لما كان مجلس العقد الإلكتروني[1] بخلاف العقد العادي افتراضيا و حكميا لا يتصور فيه الحضور المادي لأطرافه، فإن تحديده أضحى يشكل أبرز الإشكالات التي تثير المنازعة الإلكترونية، إذ أن تحديد مجلس العقد يساهم من جهة في معرفة زمان ابرام العقد، و بالتالي معرفة القانون ساري النفاذ على التصرف القانوني محل العقد الإلكتروني، ومن جهة ثانية معرفة مكان ابرام العقد لمعرفة الإختصاص القانوني و القضائي الذي يخضع له التصرف القانوني.
و عليه يثار التساؤل، هل استطاع التشريع الوطني(المغربي) و الدولي وضع ضوابط قانونية كفيلة بتحديد مجلس العقد الإلكتروني من حيث الزمان و المكان؟ (الفقرة الأولى)، و إلى أي حد يعد ذلك كافيا لفض المنازعات الإلكترونية المثارة بهذا الشأن؟(الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: ضوابط تحديد مجلس العقد الإلكتروني بين التشريع الوطني و الدولي
حاول المشرع المغربي من خلال سنه لمقتضيات ق 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية، وضع ضوابط لتحديد مجلس العقد الإلكتروني اعتبارا لخصوصيته. ففيما يخص زمان انعقاد العقد الإلكتروني، فإنه بالرجوع لنص المادة5/[2]65 من ق 53.05 يلاحظ أن المشرع لم يكتف بإرسال الرسالة الإلكترونية، و إنما اشترط ضرورة تسلمها من طرف الموجب و كذا اطلاعه عليها و العلم بما تحتويه من مضمون[3]، على أن هذا القول لا ينبغي الأخذ به على اطلاقه، ذلك أن قراءة العبارة الأخيرة من ذات المادة توحي لنا بأنه و متى كان بإمكان الموجب الإطلاع على رد القابل لكنه لم يطلع عليه، فإنه و رغم عدم اطلاعه على القبول يعد العقد الإلكتروني مبرما آنذاك.
و مما تنبغي الإشارة إليه في هذا الصدد أن المشرع المغربي قد سار على المنحى الذي أقرته المادة 18/2 من اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بعقود البيع الدولي للبضائع المنعقدة بفيينا سنة 1980، و التي جاء فيها أنه” …يحدث قبول الإيجاب أثره من اللحظة التي يصل فيها إلى الموجب ما يفيد الموافقة…”.
أما فيما يخص مكان انعقاد العقد الإلكتروني، فإن المشرع المغربي التزم الصمت حيال ذلك في القانون53.05، غير أن المادة 15 من قانون الأونسترال النموذجي بشأن التجارة الإلكترونية لسنة 1996 اعتبرت أنه: “…ما لم يتفق المنشئ و المرسل إليه غلى غير ذلك، يعتبر أن رسالة البيانات أرسلت من المكان الذي يقع فيه مقر عمل المنشئ، و يعتبر أنها استلمت في المكان الذي يقع فيه مقر عمل المرسل إليه…”، وعليه ترى الأستاذة “فريدة اليوموري” أن طبيعة التعاقد الإلكتروني و خصوصية هذا النوع من العقود، يقتضي أن يكون مكان ابرامها هو مقر عمل القابل[4].
هذا و إذا كان تحديد مجلس العقد الإلكتروني يطرح الكثير من الصعوبة، فإن التسليم بتحديده لا يغني عن المنازعة الإلكترونية، بل إنه يجعلها أكثر تعقيدا. ذلك أن العقد الإلكتروني و إن كان يتم في القليل من الأحيان بين متعاقدين عن بعد داخل تراب وطني مشترك، فإنه في الغالب يتم بين متعاقدين يختلف التراب الوطني لكل منهما عن الآخر، و بالتالي تختلف جنسية كل منهما، و بالتالي يثار التساؤل، لمن ينعقد الإختصاص القضائي و القانوني في المنازعة الإلكترونية؟
الفقرة الثانية: مدى كفاية تحديد مجلس العقد الإلكتروني في الحد من المنازعة الإلكترونية
كما سبق الذكر فإن تحديد مجلس العقد الإلكتروني لا يغني عن المنازعة الإلكترونية بقدر ما يجعلنا أمام منازعة الكترونية أخرى هي الأكثر تعقيدا، و يتعلق الأمر بتنازع الأختصاص القضائي(أولا)، و تنازع الإختصاص القانوني(ثانيا).
أولا: مجلس العقد الإلكتروني و إشكالية تنازع الإختصاص القضائي
اعتبارا على أن مجلس العقد الإلكتروني يتم بين غائبين مكانيا، فإننا نكون بذلك أمام حالتين، الأولى و التي يكون طرفي العقد الإلكتروني داخل حيز ترابي واحد بحيث نرى في هذه الحالة أنه رغم غياب قواعد قانونية خاصة تنظم الإختصاص القضائي، فإن ذلك لا يغني عن تطبيق القواعد العامة للاختصاص القضائي، بحيث ينعقد الإختصاص لمحكمة المدعى عليه ما لم يرد نص خاص يخالف ذلك.
أما الحالة الثانية، و هي التي نكون إزاءها بصدد عقد إلكتروني يتواجد كل من أطرافه في حيز ترابي مختلف عن الآخر، ما يعني اختلاف مكانهما و جنسيتهما بل اختلاف الجهات القضائية كذلك. و عليه، مراعاة لما تفرضه هذه الوضعية من تنازع للإختصاص القضائي، و أخذا بعين الإعتبار دور القانون الدولي الخاص في تسوية المنازعات الناتجة عن العلاقات الدولية الخاصة ذات العنصر الأجنبي و التي تتطابق شيئا ما معها، فإننا بذلك نتساءل، إلى أي حد يمكن لقواعد القانون الدولي الخاص حل اشكالية تنازع الإختصاص القضائي في العقد الإلكتروني؟
إن الإجابة عن هذه الإشكالية جعلت من الفقه يتخذ معايير عدة لإيجاد حل لهذه المنازعة، بحيث نجد معيار اختصاص القاضي من زاوية أطراف الدعوى(الجنسية) الذي اتخذه المشرع الفرنسي بحيث ينعقد الإختصاص للقضاء الفرنسي متى كان أحد أطراف النزاع فرنسيا، و هو التوجه الذي سار عليه المشرع المغربي في مسودة المسطرة المدنية، بأن نظم لأول مرة قواعد الإختصاص القضائي الدولي. و كذا معيار الإرادة، بحيث أنه يكون لإطراف العقد الإتفاق على جعل الإختصاص ينعقد لمحكمة معينة سواء دولة أحدهما أو دولة غير ذلك، على أن الأخذ بهذا المعيار يقتضي وجود مصلحة مشروعة تدفع الإطراف لجعل الإختصاص ينعقد لتلك المحكمة دون غيرها، و ألا يكون ذلك بهدف التحايل على القانون[5]. و معيار موطن المدعى عليه أو محل إقامته الذي يقتضي جعل التصرف يخضع لقضاء موطن المدعى عليه أو محل اقامته اعتبارا لما لقضاء دولته من سلطة عليه. و كذا معيار ابرام أو تنفيذ العقد بحيث ينعقد الإختصاص لمحكمة ابرام العقد الإلكتروني أو مكان تنفيذه. غير أن التساؤل يطرح بخصوص كفاية قواعد القانون الدولي الخاص في حل المنازعات الإلكترونية؟
إجابة عن هذا التساؤل فإن هذه المعايير و إن كان هناك جدوى في تطبيقها على التصرفات التي يحكمها مجلس عقد حقيقي، فإنه قد لا يظهر ذلك لما نكون أمام مجلس عقد حكمي، إذ ما محل الأخذ بمعيار موطن المدعى عليه أو محل إقامته ما دام أن الأمر يتعلق بجهتين قضائيتين لكل منهما سيادة ؟ و ما محل القول بمعيار مكان ابرام العقد أو تنفيذه ما دام أن طرفي العقد غير ملزمين بمكان محدد ؟.
و عليه، فإنه أمام محدودية الحلول التي تمكننا منها قواعد القانون الدولي الخاص في تحديد الإختصاص القضائي في المنازعة الإلكترونية، نتساءل إلى أي حد يمكن القول بنجاعتها في حل إشكالية تنازع القوانين التي يثيرها مجلس العقد الإلكتروني؟
ثانيا: مجلس العقد الإلكتروني و إشكالية تنازع الإختصاص القانوني
اعتبارا لما يتخلل مجلس العقد الإلكتروني من إشكاليات جمة، بحيث يكون طرفا العقد مختلفين من حيث الإنتماء الترابي، و بالتالي اختلاف جنسية كل منهما، الأمر الذي يجعلنا أمام قوانين مختلغة بعضها عن بعض، و عليه نتساءل، إلى أي حد تستطيع قواعد القانون الدولي الخاص حل اشكالية تنازع القوانين في المنازعة الإلكترونية؟
في سبيل الإجابة عن هذا التساؤل، ينبغي الإشارة إلى أن فقهاء القانون الدولي الخاص، يقرون بآليات لحل اشكالية تنازع القوانين، الأمر يتعلق بقواعد الإسناد “التي تكون وظيفتها الأساسية هي الإشارة أو الإسناد إلى قانون يتولى حل النزاع في العلاقات ذات الطابع الدولى”[6]، و تتنوع قواعد الإسناد بين الأصلية و الإحتياطية، بحيث نجد قواعد الإسناد الأصلية تنقسم إلى الشخصية ترتبط بإرادة الأطراف في تحديد القانون الواجب التطبيق على التصرف القانوني محل العقد الإلكتروني، سواء بإتفاق يضمن في التصرف أتناء ابرامه أو بعد إبرامه عند حدوث المنازعة، و يظهر ذلك في العديد من العقود الإلكترونية الراهنة كعقد شركة Apple stor حيث نص على انه: “تخضع كل عقود البيع التي تكون شركة Apple stor طرفا فيها لقانون كاليفورنيا”[7]، و المكانية التي ينعقد بموجبها العقد لقانون موطن أو محل إقامة المدعى عليه، أو مكان ابرام أو تنفيذ العقد. و أخرى احتياطية يترك فيها المجال لسلطة القاضي في اخضاع العقد للقانون الأوثق صلة بالعقد الإلكتروني.
هنا نعيد الإشارة من جديد لعدم كفاية قواعد القانون الدولي الخاص في حل اشكالية تنازع القوانين الناتجة عن المنازعات الإلكترونية، اعتبارا لخصوصية مجلس العقد الإلكتروني.
و لعل هذا ما دفع بالمنتظم الدولي إلى العمل على وضع قواعد موضوعية للحد من اشكالية تنازع الإختصاص القانوني و القضائي في عقود التجارة الإلكترونية، و نذكر على سبيل المثال القانون النموذجي للتجارة الإلكترونية”اليونسترال”. فإلى أي حد استطاع المنتظم الدولي احتواء الإشكاليات التي تثيرها المنازعات الإلكترونية؟.
[1] – “تلك الفترة الزمنية الممتدة بين تعبير كل طرف عن إرادته و وصول هذا التعبير لعلم الطرف الآخر”.
انظر، أبو الخير عبد الونيس الخويلدي، حق المشتري في فسخ العقد المبرم بوسائل الإتصال الحديثة، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، طبعة 2006، ص83.
[2] – جاء في نص المادة 5/65 من ق 53.05 أنه:”… يعتبر قبول العرض وتأكيده والإشعار بالتسلم متوصلا بها إذا كان بإمكان الأطراف المرسلة إليهم الولوج إليها“.
[3] – ذ .فريدة اليوموري، موجز العقود المسماة، الطبعة الثانية 2016، ص47.
[4] – ذ. فريدة اليوموري، م.س، ص50.
[5] – محاضرات ألقتها ذ. فاطمة حداد، على طلبة القانون الخاص بكلية العلوم القانونية و الإقتصادية و الإجتماعية بسلا، سنة 2018.
[6] – ابراهيم أحمد ابراهيم، القانون الدولي الخاص-تنازع القوانين- دار النهضة العربية، طبعة 1977، ص333.
[7] – طه كاظم حسن المولى، تطويع قواعد الإسناد في عقود التجارة الإلكترونية، الطبعة الأولى، سنة 2018، منشورات زين الحقوقية، بيروت- بغداد، ص122.











