يتمسك به، والطاعن لم يدع حصول ضرر أصابه جراء الخلل المسطري المشار إليه في الوسيلة، فهي غير مقبولة”[10].

  • الدفع بعدم تحرير محضر في إطار إجراءات التحقيق:

تعتبر الأبحاث والمعاينة من إجراءات التحقيق التي تلجأ إليها المحكمة لتكوين اقتناعها الصميم والإحاطة بنقط الغموض التي تكتنف النزاع أو العالقة به، وقد نظم المشرع إجراءاتها ضمن قانون المسطرة المدنية في الفصول من 55 إلى 102 كإطار عام والفصول 334 و336 و342 بالنسبة للقضايا المعروضة على محاكم الاستئناف.

ولما كان موضوعنا هو الوسائل التي تعرض على محكمة النقض في إطار النعي على القرارات الاستئنافية، فإنه سبق الطعن بالنقض في قرار استئنافي بإحدى الوسائل مفادها أن المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه أجرت بحثا للتأكد من حيازة الطاعن للعقار المتصدق به دون الانتقال إلى هذا العقار، وإجراء بحث بعين المكان، وأن المستشار المقرر أجرى بحثا في القضية ولم يحرر أي تقرير فيها، مما يكون معه القرار خارقا لمقتضيات الفصول 334 و335 و342 من قانون المسطرة المدنية.

ردت محكمة النقض هذه الوسيلة معتبرة أنه طبقا للفصل 359 من قانون المسطرة المدنية، فإن الخرق المسطري كسبب للنقض هو الذي يترتب عنه ضرر للطرف المعني، والحال أن الطاعن لم يبين الضرر الذي لحقه من عدم تحرير التقرير المذكور، وما جاء بالوسيلة على غير أساس.[11]

  • الدفع بخرق مقتضيات الفصل 440 من قانون الالتزامات والعقود:

يعتبر الدفع بمخالفة الفصل 440 من قانون الالتزامات والعقود من الدفوع الأكثر شيوعا التي تثار في إطار الجواب على المقالات الافتتاحية المرفقة بصور شمسية للوثائق، وذلك لأجل استبعادها وعدم استفادة المدعي منها، دون المنازعة في مضمونها.

إلا أن محكمة النقض ردت على هذا الدفع المثار في إحدى الوسائل المعروضة عليها بمناسبة البت في طعن بالنقض كالتالي: “لكن حيث إن الطالبة لم تنازع في محتوى الوثائق التي استند عليها الحكم الابتدائي والتي هي عبارة عن صور فوتوغرافية، إذ لا يمكن التمسك بهذا الدفع إلا في مواجهة الأوراق المؤثرة في مسار الدعوى من حيث الإثبات دون غيرها، وأنه ما دامت الطالبة لم تنازع في مضمون هذه الوثائق فيبقى الدفع المذكور غير مؤثر وما بالوسيلة على غير أساس.[12]

وهكذا يتضح الدور المهم الذي تضطلع به محكمة النقض في التقليص من حدة الدفوع التي تحول دون الفصل في جوهر النزاعات وإنهاء الخصومات، لا سيما أن النجاعة القضائية تتطلب البت داخل آجال معقولة، ويبدو أن توظيف عنصر الضرر طبقا للفصل 49 من قانون المسطرة المدنية ومعيار الغاية ومدى تحققهما قد ساعد أيضا في التصدي لمجموعة من الدفوع التي كانت تحول دون البت في جوهر القضايا.  


[1]– قرار محكمة النقض عدد 45/1 الصادر بتاريخ 04 أبريل 2023 في الملف العقاري عدد 1098/1/1/2020، منشور بالموقع الرسمي لمحكمة النقض.

[2]– قرار محكمة النقض عدد 585 الصادر بتاريخ 17 مارس 2022 في الملف الجنحي عدد 10259-60/2021+ 3774/2022، منشور بالموقع الرسمي لمحكمة النقض.

[3]– في هذا الصدد اعتبر الأستاذ نور الدين لبريس أنه وإن كان الفصل 334 من ق م م قد تحدث عن تبليغ الأوامر بإجراءات التحقيق بواسطة بكتابة الضبط، فإنه لا يوجد ضمن ق م م نص يوجب تبليغ الأحكام التمهيدية الآمرة بإجراء التحقيق، أو خبرة للأطراف، مؤكدا أن تبليغها ليس إلزاميا، وأن عدم تبليغها لا ينعكس بأثر سيء على عملية الخبرة، وحتى ما اشار إليه الفصل 56 من ق م م يتعلق فقط بالأمر بالإيداع المسبق لمصاريف الإجراء المطلوب، وكذلك إشارة الفصل 62 الضمنية إلى التبليغ غايتها سريان مهلة خمسة أيام المحددة لتجريح الخبير-حسب هذا النص-، أثر واحد هو عدم سريان أجل تجريح الخبير ولا شيء غير ذلك…- للمزيد من التفصيل: نور الدين لبريس، “نظرات في قانون المسطرة المدنية”، الطبعة الأولى 2012، مطبعة الأمنية، الرباط، ص: 83

[4]– القرار عدد 04 الصادر بتاريخ 03 يناير 2023 في الملف المدني عدد 1975/1/5/2021، منشور بالمنصة الرقمية لمحكمة النقض.

[5]– القرار عدد 94/2 الصادر بتاريخ 29 يناير 2015 في الملف الإداري عدد 2788/4/2/2014، منشور بالمنصة الرقمية لمحكمة النقض.

[6]قرار صادر بتاريخ 29- 06-2017 في الملف التجاري عدد 826/3/1/2016، غير منشور.

[7] القرار عدد 62 الصادر بتاريخ 19 يناير 2023 في الملف الإداري عدد 1773/4/1/2022، منشور بالمنصة الرقمية لمحكمة النقض.

[8]قرار صادر عن محكمة النقض بتاريخ 18- 10–  2018 في الملف التجاري عدد 65/3/1/2017، غير منشور.

[9]– للمزيد من الاطلاع: ذ/ رضى بلحسين، “الإشارة إلى وزارة العدل في ديباجة الأحكام لا تأثير له على صحتها”، مقال منشور على الصفحة الفايسبوكية jurispresso.

[10]– القرار عدد 80 الصادر بتاريخ 10 فبراير 2022 في الملف عدد 700/3/3/2020،أورده الأستاذ رضى بلحسين، “الإشارة إلى وزارة العدل في ديباجة الأحكام لا تأثير له على صحتها”، مقال منشور على الصفحة الفايسبوكية jurispresso.

[11]– القرار عدد 85 الصادر بتاريخ 16 فبراير 2021 في الملف الشرعي عدد 884/2/1/2018، منشور بالمنصة الرقمية لمحكمة النقض.

[12]القرار عدد 133/2 الصادر بتاريخ 31 يناير 2019 في الملف الإداري عدد 617/4/2/2017، منشور بالمنصة الرقمية لمحكمة النقض.

ظهرت المقالة دور محكمة النقض في رد الدفوع غير المنتجة أولاً على aljami3a.com.

]]>
https://www.aljami3a.com/1548/%d8%af%d9%88%d8%b1-%d9%85%d8%ad%d9%83%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%82%d8%b6-%d9%81%d9%8a-%d8%b1%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%81%d9%88%d8%b9-%d8%ba%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%aa%d8%ac/feed/ 0
المغارسة بين مقتضيات الفقه المالكي والتشريع المغربي https://www.aljami3a.com/1545/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba%d8%a7%d8%b1%d8%b3%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d9%85%d9%82%d8%aa%d8%b6%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%82%d9%87-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%8a-%d9%88%d8%a7/ https://www.aljami3a.com/1545/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba%d8%a7%d8%b1%d8%b3%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d9%85%d9%82%d8%aa%d8%b6%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%82%d9%87-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%8a-%d9%88%d8%a7/#respond Sun, 23 Jun 2024 19:21:17 +0000 https://www.aljami3a.com/?p=1545 المغارسة بين مقتضيات الفقه المالكي والتشريع المغربي إن أول حق ظهر هو حق التملك بعد ان مارس الإنسان الزراعة عليها وغرس الأشجار فيها، كمورد للعيش والرزق والتمتع بالحلال الطيب منها لذا تمسك الإنسان بأرضه للدفاع عنها ومع تطور الحياة البشرية وممارسة بعض الحرف الأخرى، أصبح لبعض الناس أراضي تحتاج إلى إصلاح وغرس  ولم تكن لهم الخبرة والتجربة والمال للقيام بذلك مما اضطرهم إلى التعاقد مع الغير للقيام بذلك بشرط جزء من الأرض والشجر ومن هنا ظهر عقد المغارسة  حيت إن التنظيم القانوني السائد قبل صدور مدونة الحقوق العينية لم يولي هذا العقد أي  اهتمام سواء من خلال ظهير2 يونيو 1915 أو قانون الالتزامات والعقود لم يتطرقا إلى هذا العقد تاركين الأمر للمقتضيات الفقه المالكي، ورغبة من المشرع المغربي في تنظيم هذا النوع من العقود الذي أضحى يشكل قاعدة مهمة باعتباره سببا من أسباب كسب الملكية والأكثر تداولا، خاصة في الأراضي الفلاحية التي تمتاز بشساعة مساحتها لذلك كان واجبا على المشرع إقرار نصوص قانونية للنظيم هذا العقد وفض المنازعات المثارة أمام القضاء بشأنه ،وفي سنة 2011 أقر المشرع بهذا المولود القانوني الجديد ذو الحمولة الفقهية بموجب مدونة الحقوق العينية من خلال تنظيم قانوني لهذا العقد  ضمن مقتضيات الفصل الأول من الباب الثاني من القسم الأول من الكتاب الثاني المعنون بالأسباب كسب الملكية والقسمة وذلك من المواد 265 إلى 272 من قانون39.08 وللمناقشة هذا العقد والغوص في أحكامه كان لازما علينا معالجته من المنظور الفقهي  خاصة الفقه المالكي والمنظور التشريعي.         المبحث الأول: الأحكام العامة للعقد المغارسة بين مقتضيات الفقه المالكي والتشريع المغربي          المبحث الثاني: الآثار المترتبة على عقد المغارسة بين الفقه المالكي والتشريع المغربي               ...

ظهرت المقالة المغارسة بين مقتضيات الفقه المالكي والتشريع المغربي أولاً على aljami3a.com.

]]>
المغارسة بين مقتضيات الفقه المالكي والتشريع المغربي

إن أول حق ظهر هو حق التملك بعد ان مارس الإنسان الزراعة عليها وغرس الأشجار فيها، كمورد للعيش والرزق والتمتع بالحلال الطيب منها لذا تمسك الإنسان بأرضه للدفاع عنها ومع تطور الحياة البشرية وممارسة بعض الحرف الأخرى، أصبح لبعض الناس أراضي تحتاج إلى إصلاح وغرس  ولم تكن لهم الخبرة والتجربة والمال للقيام بذلك مما اضطرهم إلى التعاقد مع الغير للقيام بذلك بشرط جزء من الأرض والشجر ومن هنا ظهر عقد المغارسة  حيت إن التنظيم القانوني السائد قبل صدور مدونة الحقوق العينية لم يولي هذا العقد أي  اهتمام سواء من خلال ظهير2 يونيو 1915 أو قانون الالتزامات والعقود لم يتطرقا إلى هذا العقد تاركين الأمر للمقتضيات الفقه المالكي، ورغبة من المشرع المغربي في تنظيم هذا النوع من العقود الذي أضحى يشكل قاعدة مهمة باعتباره سببا من أسباب كسب الملكية والأكثر تداولا، خاصة في الأراضي الفلاحية التي تمتاز بشساعة مساحتها لذلك كان واجبا على المشرع إقرار نصوص قانونية للنظيم هذا العقد وفض المنازعات المثارة أمام القضاء بشأنه ،وفي سنة 2011 أقر المشرع بهذا المولود القانوني الجديد ذو الحمولة الفقهية بموجب مدونة الحقوق العينية من خلال تنظيم قانوني لهذا العقد  ضمن مقتضيات الفصل الأول من الباب الثاني من القسم الأول من الكتاب الثاني المعنون بالأسباب كسب الملكية والقسمة وذلك من المواد 265 إلى 272 من قانون39.08 وللمناقشة هذا العقد والغوص في أحكامه كان لازما علينا معالجته من المنظور الفقهي  خاصة الفقه المالكي والمنظور التشريعي.

        المبحث الأول: الأحكام العامة للعقد المغارسة بين مقتضيات الفقه المالكي والتشريع المغربي

         المبحث الثاني: الآثار المترتبة على عقد المغارسة بين الفقه المالكي والتشريع المغربي

               المبحث الأول: الأحكام العامة للعقد المغارسة بين مقتضيات الفقه المالكي والتشريع المغربي

             المطلب الأول: مفهوم المغارسة ومشروعيتها وخصائصها

تعريف المغارسة لغة: المغارسة على وزن مفاعلة الأصل فيها أن تكون من لفعل الغرس من اثنين كالمناظرة والمخاصمة فمقتضى لفضها أن يكون كل واحد يغرس لصاحبه وليس ذلك مرادا في حقيقتها وإنما الغارس أحدهما، ومن الأخر الأرض، تحمل على العقد وهي تثبيت الشجر في الأرض[1]

عرفها ابن منظور في لسان العرب: يقال غرس الشجر والشجر يغرسها غرسا: أثبته في الأرض، فهو مغروس وغريس ويقال للنخلة أو ما تنبت غريسة، والغرس: اغرسك الشجر، والغراس: زمن الغرس، والمغرس: موضع الغرس والغراس ما يغرس من الشجر. [2]

قال ابن فارس: غرس الغين والراء والسين أصل صحيح من لذي قبله يقال غرست الشجر غرسا وهذا زمن الغراس. [3]

تعريف المغارسة اصطلاحا:

جاء في بداية المجتهد ونهاية المقتصد وهي عند مالك أن يعطي الرجل أرضه لرجل ليغرس فيها عددا من الثمار معلوما فإذا استحق الثمر كان للغارس الجزء المتفق عليه.[4]

وعرفها ابن عرفة في كتابه الحدود بأنها جعل وإجارة وذات الشركة في الأصل: وعلق الإمام الرصاع على ذلك بقوله أن الشيخ لا يتوهم أنه ذكر ذلك حدا للمغارسة فإن ذلك ليس بحدا لها وإنما تقسيم لها وغايته أنه بين لأنها تارة تكون إجارة وتارة جعالة وتارة شركة في الأصول فإن اشترط رجل على أن يغرس له  نخلا في الأرض وماتنت منه أخد فيه جعلا مسمى فهي جعالة وله الترك وإن اشترط إجارة على جزء من أصل جاز كما إذا قال اغرس لي أرضي نخلا بطائفة من أرض أخرى فهذه إجارة وإذا قال اغرسها نخلا أو شبهها على قذر كذا والأرض والشجر بينهما فذلك أيضا مغارسة وهذا شامل للفاسدة والصحيحة، والفاسدة فيها نزاع والمغارسة لها حكم وسنة تخصها فليست  بمحض إجارة ولا جعالة لاشتبهت الإجارة للزوم عقدها وتشبه الجعالة لوقوف عوضها على ثبوت الغرس فإن قلت هلا عرف الشيخ  رحمه الله المغارسة بقوله :عقد على تعمير الأرض بشجر بقدر معلوم كالإجارة أو كالجعالة أو بجزء من أصل وذلك يجمع أصنافها الصحيحة والفاسدة.[5]

وكذلك قول ابن عاصم في فصل الاغتراس

والاغتراس جائز لمن فعل ****ممن له البقعة أو له العمل

عرفها الشافعية: بأن يسلم إليه أرضا ليغرسها من عنده والشجر بينهما [6]

عرفها الحنابلة بأنها: دفع ارض وشجر غير مغروس لمن يغرسه ويعمل على جني ثمر بجزء مشاع معلوم منه أومن ثمره أو منهما [7]

التعريف القانوني: تطرق المشرع المغربي لتعريف عقد المغارسة ضمن مقتضيات المادة 265 من مدونة الحقوق العينية: المغارسة عقد يعطي بموجبه مالك أرضه لآخر ليغرس فيها على نفقته شجرا مقابل حصة معلومة من الأرض والشجر يستحقها الغارس عند بلوغ الشجر حد الإطعام. وبالتالي يكون المشرع المغربي قد ساير مقتضيات الفقه المالكي فيما يتعلق بتعريف عقد المغارسة                                                                                                       

وبالرجوع إلى المادة 265 من مدونة الحقوق العينية نصت على أنه لا يمكن أن يكون محل عقد المغارسة حقوقا مشاعة وبالتالي فالمشرع المغربي استثنى الحقوق المشاعة من أن تكون محلا للعقد المغارسة حماية للغارس من الشياع. وأيضا المادة 102 من مدونة الأوقاف التي نصت على: لا يجوز إعطاء أرض الوقف بالمغارسة وكان للمحكمة النقض قرار في هذا الامر تحت عدد 2707 المؤرخ في 25/07/2007 الملف المدني عدد 2006/1/1/3378 حبس الأراضي الخالية من البناء –كراء الأمد المتوسط –التزام المكتري بالغرس –عقد المغارسة لا –التزام الأحباس بتمليك المكتري ثلث الأرض المغروسة – بطلان نعم.        وكان للتشريع المقارن تعريفات مختلفة متأثرة إلى حد كبير بالمذهب السائد في ذلك البلد عرفها القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 في مادته 824 المغارسة عقد على إعطاء أحد أرضه إلى آخر ليغرس فيها أشجارا معلومة ويتعين ترتيبها مدة معلومة على أن تكون الاشجار والأرض او الاشجار وحدها مشتركة بينهما بنسبة معينة بعد انتهاء المدة.

مشروعية المغارسة

من القرآن:

          قال تعالى: }أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون{.[8]صدق الله العظيم

من السنة:

المغارسة مندوب إليها، مرغب فيها فقد روى الإمام مسلم من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: }ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة وما سرق منه له صدقة وما أكل منه السبع فهو له صدقة وما أكلت الطير فهو له صدقة{.[9]

من القياس: قول ابن رشد على إن مغارسة الرجل لرجل أرضه البيضاء على أن يغرسها أصولا بجزء منها جائزة جوزها أهل العلم قياسا على مالا جوزته السنة من المساقاة كما جوزوا قياسا عليها بناء الرحى الخربة بجزء منها فهي سنة على حيالها ليست بإجارة محضة ولا جعال محض، الانها اخدت بشبه منهما جميعا من حيت الزوم وثبوت الغرس [10]  

خصائص عقد المغارسة

على غرار باقي العقود يتميز عقد المغارسة بجملة من الخصائص منها ما يتقاطع مع باقي العقود الأخرى ومنها ما يشكل جوهر هدا العقد.

عقد المغارسة ملزم للجانبين من خلال التزام كل طرف في هده العلاقة التعاقدية بالقيام بالعمل المنوط به ويحق لكل طرف الامتناع عن القيام ما التزم به متى نكل الطرف الاخر أو تقاعس عن القيام بما هو ملتزم به، وقد قضي القضاء المغربي “بأن المغارسة عقد يتم برضاء الطرفين وهو عقد يشترط فيه ما يشترط في العقود الرضائية، والمحكمة لما اعتبرت عقد المغارسة قائم بين الطرفين، ولم تبرز في قرارها الأساس والقواعد القانونية والفقهية الواجبة التطبيق تكون جعلت قرارها ناقص التعليل، وغير مرتكز على أساس ومعرض للنقض [11]

عقد المغارسة من العقود الزمنية أي ان آثاره تتمادى في المستقبل، دلك أن المغارس لا تنتهي التزاماته بمجرد القيام بعملية الغرس بل يجب عليه أن ينتظر إلى تحقق الإثمار وهدا من الخصائص المقررة سواء في الفقه المالكي أو مدونة الحقوق العينية.

عقد المغارسة من العقود المعاوضة والعوض يختلف من عقد لأخر حسب محله وفي هدا العقد العوض هو الثمار ونصيب من الأرض، بالنسبة للمغارس الذي يغرس الغرس له نصيب من الأرض، وصاحب الأرض له نصيب من الثمار وإصلاح الملك والعناية به من قبل الغارس، بالنسبة إلى مالك الأرض.

عقد المغارسة لم تدرجه مدونة الحقوق العينية ضمن تصنيف الحقوق العينية بموجب المادة 272 وإنما قيدته أو ربطته بشرط تحقق الإطعام والإشهاد به في محرر رسمي، وعن طريق الإثبات بواسطة خبرة قضائية، مما يدل على طبيعة عقد المغارسة أنه يتميز بخاصية الازدواجية من حيت تصنيف العقد من العقود العادية أم العينية ودلك بتحقق الإثمار من عدمه.[12]

             المطلب الثاني: أركان وشروط عقد المغارسة:

يعتبر الركن ذلك العمود الذي يقوم عليه أي عقد وهو الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم أي الركن ما يدخل في ماهية الشيء.

والركن في ماهـية قد ولجا ****والـشـرط عـن الماهـية قد خرجـا

أجمع الفقهاء المالكية على ثلاثة أركان للعقد المغارسة وهي:

الصيغة: تكون إما باللفظ المغارسة أو ما يدل عليها عرفا.

العاقدان: وهما صاحب الأرض والمغارس وشرطهما الأهلية الدالة على الرضا، الذي يجب توفره في جميع عقود المعاوضات بأن يكون كل من العاقدين بالغا عاقلا غير محجور عليه وعقد السفيه والصغير المميز والمحجور عليه متوقف على وليه، فإن رأى مصلحة أمضاه وإلا رده

العمل والصحة: والعمل على ثلاث أنواع إجارة محضة مغارسة على وجه الجعل المغارسة بمعنى المشاركة وهي المغارسة المعهودة[13]

هذا في ما يتعلق بالأركان على المستوى الفقهي أما في ما يتعلق بالجانب القانوني يجب الرجوع إلى الشريعة العامة المادة الثانية من قانون الالتزامات والعقود والتي حصرت أركان العقد  في ركن الأهلية للالتزام  والتعبير الصحيح عن الإرادة ومحل لالتزام والسبب المشروع إضافة إلى ركن الشكلية في هذا العقد وهذه الأركان التي  بزوالها لا يمكننا الحديث عن عقد المغارسة، والتي رتب المشرع المغربي بموجب المادة 306 من ظهير الالتزامات والعقود جزاء البطلان في حالة نقص ركن من الأركان وبالتالي تكون المقتضيات القانونية والفقهية موحدة الأحكام  في ما يتعلق بأركان عقد المغارسة.

   شروط عقد المغارسة

الشرط هو ما يلزم من عدمه العدم، وهو عن الماهية قد خرجا وشروط المغارسة تعددت بين الأحكام الفقهية والتشريعية.

1_أن يكون الغرس مما يطول مكثه: من خلال هذا الشرط يتضح أن محل اعقد المغارسة يجب أن يكون شجرا مما يمكث طول السنين وبالرجوع إلى مقتضيات المادة 265 من مدونة الحقوق العينية نصت على أنه.. ليغرس فيها شجرا… وقول خليل في هذا الباب ندب الغرس وجازت المغارسة في الأصول أو ما يطول مكثه، لا تكون المغارسة إلا بغرس شجر له أصل يبقى في الأرض سنين كنخل ورمان وقطن، لا بما ليس له أصل يبقى كبقل وزرع[14]

2- بيان ما يغرس فيها من الأشجار: من خلال هذا الشرط أو جب المشرع والفقه على الغارس تحديد الشجر المراد غرسه وذلك ما نستشفه من خلال مقتضيات المادة 268 ويشترط أن يعين الشجر المراد غرسه وبالرجوع إلى مقتضيات الفقه المالكي بيان ما يغرس فيها من الأشجار نوعا لا عددا إدا غير معلوم عندهم وإلا فلا يلزمه بيانه. [15]

3- تحديد مدة الغرس: أن لا يضرب له أجل سنين كثيرة فإن ضرب له أجلا فاق حد الإطعام لا يجوز كذلك أن يقل عن حد الإطعام ونفس الأمر نصت عليه المادة 266 من مدونة الحقوق العينية لا يجوز اشتراط أجل يتجاوز أو يقل عن حد الإطعام تحت طائلة البطلان وقول خليل في حالة السكوت يحمل على حدا لإطعام.  

4- بيان حصة الغارس: ولعل الغاية من هذا الشرط هو التصدي للعقود الغرر من خلال   ما نصت عليه المادة 265 من مدونة الحقوق العينية. مقابل حصة معلومة من الأرض والشجر يستحقها الغارس عند بلوغ الشجر حد الإطعام. وكذلك المادة 268 ويببن حصة الغارس في الأرض وفي الشجر. وقول ابن عاصم في هذا الباب

والحد في خدمته ان يطعما**** ويـقع القـسـم بجزء عـلمـا

5- أن يكون القدر المشترط له في الأرض والشجر: ان تكون حصة الغارس مقابل عمله من الأرض والشجر وهذا ما يميز عقد المغارسة بين المالكية والشافعية ونصت المادة 268.. ويبين حصة الغارس في الأرض والشجر وإن كانت الأرض دون شجر أو العكس فهذا ليس بمغارسة عند مالك ولا حتى في إطار قانون .39.08

6- أن تحدد المدة التي ينجز فيها الغارس عمله، وإذا لم يتم تعين تاريخ الشروع في الغرس فإنه طبقا للمادة 269 من مدونة الحقوق العينية تعين على الغارس ان يقوم بالتزاماته الخاصة ذلك قبل انصرام سنة من تاريخ إبرام العقد، ويترتب عن عدم شروعه في هذا الأجل فسخ العقد بقوة القانون.

7- ضرورة تحرير عقد المغارسة في محرر رسمي: بموجب المادة 268 نصت على أنه يجب أن يبرم عقد المغارسة في محرر رسمي. وبذلك يكون المشرع حصر الأشخاص المخول لهم تحرير عقد المغارسة دون فسح المجال أما العقود العرفية أو العقود العرفية ثابتة التاريخ. والمشرع أوجب تحرير هذا العقد سواء عقد المغارسة أو عقد الإشهاد على تحقق الإطعام في محرر رسمي.

8-لا يجوز في عقد المغارسة أن يشترط على العامل عمل زائد خارج عن غرس الشجر والقيام به وفيما يتعلق بالشروط الأخرى جازها الفقه المالكي شريطة ألا تثقل كاهل الغارس خاصة أنه لازال لم يضمن حقه العيني وأنه في أي وقت مهدد بآفة تلحق ما غرس وبالتالي فإن الشروط المرهقة والمثقلة لا تجوز في عقد المغارسة كبنيان جدار حول الأرض أو حفر بئر وهنا قد ينتفع رب الأرض بهذا البنيان دون الغارس في حالة الهلاك الشجر قبل تحقق شرط الإطعام. وكان لنا قول ابن عاصم في هذا الباب:

وشـرط ما يـثـقـل كالجدار ****مـمتـنع والعكـس أمر جار

   المبحث الثاني: الآثار المترتبة على عقد المغارسة

يترتب على عقد المغارسة العديد من الآثار سواء قبل تحقق شرط الإطعام أو بعده وهذه الآثار قد تكون متعلقة بمحل المغارسة أو بأحد طرفيها، وكان لنا في الفقه المالكي مراجعا في غاية في الأهمية من أجل الإحاطة بكافة الآثار المترتبة على هذا العقد وسنحاول تحليلها من الجانب الفقهي والتشريعي.

           المطلب الأول: آثار عقد المغارسة في حالة هلاك الشجر

في حالة هلاك الشجر قبل بلوغ الشجر حد الإطعام: نصت المادة 271 من مدونة الحقوق العينية على أنه إذا هلك الشجر قبل بلوغ الشجر حد الإطعام فلا حق للغارس إلا في حدود ما اتفق عليه أو بما يقضي به العرف المحلي. وكان الفقهاء المالكية محل إجماع على أن المغروسات إذا خابت قبل انتهاء مدة العقد فليس للعامل شيء[16] لأن المغارسة من باب الجعل والعامل في الجعالة لا شيء له إلا بتمام عمله،[17] وكذلك قول ابن عاصم الغرناطي في باب المغارسة.

ولـيـس للعــامل مما عـمـلا***شيء إلا ما جعـله اجلا

ولا شيء للعامل في أرض أو شجر حتى يبلغ الغرس ما شرطاه وقول المتيطي والفشتالي وغيرهما على أنه إذا بطل الغرس بحرق ونحوه فمن حق العامل ان يعيده مرة أخرى وقول البرزلي يمكن لأن يعيده أبدا إلى أن يتم أو ييأس منه [18] وبالتالي سواء ثم القضاء استنادا إلى مقتضيات الفقه المالكي أو التشريع المغربي نجد أن الحكم واحد وهو في حالة الهلاك الشجر قبل بلوغه حد الإطعام لا يستحق الغارس شيء إلا في حدود الاتفاق المسبق أو العرف المحلي غير أن الفقه المالكي أجاز إعادة الغرس مرة أخرى.

 في حالة هلاك الشجر كله أو جله بعد بلوغ الشجر حد الإطعام: نصت المادة 271 على أنه إذا هلك جميع الشجر أو جله بسبب قوة قاهرة أو حادث فجائي بعد بلوغه حد الإطعام اعتبر أن الغارس وفى بالتزاماته واستحق الحصة المتفق عليها في الأرض. والمشرع المغربي من خلال مقتضيات هذه المادة ساوى بين الهلاك الكلي أو البعض فقط سواء كان سبب قوة قاهرة أو حادث فجائي والقوة القاهرة حسب ماورد في الفصل 269من قانون الالتزامات والعقود هيكل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه. كالظواهر الطبيعية والفيضانات الجفاف وغيرها ويكون من شانها ان تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا وبالتالي فالمشرع في هذه الحالة اعتبر الغارس وفى بالتزاماته ويستحق حصته في الأرض إذا كان فعلا الشجر بلغ حد الإطعام ونفس النهج كان سباقا له من طرف الفقه المالكي في قوله فلو احترق الغرس أو طرأت عليه آفة قبل القسم فإن الأرض تكون بينهما لأن العامل قد استحق نصيبه منها بتمام الغرس[19] وقول ابن سلمون إذا بلغ الحد المشترط وجب للعامل حظه. فإن بقيا لم يقتسماه واحترق الغرس أو طرأت عليه آفة فإن الأرض بينهما.[20]

من خلال ما سبق يمكن القول إن الفقه المالكي والتشريع المغربي أقر نفس الأحكام المتعلقة بحالتي هلاك الشجر كله أو جله قبل تحقق شرط الإطعام او بعده غير أن الفقه المالكي كانت له أحكام جامعت للحالة الهلاك من خلال إقرار إمكانية إعادة الغرس مرة أخرى إلا أن ييأس.

          المطلب الثاني: آثار عقد المغارسة في حالة وفاة الغارس قبل تحقق شرط الإطعام أو بعده

-لم يتطرق المشرع المغربي للحالة العجز أو الوفاة بالنسبة للغارس قبل بلوغ الشجر حد الإطعام ،بالنسبة للوفاة الغارس قبل بلوغ الشجر حد الإطعام  خاصة وأنه في هذه المرحلة لازال الغارس لم يكسب حقه العيني الذي قد ينتقل إلى ورثته و المقترن ببلوغ الشجر حد الإطعام وضرورة الإشهاد به في محرر رسمي ومدام الشرع لم يتطرق إلى هذه الحالة فكان لازما الرجوع إلى مقتضيات المادة الأولى  من مدونة الحقوق العينية تطبق مقتضيات  الظهير الشريف بمثابة الالتزامات والعقود  في مالم يرد به نص في هذا القانون، فإن لم يوجد نص  يرجع إلى الراجح والمشهور وماجري به العمل  من الفقه المالكي.

تعتبر الوفاة أو الهلاك واقعة قانونية ولكل إنسان أجل مسمى حيت إن وفاة الغارس قبل تحقق الإطعام ثير العديد من المنازعات في إطار غياب نص قانوني واضح يؤطر هذه المسألة وبالرجوع إلى أحكام الفقه المالكي أقرو على أنه في حالة وفاة الغارس قبل بلوغ الشجر حد الإطعام أجاز الفقه الملك للورثة  الهالك أن يقوموا مقامه في العناية بذلك الغرس إلى غاية بلوغه حد الإطعام واكتسابهم الحق العيني حيث جاء في توضيح الأحكام على تحفة الحكام للعلامة التحرير والدراكة الشهير عثمان المكي التوزري الزبيدي في الجزء الثالث من الطبعة الأولى بأنه إذا مات عن ورثة فلهم أن يقوموا مقامه إلى تمام العمل [21] وكذلك نفس المقتضى جاء به ميارة الفاسي  بأنه لو مات عن ورثة كانوا أحق بعمله أو يتركه ونقل عن ابن رشد أن ذلك جائز ولا كلام لرب الأرض في ذلك إن أدخل في المغارسة غيره على شيء يأخذ منه [22] غير أنهم لا يجبرون على ذلك إن لم يكونوا يحسنون الزراعة أو غير قادرين عليها، هذا في الحالة العادية، مالم تكن طبيعة الالتزام أوالفانون أو الاتفاق تمنع الورثة من إتمام ذلك العمل الذي قام به مورثهم هنا يستحقوا تعويضا يتلاءم و ما قام به مورثهم في حياته كما في نص الفصل 229من قانون الالتزامات و العقود على أن الالتزامات تنتج أثرها ليس بين المتعاقدين فحسب ولكن أيضا بين ورثتهما وخلفائهما مالم يكن العكس مصرحا به أو ناتجا عن طبيعة الالتزام أوعن القانون ومع ذلك فالورثة لا يلتزمون إلا في حدود أموال التركة وبنسبة مناب كل واحد منهم وإذا رفض الورثة التركة لم يجبر وعلى قبولها ولا على تحمل ديونها وفي هذه الحالة ليس للدائنين إلا أن يباشروا ضد التركة حقوقهم. بالمقابل المادة 329  من مدونة الأسرة منعت التنازل عن تركة للغير لكن في حالة كون أحد ورثة الغارس قاصر أو فاقدا للأهلية يجب الرجوع إلى أحكام مدونة الأسرة والقواعد العامة ومقتضيات الفقه المالكي مالم يرد به نص، استنادا إلى المادة 400 من مدونة الأسرة والمادة 1 من مدونة الحقوق العينية.

وكان التشريع العراقي نظم هدا المقتضى بموجب المادة 831 من القانون المدني العراقي على أنه لا ينفسخ عقد المغارسة بموت أحد الطرفين بل يقوم ورثة كل منهما مقامه غير أنه إذا كان ورثة المغارس غير قادرين على الاستمرار في المغارسة كان لرب الأرض حق الفسخ على أن يعوض الورثة عما يصيب مورثهم من قيمة الأشجار قائمة مع التعويضات الأخرى إن كان لها وجه.

-حالة وفاة الغارس بعد بلوع الشجر حد الإطعام وأشهد به الطرفان ما ينبغي الإشارة إليه أن عقد المغارسة بمجرد تحقق الإطعام وأشهد به الطرفان إما في محرر رسمي أو ثبت بخبرة قضائية مصادق عليها من طرف المحكمة يرتب حقا عينيا وذلك ما نصت عليه المادة 272 من مدونة الحقوق العينية وهذه الحقوق العينية إما أصلية أو تبعية وأن هذا الحقوق العينية تنتقل إما عن طريق الوقائع القانونية أو التصرفات القانونية. وإذا تعلق الأمر بعقار محفظ يجب تسجليه في الرسم العقاري بالمحافظة العقارية مالم يسبق له تقيد حقه تقيدا احتياطيا هنا يجب تقيده تقيدا نهائيا أما إذا كان موضوع المغارسة عقار غير محفظ وجب تسجليه بالسجل الممسوك لدى كتابة ضبط موقع العقار موضوع المغارسة.

فسخ العقد بسبب العذر

إذا عجز المغارس عن إتمام العمل لسبب من الأسباب كالمرض أو ضعف قدرته المادية أو اراد سفرا، او تطوع للجهاد أو أي مانع منعه من إتمام العمل فله أن يأتي بعامل بدله يكمل العمل نيابة عنه على أن تكون حصة العامل الجديد لا تزيد عن أصل حصته المتفق عليها أو أقل منها ليستفيد هو مما عمل سابقا، فإن لم يستطع ذلك أتى صاحب الأرض مكانه من يتم عمله بأجرة استأجره عليها، أو يعمل ذلك بنفسه  وعلى العامل الأول تحمل تلك الأجرة   إذا كانت معقولة ومما يتعارف عليها الناس وليس فيها إسراف [23]وإذا ترك العامل القيام بالشجر دون أن يسلم الأرض، فتولى رب الأرض العمل، أو أتى بمن يعمل ،ثم رجع العامل الأول، فهو أحق بالإتمام  ويعطي من قام عنه بعمل تكلفة وأجرة ما عمل [24] .

أغفل المشرع المغربي تنظيم بيع الحقوق أو تنازل عليها قبل انتهاء العقد وكانت مناط اختلاف بين الفقهاء المالكية حول جواز قيام المغارس ببيع حقوقه أو التنازل عنها لغيره قبل انتهاء العقد، فمنعها ابن الحاج من المالكية معللاً ذلك أن المغارسة من باب الجعل الذي لا يصح للجاعل شيء إلا بتمام العمل لا يجب له نصيب إلا أن يبلغ الشباب المتفق عليه [25]. وقاسها آخرون على المساقاة فجوزوها، فقد سئل ابن رشد عمن يغرس الأرض بجزء معلوم فلقح غرسه ويقوم عليه العام والعامين ثم يعجز فيريد أن يبيعها من رب الأرض أو يعطيها له أو لغيره يجزيها الذي أخذها به يقوم عليها إلى تمام العمل هل يجوز أم لا؟ وكيف لو منعه رب الأرض من ذلك؟ فأجاب: ذلك كله جائز ولا مقال لرب الأرض في إدخال غيره في المغارسة عنه بشيء يأخذه منه[26]وإليه دهب آخرون من فقهاء المالكية المتأخرين[27] في نفس المقتضى نصت المادة 829 من القانون المدني العراقي على أنه يجوز للمغارس أن يتنازل عن حقوقه لآخر بعوض أو بدونه قبل انقضاء المدة بإذن من رب الأرض فإذا لم يأذن رب الأرض كان عليه أن يقبل تلك الحقوق بثمن مثلها ذا طلب المغارس ذلك.

وأجاز الحنابلة لصاحب الأرض أن يبيع نصيبه من الغرس ولو لم تتم المدة لأن البيع المشاع صحيح والمشتري يقوم مقامه في إتمام الشروط المنصوص عليها في العقد.[28]

خلاصة:

المغارسة عقد مستقل عن المزارعة والمساقاة بالرغم من التداخل التقاطع في العديد من الأحكام.

عقد المغارسة نظمه المشرع المغربي بأحكام قانونية ضمن مدونة الحقوق العينية وألبسه لباس الفقه المالكي.

المشرع المغربي لم يقتصر في تنظيمه لهذا العقد ضمن مدونة الحقوق العينية فقط وإنما فسح المجال أمام الأحكام العامة للقانون المدني وكذلك الفقهي المالكي في مالم يرد به نص.

المذاهب الفقهية باستثناء المالكية، وإن قالت بجواز مآل المغارسة شركة في الشجر والثمر فقط ولم تجز أن يكون مآلها شركة في الأرض والشجر. لكن واقع الحال أنهم جميعا في ماعدا الشافعية قد وافقوا عمليا على المآل الذي دهب إليه المالكية. شركة في الأرض والشجر إما بفتوى بعض علمائهم أو بإيجاد الحيل الشرعية المؤدية إلى ذلك.

                                                                          انتهى بحول الله.

                             لائـــــــــــــــــــــــــــحـــــــــــة المـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــراجــــــــــــــــــــــــــــــع:

  • الغرياني، الصادق عبد الرحمن مدونة الفقه المالكي وأدلته، مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع بيروت 2002
  • ابن منظور، محمد بن مكرم لسان العرب، دار صادر بيروت 1955
  • ابن فارس، مقايس اللغة، دار الفكر1979 
  • ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد القرطبي، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار الفكر بيروت،1995
  • الرصاع، أبو عبد الله بن قاسم الأنصاري الهداية الكافية الشافية لبيان الحقائق الإمام ابن عرفة الوافية، تحقيق محمد أبو الأجفان، طاهر العموري، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1993
  • الشربيني، محم بن أحمد الخطيب مغنى المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المناهج دار الفكر بيروت بدون تاريخ
  • البهوتي، كشاف القناع عن متن الإقناع، دار الكتب العلمية بيروت.
  • ابن رشد، أبو الولد محمد بن احمد القرطبي، البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل في المسائل المستخرجة، تحقق احمد الحبلبي، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1985
  • عثمان بن المكي التوزري الزبيدي، توضيح الاحكام على تحفة الحكام، الجزء الثالث الطبعة الأولى تونس 1339
  • محمد بن أحمد بن محمد، شرح ميارة الفاسي على تحفة الحكام في نكت العقود والاحكام لابن عاصم الأندلسي، دار الكتب العلمية بيروت 2000
  • الونشريسي، احمد بن يحي، المعيار المغرب والجامع المقرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب تحقيق محمد حجي، دار الغرب الإسلامي بيروت، 1981
  • التسولي، علي بن عبد السلام، البهجة في شرح التحفة، المطبعة البهية مصر1314هـ
  • ابن سلمون بن سلمون بن عبد الله الغرناطي، العقد المنظم للحكام فيما يجري بين أيديهم من العقود والأحكام، القاهرة 1301هـ
  • فتاوى البرزلي، جامع مسائل الأحكام لما نزل من القضايا بالمفتين والحكام، تحقيق محمد الحبيب الهيلة، دار الغرب الإسلامي بيروت 2002
  • العاصمي عبد الرحمان بن قاسم النجدي، الدرر السنية في الأجوبة النجدية      الطبعة الخامسة، بيروت 1998
  • العربي مياد، الحقوق العينية الأصلية والتبعية، دار الطباعة والنشر، الرباط 2021.

[1]الغرياني مدونة الفقه المالكي وأدلته الجزء الثالث مطبعة الريان الصفحة 597

[2] ابن منظور لسان العرب مادة الغرس الجزء السادس الصفحة 154

[3] ابن فارس مقاييس اللغة الجزء الرابع الصفحة 417

[4] ابن رشد بداية المجتهد ونهاية المقتصد الجزء الرابع الصفحة 20

[5] الرصاع شرح حدود ابن عرفة الموسم الهداية الكافية الشافية لبيان حقائق الإمام ابن عرفة القسم الأول. مطبعة دار الغرب الإسلامي. الصفحة 517

[6] الشربيني. محمد بن احمد الخطيب. مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المناهج دار الفكر بيروت الجزء الثاني الصفحة 324

[7] البهوتين، الروض المريع شرح زاد المستنقع الجزء الثاني الصفحة 227

[8] سورة الواقعة الآية 64/62

[9] صحيح مسلم المساقات باب فصل الغرس والزرع رقم 1553، رواه مسلم عن جابر

[10] ابن رشد الجد البيان والتحصيل الجزء الخامس عشر الصفحة 404

[11] قرار المجلس “الأعلى محكمة النقض «عدد 166 بتاريخ 18 يناير 2006 في الملف المدني عدد 2519//1/3/2004 منشور من طرف عثمان الشعباني: أحكام عقد المغارسة في ضوء مدونة الحقوق العينية ط2018 عن مطبعة د\ار السلام للطباعة والنشر والتوزيع الرباط

[12] العربي مياد، الحقوق العينية الأصلية والتبعية طبعة 2021 الصفحة 193

[13] الغرياني مرجع سابق الصفحة 598

 [14] الغرياني مرجع سابق ص 599

[15] عثمان بالمكي التوزري الزبيدي توضيح الأحكام على تحفة الحكام الجزء الثالث الطبعة الأولى مطبعة تونسية ص 178

[16] ميارة الفاسي. شرح الإتقان والإحكام للتحفة الحكام الجزء الثاني الصفحة 195

[17] الونشريسي. أحمد بن يحي المعيار المغرب والجامع المقرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب تحقيق محمد حجي دار الغرب الإسلامي بيروت 1971م الجزء الخامس الصفحة 98

[18] التسولي. البهجة في شرح التحفة الجزء الثاني الصفحة 326

 

[20] ابن سلمون سلمون بن علي بن عبد الله الغرناطي العقد المنظم للحكام فيما يجري بين أيديهم من العقود والأحكام القاهرة 1301 ه الجزء الثاني الصفحة 24

[21] عثمان المكي التوزري الزبيدي مرجع سابق الصفحة 178

[22] ميارة الفاسي الإتقان والإحكام في شرح تحفة الحكام الجزء الثاني الصفحة 118

[23] ابن رشد البيان والتحصيل الجزء 15 الصفحة 415

[24] الغرياني مرجع سابق ص598

[25] مبارة الفاسي مرجع سابق الصفحة 117

[26] البرزلي أبو قاسم بن أحمد بلوى. فتاوى البرزلي. جامع مسائل الأحكام لما نزل من القضايا بالمفتين والحكام تحقيق. محمد الحبيب هيلة. دار الغرب الإسلامي بيروت 2002 الجزء الثالث الصفحة 384

[27] الونشريسي مرجع سابق الصفحة 202

[28] العاصمي عبد الرحمان بن محمد النجدي. الدرر السنية في الأجوبة النجدية. الطبعة الخامسة بيروت.1994 الجزء 2 الصفحة 313

ظهرت المقالة المغارسة بين مقتضيات الفقه المالكي والتشريع المغربي أولاً على aljami3a.com.

]]>
https://www.aljami3a.com/1545/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba%d8%a7%d8%b1%d8%b3%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d9%85%d9%82%d8%aa%d8%b6%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%81%d9%82%d9%87-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%8a-%d9%88%d8%a7/feed/ 0
التقاضي بسوء النية في ميزان أنظمة الذكاء الاصطناعي https://www.aljami3a.com/1535/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%82%d8%a7%d8%b6%d9%8a-%d8%a8%d8%b3%d9%88%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%8a%d8%b2%d8%a7%d9%86-%d8%a3%d9%86%d8%b8%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%83/ https://www.aljami3a.com/1535/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%82%d8%a7%d8%b6%d9%8a-%d8%a8%d8%b3%d9%88%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%8a%d8%b2%d8%a7%d9%86-%d8%a3%d9%86%d8%b8%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%83/#respond Sun, 26 Nov 2023 20:55:11 +0000 https://www.aljami3a.com/?p=1535 التقاضي بسوء النية في ميزان أنظمة الذكاء الاصطناعي لقد تخطت البشرية عصر المجتمع الزراعي بعد حلول القرن التاسع عشر، إلى أن حلت الثورة الصناعية الكبرى في العديد من دول العالم، الأمر الذي أذى إلى إدخال التحسينات في كافة مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والكثير من المتغيرات بفضل هذه الثورة التي ساهمت تباعا في صناعة التكنولوجيا والتي قادتها الآلات الالكترونية وحررت بها العبيد، إلى أن أصبحت هذه التحسينات سمة ذلك العصر[1]. و في عام 1950 قد اقترح آلان تورينج تعريفا لتحديد ما إذا كانت البرامج ذكية أم لا، و في نظريته يمكن قياس السلوك الذكي للبرنامج مثل الكفاءة الفكرية البشرية بحيث يكون البرنامج ذكيا عندما لا يعرف الإنسان ما إذا كان يتحدث مع البرنامج أو مع إنسان آخر، و منذ ذلك الوقت بدأت الأفكار تتوالى حول إنشاء أنظمة ذكية مما يجعلها من أهم التقنيات المستخدمة في الوقت الحاضر، حيث شهدت السنوات الأخيرة تطورا سريعا لاستخدام الذكاء الاصطناعي مثل تقنية التعلم العميق و تحليل البيانات و المحادثات الذكية و غيرها من الأنواع، فمع نشأة الذكاء الاصطناعي و تأثيره الملحوظ و المهم في الآونة الأخيرة من حياتنا بشتى أنواعه و مجالاته و الذي يعنى بدراسة كيفية تصميم و تطوير الأنظمة و البرامج و الأجهزة القادرة على القيام بالمهام التي تتطلب الذكاء أو التفكير البشري و الذي من خلالها يمكن القول بأنها تساهم في القدرة على تحسين الأداء و الجودة و تقليل الأخطاء البشرية و توفير الوقت و الجهد[2]. و لم يكن مجال العدالة بدوره بعيدا عن التأثر بأنظمة و تقنيات الذكاء الاصطناعي سواء فيما يتعلق بالتقاضي أو بالوسائل البديلة لفض المنازعات[3]، حيث تخطت التكنولوجيا الجديدة إلى القضاء من...

ظهرت المقالة التقاضي بسوء النية في ميزان أنظمة الذكاء الاصطناعي أولاً على aljami3a.com.

]]>
التقاضي بسوء النية في ميزان أنظمة الذكاء الاصطناعي

لقد تخطت البشرية عصر المجتمع الزراعي بعد حلول القرن التاسع عشر، إلى أن حلت الثورة الصناعية الكبرى في العديد من دول العالم، الأمر الذي أذى إلى إدخال التحسينات في كافة مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والكثير من المتغيرات بفضل هذه الثورة التي ساهمت تباعا في صناعة التكنولوجيا والتي قادتها الآلات الالكترونية وحررت بها العبيد، إلى أن أصبحت هذه التحسينات سمة ذلك العصر[1].

و في عام 1950 قد اقترح آلان تورينج تعريفا لتحديد ما إذا كانت البرامج ذكية أم لا، و في نظريته يمكن قياس السلوك الذكي للبرنامج مثل الكفاءة الفكرية البشرية بحيث يكون البرنامج ذكيا عندما لا يعرف الإنسان ما إذا كان يتحدث مع البرنامج أو مع إنسان آخر، و منذ ذلك الوقت بدأت الأفكار تتوالى حول إنشاء أنظمة ذكية مما يجعلها من أهم التقنيات المستخدمة في الوقت الحاضر، حيث شهدت السنوات الأخيرة تطورا سريعا لاستخدام الذكاء الاصطناعي مثل تقنية التعلم العميق و تحليل البيانات و المحادثات الذكية و غيرها من الأنواع، فمع نشأة الذكاء الاصطناعي و تأثيره الملحوظ و المهم في الآونة الأخيرة من حياتنا بشتى أنواعه و مجالاته و الذي يعنى بدراسة كيفية تصميم و تطوير الأنظمة و البرامج و الأجهزة القادرة على القيام بالمهام التي تتطلب الذكاء أو التفكير البشري و الذي من خلالها يمكن القول بأنها تساهم في القدرة على تحسين الأداء و الجودة و تقليل الأخطاء البشرية و توفير الوقت و الجهد[2].

و لم يكن مجال العدالة بدوره بعيدا عن التأثر بأنظمة و تقنيات الذكاء الاصطناعي سواء فيما يتعلق بالتقاضي أو بالوسائل البديلة لفض المنازعات[3]، حيث تخطت التكنولوجيا الجديدة إلى القضاء من خلال تأسيس نظم متعددة في التقاضي الالكتروني بهدف تحقيق العدالة الناجزة في المحاكم بدول العالم المتحضر، ففي السنوات الأخيرة كان هناك اهتمام متزايد بالتطور التكنولوجي للذكاء الاصطناعي و تطبيقه المحتمل و الفعال لتطوير الأدوات التي تدعم عمل المتخصصين في مجال العدالة، و يتضمن الذكاء الاصطناعي جميع أنواع التقنيات التي تتميز بآلة تحاكي الوظائف “المعرفية” المرتبطة بالعقل البشري، مثل “التعلم” و “حل المشكلات” و “معالجة اللغة الطبيعية” و ما إلى ذلك، إلا أن العواقب المحتملة لاستخدام الذكاء الاصطناعي تمثل مصدر قلق كبير، و تحاول عدد من الجهات الفاعلة المختلفة تطوير أطر معيارية من أجل ضبط استخدامه، ووضع مبادئ توجيهية بهف حماية الحقوق و القيم الأساسية من الأضرار التي قد تسببها تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بالنظر إلى التشابكات العميقة بين التكنولوجيا في العدالة و الأنظمة المعيارية.

ففي ضوء حالة الاجتياح غير المسبوق للثورة الرقمية بمكوناتها الثلاث: الانترنيت – الأشياء و البيانات الضخمة Big Data، إضافة إلى الذكاء الاصطناعي، مختلف العلوم الإنسانية بما فيها القانونية كما سبق الذكر، يكثر الحديث في الأوساط الفقهية عن أثر هذه الثورة على القانون، لا سيما قدرتها القانونية على مساعدة المؤسسة القضائية إلى الوصول لعدالة قانونية أكثر موثوقية، فيما يعرف اليوم بالعدالة التنبؤية، معيدة بذلك التذكير بالترابط القائم بين القانون و الرياضيات، و بأن العدالة كما لها جانبها الإنساني فإن لها جانبها الرياضي الإحصائي، و كلاهما يجتمعان في عنصر مفصلي واحد هو “التنبؤ”، معتبرين أن الوصول إلى العدالة لا يخرج في جوهره عن استخدام مجموعة من المهارات و الخبرات القانونية في تحليل و فهم النص القانوني و الظروف المحيطة به وفق مفهوم التحليلات القانونية، ضمن نبوءة قانونية تشعر القاضي أن ما ينطق به هو العدل، ذلك أن السؤال يبقى واحدا سواء أكان في العدالة التقليدية أو نظيرتها التنبؤية و هو بماذا تحكم؟ وكيف تحكم؟[4].

وتعرف العدالة التنبؤية بأنها ” استخدام الخوارزميات للتنبؤ بنتيجة الإجراء القانوني وهو ما يسمى بوعد العدالة التنبؤية. وتعرف كذلك بأنها :” مجموعة من الأدوات التي تم تطويرها بفضل تحليل الكتل الضخمة من بيانات العدالة التي تقترح على وجه الخصوص من حساب Dalloz  للتنبؤ مسبقا بنتيجة النزاع[5].

ويهدف علم الذكاء الاصطناعي إلى فهم طبيعة الذكاء الإنساني عن طريق عمل برامج للحاسب الآلي قادرة على محاكاة السلوك الإنساني المتسم بالذكاء، وتعني قدرة البرمجة على حل مسألة ما أو اتخاذ قرار في موقف ما بناء على وصف لهذا الموقف، أو أن البرنامج نفسه يجد الطريقة التي يجب أن تتبع لحل المسألة أو للتوصل إلى القرار بالرجوع إلى العديد من العمليات الاستدلالية المتنوعة التي غدي بها البرنامج[6].

و بهذا فقد بات معلوما تأثير خوارزميات الذكاء الاصطناعي على مجال العدالة، و لكفاءتها و نجاعتها ، فقد أصبحت تلك الخوارزميات تصدر القرارات و تنفذ الإجراءات نيابة عن الأفراد في مجال التقاضي، و على الرغم من هذه المكاسب، فهناك مخاوف بشأن المكننة السريعة لقطاع العدالة عامة و القضاء خاصة .

و باعتبار حق التقاضي أحد أهم الحقوق و الحريات المكفولة دستوريا، و الدفاع أمام القضاء مصون بالقانون، كما نص عليه القانون العالمي لحقوق الانسان و مسوغ ذلك أن هذا الحق حق أصيل و يستحيل دونه أن يؤمن الأفراد على حرياتهم، أو يردوا على ما يقع عليها من اعتداء. و التقاضي الأصل فيه استعماله بحسن نية و طرح الخصوم وقائعهم حقيقة بعيدا عن الكذب وتحريف الوقائع و الأحداث، فالتقاضي كآلية لحل النزاع أو الوصول إلى الحق أو حمايته، لم يكن ليستقيم لولا شحنه بمفهوم أخلاقي يتجاوز المعيار القانوني الصرف المتجرد و القائم على شكليات مضبوطة و آليات مسطرية تؤطره و تؤطر الذي يدور في هذا المدار ، فبغض النظر عن النظريات الفقهية التأصيلية و التفصيلية له، فهو مبدأ أخلاقي بامتياز يتمثل أساس في ذلك الشعور الأخلاقي الذي يحمله كل فرد في وجدانه كيفما كان مستواه التعليمي أو المعرفي وعلى ضوءه يتعين على كل متقاضي ممارسة حقه ولو كان صاحب حق، فهذا لا يشفع له في استعمال أساليب و طرق تقوم على سوء النية و لو كان من شأنها صيانة حقوقه و مصالحه، بمعنى أنه لا مجال للقول بكون الغاية تبرر الوسيلة، فإن لم تكن هذه الأخيرة مشروعة و أخلاقية، فلا يمكن الحديث عن الغاية و لو كانت مشروعة فما بالك لو كانت غير ذلك[7].و نظرا للمزايا التي يقدمها الذكاء الاصطناعي في مجال العدالة فيمكن التساؤل عن مدى إمكانية هذه الأنظمة توقع طبيعة سلوكيات و استراتيجيات الخصوم أثناء عملية التقاضي و ما إذا كانت ممارستهم لحقوقهم وواجباتهم الإجرائية تنم عن حسن نيتهم في اتخاذ الإجراء أو تعسفهم في استعمال حقوقهم الإجرائية؟

إن مقاربتنا لهذا الموضوع ستنطلق من خلال تسليط الضوء على البعد التقني لتحديد مفهوم سوء النية في التقاضي وأثر هذه الممارسة التقنية على عملية التقاضي.

أثر الذكاء الاصطناعي على تحديد مفهوم سوء النية في التقاضي:

يقصد بمفهوم سوء النية في التقاضي “عدم مراعاة الخصم للواجب القانوني والأخلاقي”، فكل شخص قصد الخروج عن أحكام الواجب القانوني إلا ويعد سيء النية.

وقد عرفه جانب من الفقه الإجرائي بأنه عدم مراعاة الخصوم والقاضي واجبات الأمانة والنزاهة عند مباشرة الإجراءات في الخصومة المدنية من أجل صيانة حقوق ومصالح الأفراد والجماعات.

ويعرف أيضا بأنه كل فعل أو عمل لا يتفق مع المقومات الأخلاقية المتمثلة بالنزاهة والثقة والأمانة، عند مباشرة الإجراء القضائي حتى ولو لم يتضمنها نص تشريعي[8].

و يعد سوء النية الإجرائية من الأمور الخاصة بأصحابها و التي من الصعب تقديرها، إلا بالرجوع إلى ذات الشخص الذي باشر الإجراء القضائي، و لذلك لا يمكن وصف شخص أنه سيء النية إلا إذا رجعنا لنفسية الشخص و لذاته و البحث في طبيعته النفسية الخاصة، فهو عنصر نفسي داخلي يستدل عليه بطريقتين إما بسلوكه للإجراء لدافع الغش أو التحايل أو بالقرائن و الدلائل التي تحيط بالعمل الإجرائي الذي قام به الشخص، فهو مبدأ لا يتصور وجوده إلا في الشخص نفسه وفي ظروف معينة، وهو يعني أن الاعتداد بقانونية أحد الخصوم وهو حسن النية يكون مقبولا بالنسبة لشخص معين وقد لا يكون بالنسبة لشخص آخر له دور في نفس الواقعة محل الخلاف، وذلك لأن تقدير سوء النية يجب ألا يغفل المعطيات الشخصية للغير، فهناك عناصر معينة تؤثر على هذا المفهوم من شخص لآخر، وهذا يعني أنه مبدأ نسبي يتغير من شخص لآخر وليس له معيار مطلق، يمكن تطبيقه على كل الأشخاص.[9]

ذلك وإن كان القاضي يحكم وفق القانون، إلا أنه في إطار سلطته التقديرية ينظر إلى ما وراء القانون، في إطار ما يمكن تسميته بروح القانون والأخلاقيات التي بني عليها القانون، ما يتيح له قراءة حسية للنص القانوني والأدلة الواردة في الدعوى القضائية لا يمكن تلمسها بالحس الخوارزمي، كونها تتلمس بالحس الإنساني الصرف، مما يجعل القول بأن الحكم القضائي حكم حسابي قائم على المعادلات والترجح واستنتاج في غير محله. فالتنبؤ كعلم قانوني لا ضير فيه بالمطلق، بل هو ظاهرة صحية و متبعة في فهم و تكوين فلسفة العدالة، طالما أنه التزام بالمعايير التي تراعي الخصوصية القانونية و الفلسفية في هذا القانون، غير أن هذا العلم التنبؤي يجب أن يراعي خصوصية العينة البحثية التي هي موضوع التنبؤ لصحته و موثوقيته، و هنا الإشكالية في التنبؤ الرقمي، فالقانون في أصله علم إنساني تأويلي تفسيري، ما يطرح إشكاليتين رئيسيتين على صدقية العدالة التنبؤية، الأولى تتعلق بفهم اللغة بشكل عام، و الثانية تتعلق بفهم اللغة القانونية بشكل خاص، ذلك أن فهم اللغة الصحيح ببعديه العام و الخاص أمر في غاية الأهمية لصحة التنبؤ القانوني و الخلاصة التي يفضي إليها، ففهم اللغة يرتبط بطبيعة الفهم الممكن منحه للذكاء الاصطناعي، الذي لا يتردد البعض في نفي صفة الذكاء عنه مستعيضا عنها بصفة ” الغباء الاصطناعي”، و ذلك نظرا لطبيعة الغموض الذي يكتنف مدخلاته و طريقة التعامل معها ، وصولا إلى مخرجاته التي تستند لرموز و شيفرات لا يعلمها المتلقي و لا يستطيع التأكد من صحتها و حياديتها، لا سيما في العلوم الإنسانية.

فإن كان الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يحاكي حدود الذكاء الطبيعي في العلوم العلمية المرتبطة بالمنطق الرياضي المنظم، فمن العسير عليه أن يحاكي الذكاء الطبيعي في العلوم المرتبطة بالمنطق الإنساني الفلسفي، الذي يلعب فيها الدور التأويلي المصطلحي دوراً بارزاً، كما في القانون. فالذكاء الاصطناعي ليس علماً واحدا متجانسا، بل هو نتاج علمي لجملة من العلوم والتقانات كالرياضيات والإحصاء وعلوم الكمبيوتر وغيرها. الأمر الذي يشكل تحدياً كبيراً لجهة التأكد من صحة القراءات الخوارزمية لهذه اللغة.

ومن المعلوم أنه كلما كانت قواعد البيانات الضخمة مرتبطة فيما بينهما بمؤشرات معيارية موضوعية تأويلية، فالنتائج ستكون حتماً غير موثوقة وستتزايد الانحرافات اللوغارتماتية كلما كبرت العينة والقواعد هنا تغدو القاعدة الخوارزمية التي تقول إنه كلما زاد حجم العينة الإحصائية كلما قلت نسبة الانحرافات في النتائج وزادت الموثوقية في النتائج النهائية غير صحيحة بالمطلق في العلوم الإنسانية عموماً والقانونية خصوصاً. بمعنى إنها إن كانت صحيحة في العلوم الرياضية والهندسية وملحقاتها، فإنه أقل موثوقية في العلوم الإنسانية والاجتماعية، سيما منها التي لا تعتمد على مدخلات مفاهيمية بسيطة، وإنما مركبة تأويلية، كما في موضوع سوء النية، ما يجعل كبر حجم العينة أو المدخلات أكثر طعناً في مصداقية النتائج المتحصلة، الأمر الذي يوجب العمل على زيادة الكفاءة المهنية في المدخلات، وفي المعادلات الخوارزمية العاملة عليه. هنا الخوف على العدالة من الروابط الخوارزمية المضللة التي تزداد احتماليتها كلما زادت وكبرت العينة ، فالقانون مليء بالكثير من المصطلحات المعيارية التأشيرية، التي لا يمكن أن تحدد بشكل رقمي لاسيما مفهوم حسن النية وسوئها، كل ذلك يجعل من عملية التعامل مع المدخلات الرقمية في هذا المجال أمراً في غاية التعقيد، وبالتالي يجب على هذه البرامج أن تجيد التعامل مع مختلف هذه الأوصاف، وإلا فإنها وفي إطار اعتقادنا أنها لا تمنحنا إجابة قانونية موثوقة تدعم من الأمان واليقين القانوني، إنما تمنحنا معلومات واستنتاجات قانونية مغلوطة تهمش هذا اليقين القانوني . وهنا أكثر ما يخشى أن يقوم الذكاء الاصطناعي، وفق برامجه اللوغارتماتية ببناء ارتباطات وهمية، وفق النبوءة الخاصة لهذه الخوارزميات التي تتحقق وفق المدخلات المتواجدة فيها، والتي ستكون هي عنوان الحقيقة الرقمية، رغم مخالفتها لعنوان الحقيقة الفعلية أو عدم تطابقها معها، ما يجعل الموثوقية بهده النتائج موضع نظر كبير، ما يضع على الدولة والأجهزة العاملة مسؤولية كبرى في تدقيق هذه المدخلات والخوارزميات الناجمة عنها قبل اعتمادها ونشرها للجمهور. كما يجب أن تكون عرضة للمراجعة والتدقيق المستمر لاسيما في عصر القرصنة الرقمية وعمليات التلاعب بالبيئة الرقيمة، لاسيما بالنسبة لحالات العدالة التنبؤية الذاتية أو ذات الطبيعة الرقمية الخالصة، ما يجعل التدخل البشري والمراجعة الدورية ضرورة حتمية لا مناص منها[10].

أثر الذكاء الاصطناعي على ممارسة التقاضي:

لا يمكن أن ننكر ما للذكاء الاصطناعي من أهمية في مجال التقاضي، ذلك أن هذه التقنية تعمل على تخمين فرص نجاح المتقاضي وحساب مبالغ التعويض وتحديد الأحكام السابقة التي تتوافق على أفضل وجه مع الدعوى المعروضة على القاضي وتحديد الحجج القانونية الأكثر فعالية لهذه الدعوى أو أي نزاعات أخرى، كذلك تقييم فرص الحصول على طلب محدد وتقييم متوسط مدة الإجراء القضائي والحد من مخاطر أي إجراء قضائي من الممكن القيام به وغيرها من المعلومات التي تفيد المتقاضي.[11]

لكن إذا كانت هذه التقنية تحدد مسبقا نتيجة الدعوى بناء على السوابق القضائية، فهل يمكن اعتبار المتقاضي سيء النية إذا ما استعمل حقه في التقاضي بالرغم من معرفته فشل قضيته مسبقا؟

مبدئيا يعتبر حق التقاضي حرية، أي أن الشخص يكون حرا في أن يستعمل هذا الحق في الوقت المناسب له، و بالنسبة لمن يشاء من الأشخاص على قدم المساواة، و حق التقاضي حق عام، فالشخص له أن يستعمل جميع الوسائل و الأشكال القانونية المقررة له في استخدامه سواء عن طريق الدعوى أو غيرها، و حرية اللجوء إلى القضاء تتعلق بالنظام العام مما يلقي على القاضي أن يتمسك بها من تلقاء نفسه[12].

يمكن القول أنه في الوقت الحالي لازالت تقنية الذكاء الاصطناعي في مجال العدالة متشبتة بحق اللجوء إلى القضاء بالرغم من احتمالية فشل القضية بشكل كبير، إلا أنه لا يمكن أن نكون متيقنين أن هذه التقنية في المستقبل لن تضع لنا مفهوما جديدا لسوء النية في التقاضي يرتكز على معيار فشل القضية ، أي أنه كلما كانت نسبة فشل القضية كبير كلما كان الشخص سيء النية في لجوءه إلى القضاء.

خاتمة:

إذا كانت العدالة الخوارزمية ستعطينا حلولا استشرافية فإنها لن تلغي نظام السوابق القضائية، كذلك فإن الأحكام القضائية مهما بلغت شدة ترجيحها و تعليلها، فإنها إن لم تصبح موضع توافق اجتهادي موضوعي و إقرار اجتهادي قضائي من قبل محكمة النقض فقد لا يكون لها القدرة على البقاء، عليه لا يمكن للعدالة التنبؤية أن تقولب الاجتهاد القضائي، فالأصل في الاجتهاد القضائي الابتكار و القدرة على تكيف التشريع لمجاراة مختلف المتغيرات الاجتماعية و الاقتصادية في المجتمع، فالقاضي ليس نسخة مستنسخة عن زملائه ليعيد تكرار الأحكام السابقة التي اتخذت من قبل زملائه، بل هو ليس تكرارا لذاته في تجربته و عمره المهني حيث يمكنه هو في ضوء سلطته التقديرية و حيثيات الدعوى أمامه أن يصدر حكما مختلفا عما ذهب وحكم به في قضية مشابها و سبق و حكم بها[13]، و هذا ما ينطبق على تحديد مفهوم سوء النية في التقاضي ذلك أن هذه المسألة مازال يحوطها الغموض سواء في الفقه أو القضاء، و إذا تصفحنا موقف الفقه نجده يعالج هذه المسألة بحلول متفرقة تراعي ظروف كل حالة على حدة و أنه يتحاشى وضع معيار معين حيث لا يتقيد به في غيره من الحالات، مما يجعل من الصعب على القاضي الاصطناعي على غرار القاضي البشري التنبؤ و تحديد سوء نية الشخص في التقاضي[14].

فالعدالة التنبؤية غالبا ما تكون ناقصة و خالية من التفسير البشري، كون أنظمة الذكاء الاصطناعي تعمل على خوارزميات و قواعد محددة مسبقا كما أسلفنا الذكر، فهي إذ تتميز في معالجة كميات كبيرة من البيانات و تحديد الأنماط، قد تواجه صعوبات في الاستدلال القانوني و التفسير المعقد، و لا سيما أن القضايا القانونية قد تنطوي على تفاصيل دقيقة قد تتطلب خبرة بشرية، لذلك فإن الاعتماد الحصري على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تجاهل عوامل مهمة و بالتالي إلى قرارات غير دقيقة[15].


[1] فاطمة عبد العزيز حسن أحمد بلال:” دور الذكاء الاصطناعي في تعزيز العدالة الناجزة أمام القضاء- دراسة مقارنة مع النظامين القانوني والقضائي في دولة قطر-، رسالة لنيل شهادة الماجستير في القانون الخاص-جامعة قطر- كلية القانون-، السنة الجامعية 2023، ص 1.

[2] منال فاضل البلوي/ هتاف عبد الهادي الصقير/ رانيا محمد السلمي/رغد مرزوق البلوي:” أثر الذكاء الاصطناعي في دعم التقاضي-محول الدردشة التوليدي المدرب مسبقا-“،مجلة البحوث المالية والتجارية- المجلد 24 العدد الثالث- يوليو 2023، ص 55.

[3] محمد حسن السحلي:” أساس المساءلة المدنية للذكاء الاصطناعي المستقل – قوالب تقليدية أم رؤية جديدة؟- كلية الحقوق -جامعة الإسكندرية-، سنة 2022، ص 10.

[4] محمد عرفان الخطيب:” العدالة التنبؤية و الدعوى القضائية -الفرص و التحديات- دراسة نقدية معمقة في الموقف الانكلوسكسوني واللاتيني”، مجلة الدراسات القانونية العدد 3، سنة 2019، ص 1.

[5] فاطمة عبد العزيز حسن أحمد بلال:” دور الذكاء الاصطناعي في تعزيز العدالة الناجزة أمام القضاء” ، م.س، ص 59.

[6] عمر عبد المجيد مصبح: ” توظيف خوارزميات” العدالة التنبؤية” في نظام العدالة الجنائية: الآفاق و التحديات”، المجلة الدولية للقانون، المجلد العاشر، العدد المنتظم الأول،2021، ص 238.

[7] يوسف أقصبي:” التقاضي بحسن النية آلية للرفع من النجاعة القضائية” مقال منشور بموقع https://www.mohamah.net/law، تاريخ الإطلاع: 28/09/2023 الساعة 22:00 .

[8] أحمد سمير محمد ياسين/ مروى عبد الجليل شنابة:” مبدأ حسن النية في قانون المرافعات المدنية (دراسة تحليلية مقارنة)، مجلة الدراسات المستدامة، السنة الثالثة المجلد الثالث العدد الثالث ملحق 1 لسنة 2021، ص 51.

[9] [9]”،أحمد سمير محمد ياسين/ مروى عبد الجليل شنابة:” مبدأ حسن النية في قانون المرافعات المدنية م. س، ص 53.

[10] محمد عرفان الخطيب:” العدالة التنبؤية و الدعوى القضائية…”، م.س، ص 11.

[11] فاطمة عبد العزيز حسن أحمد بلال:” دور الذكاء الاصطناعي في تعزيز العدالة الناجزة أمام القضاء” ، م.س، ص 59.

[12] عبد الله عيسى الرمح:” الجذور التاريخية و الفكرية للحق في التقاضي و التعسف و الكيدية في استعماله” مجلة كلية القانون الكويتية العالمية السنة 10- ملحق خاص- العدد 10، أبحاث المؤتمر السنوي 8- الجزء 1، نوفمبر 2021،ص 148.

[13] محمد عرفان الخطيب:” العدالة التنبؤية والعدالة القضائية..”، م. س، ص 22.

[14] إبراهيم أمين النفياوي:” مسؤولية الخصم عن لإجراءات- دراسة مقارنة في قانون المرافعات”، رسالة لنيل الدكتوراه في الحقوق-جامعة عين شمس-كلية الحقوق، ص 9.

[15] فاطمة خشاب درويش:” الذكاء الاصطناعي في نظام العدالة: تهديد أم فرصة”، منشور على موقع https://al-akhbar.com/، تاريخ الإطلاع 01/10/2023 على الساعة 22:00.

ظهرت المقالة التقاضي بسوء النية في ميزان أنظمة الذكاء الاصطناعي أولاً على aljami3a.com.

]]>
https://www.aljami3a.com/1535/%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%82%d8%a7%d8%b6%d9%8a-%d8%a8%d8%b3%d9%88%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d9%85%d9%8a%d8%b2%d8%a7%d9%86-%d8%a3%d9%86%d8%b8%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%83/feed/ 0
إعلان عن محور بحثي: مدونة الأسرة بين الواقع والمأمول – دراسات متعددة الرؤى https://www.aljami3a.com/1531/%d8%a5%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%86-%d8%b9%d9%86-%d9%85%d8%ad%d9%88%d8%b1-%d8%a8%d8%ad%d8%ab%d9%8a-%d9%85%d8%af%d9%88%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d8%b1%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%88/ https://www.aljami3a.com/1531/%d8%a5%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%86-%d8%b9%d9%86-%d9%85%d8%ad%d9%88%d8%b1-%d8%a8%d8%ad%d8%ab%d9%8a-%d9%85%d8%af%d9%88%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d8%b1%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%88/#respond Sat, 25 Nov 2023 15:50:19 +0000 https://www.aljami3a.com/?p=1531 تفاعلا مع الأمر الملكي السامي المتعلق بالتعديلات المرتقبة لمقتضيات مدونة الأسرة؛ وانخراطا في النقاش العمومي المتعلق بهذا الورش الوطني الهام، يعلن موقع الجامعة القانونية المغربية الافتراضية عن فتح باب استقبال المساهمات العلمية المتعلقة بالتعديلات المرتقبة لمدونة الأسرة، وذلك وفق مقاربات متعددة تعبر عن مختلف الرؤى والتوجهات التي تبرز تعدد وجهات النظر في مختلف المواضيع الأسرية. رفقته الإعلان عن المحور البحثي:

ظهرت المقالة إعلان عن محور بحثي: مدونة الأسرة بين الواقع والمأمول – دراسات متعددة الرؤى أولاً على aljami3a.com.

]]>
تفاعلا مع الأمر الملكي السامي المتعلق بالتعديلات المرتقبة لمقتضيات مدونة الأسرة؛ وانخراطا في النقاش العمومي المتعلق بهذا الورش الوطني الهام، يعلن موقع الجامعة القانونية المغربية الافتراضية عن فتح باب استقبال المساهمات العلمية المتعلقة بالتعديلات المرتقبة لمدونة الأسرة، وذلك وفق مقاربات متعددة تعبر عن مختلف الرؤى والتوجهات التي تبرز تعدد وجهات النظر في مختلف المواضيع الأسرية. رفقته الإعلان عن المحور البحثي:

ظهرت المقالة إعلان عن محور بحثي: مدونة الأسرة بين الواقع والمأمول – دراسات متعددة الرؤى أولاً على aljami3a.com.

]]>
https://www.aljami3a.com/1531/%d8%a5%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%86-%d8%b9%d9%86-%d9%85%d8%ad%d9%88%d8%b1-%d8%a8%d8%ad%d8%ab%d9%8a-%d9%85%d8%af%d9%88%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d8%b1%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%88/feed/ 0