ضوابط تعليل القرار الاستئنافي

15 مايو 2020
ضوابط تعليل القرار الاستئنافي

ضوابط تعليل القرار الاستئنافي

 مقدمة:

الطعن بالإستئناف – كما هو معلوم – يشكل التطبيق الواقعي لمبدأ التقاضي على الدرجتين الذي يعتبر من المبادئ الأساسية المعترف بها في كل الأنظمة القانونية؛ والإستئناف الذي يعرف بكونه تظلم من أخطاء القاضي المصدر للحكم الإبتدائي لدى محكمة الدرجة الثانية يؤدي إلى مناقشة الدعوى من جديد من الناحيتين الموضوعية والقانونية؛ ويعد تعليل الحكم الحكم الإبتدائي في هذا الصدد الآلية الأساسية التي يتمكن من خلالها قضاء الإستئناف بالإطلاع على كل المعطيات المتعلقة بالدعوى وبناء على ذلك يتم إصدار حكم جديد يخضع بدوره إلى التعليل كإجراء يفرض نفسه حتى على القضاء الإستئنافي وهو ذاته المنصوص عليه في المواد من 363 إلى 370 من قانون المسطرة الجنائية؛ وقواعده الجوهرية هي نفسها قواعد تسبيب الحكم الإبتدائي اللهم أن القاضي الإستئنافي يجد نفسه أمام خصوصيات في التعليل تختلف بين القرارات التي يمكن أن يتخدها وهي؛ رفض أو قبول الإستئناف شكلا؛ تأييد الحكم المستأنف؛ إلغاء الحكم المستأنف أو تعديله من حيث العقاب في بعض الأحيان وهو ما نص عليه المشرع المغربي الإجرائي في المواد 408 و409 و410 من قانون المسطرة الجنائية التي حددت ما يجب على المحكمة أن تقوم به وميزت بين مجموعة من الحالات.

فما هي إذن أهم ضوابط تعليل القاضي لأحكامه خلال المرحلة  الإستئنافي؟

من أجل إعطاء مقترب جواب عن الإشكالية المطروحة ارتأيت تناول الموضوع وفق قالب ممنهج على الشكل الآتي :

المطلب الأول: تعليل قرار محكمة الإستئناف من حيث الشكل

الفقرة الأولى: تعليل قرار قبول الإستئناف شكلا

الفقرة الثانية :تعليل قرار رفض الإستئناف شكلا

المطلب الثاني: تعليل قرار محكمة الإستئناف من حيث الموضوع

الفقرة الأولى:التعليل في حالة تأييد الحكم المستأنف

الفقرة الثانية: التعليل في حالة إلغاء الحكم المستأنف

 

المطلب الأول : تعليل قرار محكمة الإستشناف من حيث الشكل

          جاء في إحدى قرارات المجلس الأعلى بتاريخ 11 دجنبر 1990 أنه ” ليس من حق المحكمة أن تبت في جوهر الدعوى دون أن تتناول البحث في شكلية الإستئناف…”ذلك أن ما يميز بت محكمة الإستئناف في الحكم المطعون فيه هو أنها تراقب أولا مدى سلامة الطعن بالإستئناف المرفوع أمامها من حيث مدى احترامه للشروط الشكلية للطعن بالإستئناف وبناء على هذه المراقبة تصدر قرارها إما بقبول الإستئناف (الفقرة الأولى) أو رفضه شكلا (الفقرة الثانية) وفي كلتا الحالتين تكون محكمة الإستئناف ملزمة بتعليل قرارها.

الفقرة الأولى : تعليل قرار قبول الإستئناف شكلا 

تثار في هذا الإطار مجموعة من الشروط الشكلية كشرط صفة الطاعن وشرط أداء الرسوم القضائية من عدمه إلا أن أهم هذه الشروط يبقى هو شرط احترام أجل تقديم الطعن بالإستئناف والذي يعتبر من قبيل النظام العام ؛وقد حددت المادة 400 من قانون المسطرة الجنائية هذا الأجل في 10 أيام تبتدئ من تاريخ الطعن بالحكم الإبتدائي غير أنه إذا أستأنف أحد الأطراف داخل الأجل المحدد فلغيره من الأطراف ممن لهم حق الإستئناف بإستثناء الوكيل العام للملك أجل إضافي مدته 5 أيام لتقديم استئنافهم.

فالمحكمة الإستئنافية عندما تنظر في مدى احترام الطاعن لآجال الإستئناف تكون ملزمة بتعليل قبولها له من حيث الشكل لأنها مراقبة من قبل محكمة النقض في ذلك؛  وقد تشبت قضاء النقض بهذه المسألة منذ القدم إذ على مستوى العمل القضائي المغربي نجد أن ”     مجلس إستئناف أحكام القضاة بمكناس عندما كان قضاء النقض ممثلا في شخص مجالس إستئناف أحكام القضاة” أصدر قرارا عدد 476 بتاريخ 18 يوليوز1960 ينقض فيه الحكم الذي قبل الطعن شكلا من حيث احترامه للأجل بعد أن أبان عن تناقض في ذلك، فقال ” يعتبرمن باب التناقض في التعليل،الحكم الذي أكد أولا أن طلب الإستئناف وأداء التسجيل تما داخل الأجل القانوني فإذا به يتبين  فيما بعد من مضمن الحكم الإستئنافي نفسه أن المدة الواقعة بين تاريخ الإعلام بالحكم وتاريخ طلب الإستئناف تزيد على الأجل   القانوني لتقديم الطلب”

وقد أكد المجلس الأعلى سابقا هذه المسألة في إحدى قراراته الصادرة بتاريخ 2 فبراير1968 بقوله: “إن مسألة الإستئناف قبولا أو رفضا من حيث الأجل و الأداء خاضعة لرقابة المجلس الأعلى” ،بالإضافة إلى ذلك على القاضي الإستئنافي إبراز كل ما يدل على أن الطاعن احترم الشروط الشكلية بمعنى التدليل على توافر شروط القبول وعدم الإكتفاء بالقول مثلا – أنه تم داخل الأجل -، وهذا الأمر مطلوب بالأساس في الحالة التي يتم فيها قبول الإستئناف خارج الأجل القانونية بناء على أعذار تقدم بها الطاعن، وتوافرهذه الأعذار يجب بيان التدليل عليها ، بهذا الصدد نورد قرارا أصدرته محكمة النقض المصرية في إطار قضاء النقض المقارن بتاريخ 7 فبراير 1983 ومما جاء فيه :”محكمة الإستئناف ملزمة إذا قبلت الشهادة الطبية التي استند عليها الطاعن لتبرير تأخره في الطعن بسبب المرض فهذه المحكمة ملزمة بتوضيح فحصها لهذه الشهادة والتأكد منها وذلك بعرض أهم ما يتعلق بفحواها ضمن الأسباب حتى تتمكن محكمة النقض من مراقبة صحة التدليل بها”.

الفقرة الثانية : تعليل قرار رفض الإستئناف شكلا  

ألزم المشرع محكمة الدرجة الثانية بإبراز الأسباب التي بنت عليها رفضها الشكلي لطلب الإستئناف، وفي ظل أن سبب الرفض غالبا ما يكون راجعا لعدم تقديم الطعن داخل الأجل القانوني،فهناك مجموعة من القرارات التي تناولت مختلف أسباب    الرفض التي تكون منبثقة عن عدم احترام هذا الأجل والتي توضح الكيفية التي ينبغي أن يأتي وفقها تعليل محكمة الإستئناف للرفض شكلا بناء على هذا السبب:

أولا : نقض قرار الإستئناف الذي لا يعلل بالشكل الكافي على أن الإستئناف جاء خارج الأجل :             فالقاضي الإستئنافي حين يصدر قرارا برفض الإستئناف شكلا عليه أن يوضح في التعليل مجموعة من البيانات الأساسية تفيد في الرقابة على صحة قرار الرفض ضمانا لحسن تطبيق القانون، وأبرزهذه البيانات:

+ تحديد تاريخ صدور حكم الدرجة الأولى وهل صدر حضوريا أم غيابيا ؟

+ تحديد تاريخ تبليغ الحكم إذا كان قد صدر في غير حضور الطرف المستأنف إذ من خلاله يستشف تاريخ بدأ حساب آجال الطعن

+ بيان تاريخ تقديم الطعن حتى يتسنى التعرف على مدى احترام الأجل من عدمه

وهنا نورد اجتهادا قضائيا قديما صادرعن مجلس أحكام القضاة بمكناس بتاريخ 18 شتنبر و1958 ومما جاء فيه: ” يعتبرغير معلل تعليلا كافيا الحكم الصادرعن…بعدم قبول طلب الإستئناف بحجة وقوعه خارج الأجل المحدد له قانونا وهو لم يبين في حيثياته متى وقع تبليغ الحكم المستأنف إلى المستأنفين ومتى استأنفوه ومتى أدوا واجب التسجيل…”

ثانيا : نقض القرار الرافض للإستئناف شكلا والذي لم يفحص أعذار التأخر في الطعن                                                 

قد يتجاوز الطاعن بالإستنئاف الأجل القانوني للطعن لكنه يحتج بوجود أعذار دفعته إلى ذلك،هنا القاضي ملزم بعدم التسرع في رفض الطعن لهذا التجاوز دون البحث فيما قدمه الطاعن من أعذار وإبراز ذلك على مستوى تعليله لقراره وإلا كان تعليله غامضا وبالتالي يتعرض للنقض.

ومن أجل تأكيد هذا المعطى نورد قرارا صادرا عن محكمة النقض المصرية بتاريخ 14 أكتوبر 1946،جاء فيه :”…المحكمة مطالبة ببحث الشهادة الطبية وتقدير قيمتها كدليل على مرض المحكوم عليه وجسامة مرضه وتاريخه ثم تتعرض لتعذره في التأخير على أساس ما يظهر،فإذا أغفلت ذلك في الرد عند عدم قبول الطعن شكلا لوقوعه بعد الميعاد فيكون حكمها قاصر البيان متعينا نقضه  ”

ثالثا : ضرورة تضمين تعليل قرار رفض الإستئناف شكلا ردا على الدفوع التي يتقدم بها الطاعن                                       

إذ أن الطاعن الذي يقدم استئنافه متأخرا يقدم بعض الدفوع الأخرى من أهمها مثلا، الدفع بعدم تبليغه بالحكم الإبتدائي في حالة الحكم الذي يعتبر بمثابة الحضوري فيجب الرد على هذا الدفع وبيان الكيفية التي بلغ بها الطاعن هل داخل الجلسة أم خارجها ؟…وإلا تعرض الحكم للنقض.

مما تجدر الإشارة إليه بخصوص هذه القواعد أنها قواعد مفروضة إن جاز القول من قبل قضاء النقض أكثر مما هي مفروضة من قبل المشرع.

المطلب الثاني : تعليل قرار محكمة الإستئناف من حيث الموضوع

بعد الإنتهاء من النظر في مدى استجابة الطعن بالإستئناف لشروطه الشكلية، تنتقل محكمة الإستئناف إلى النظر في موضوع الطعن، وما يحكم نظرها هذا هو أمرين:

~ الدعوى تعود لتنشر أمامها بكل ما لها وما عليها وبالتالي فهي غير مقيدة برأي محكمة الدرجة الأولى

~ تنتهي في هذا النظر إما إلى تأييد حكم هذه الأخيرة (الفقرة الأولى) أو إلغاؤه (الفقرة الثانية) أو – أحيانا – تعديله من حيث العقاب وفي جميع هذه الحالات هي ملزمة بالتعليل

الفقرة الأولى : التعليل في حالة التأييد 

يكون على القاضي الإستئنافي في هذه الحالة إما أن ينشأ أسباب مستقلة لحكمه المؤيد وهذا هو الأصل، أو يكتفي بالإحالة على أسباب الحكم الإبتدائي وهذه الأخيرة تخضع لمجموعة من الشروط (أولا) و الضوابط ( ثانيا).

أولا : شروط الإحالة على أسباب الحكم الإبتدائي                                                                                       

يمكن اختزال هذه الشروط في ثلاث أساسية كما يلي :

1 : وضوح القاضي الإستئنافي في الإحالة على أسباب الحكم الإبتدائي:

وهو ما أكده المجلس الأعلى في إحدى قراراته الصادرة بتاريخ 3 أبريل 1984 ومما جيه فيه : “يكون قاصرا في البيان ويستوجب النقض قرار محكمة الإستئناف القاضي بإدانة متهم على أساس أن القاضي الأول أصاب في حكمه إذا كان هذا الحكم خاليا من كل تعليل ولا يشير إلى النصوص القانونية المطبقة…” وقد ذهب جانب من الفقه إلى تحديد بعض العبارات التي يمكن الإستناد إليها من قبل قضاة الإستئناف ليوضوحو إحالتهم في التعليل على أسباب الحكم الإبتدائي عند تأييده منها  على سبيل المثال : “لا مانع من أن  يتخد الحكم الإستئنافي أسباب الحكم الإبتدائي أسبابا لما قضى به…”

2 : وجوب أن تكون الإحالة تمت على أسباب سليمة :                                                                                       يوجب هذا الشرط على القاضي الإستئنافي دراسة موضوع الدعوى من جديد وعدم الإكتفاء فقط بالإحالة على أسباب الحكم الإبتدائي دون بذل أي عناء إذ عليه أن ينتبه إلى أي قصور قد يشوب أسباب الحكم الإبتدائي وإلا يوصم حكمه هو أيضا بالقصور من منطلق أن الإحالة تجعل أسباب الحكم الإبتدائي أسبابا للحكم الإستئنافي ،وفي هذا الإطار جاء في قرار صادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 26 يوليوز 1995 أنه: “…إن كان الحكم الإبتدائي المؤيد بالقرار المطعون فيه لم يكن بدوره معللا طالما أنه لم يبين الوقائع المادية المكونة لجريمة العصيان وكيفية ارتكابها …وبالتالي يثبت أن لا القرارالمطعون فيه ولا الحكم الإبتدائي عللا هذه الجريمة بإبراز عناصرها المادية والقانونية لتكون العقوبة مبررة مما يعتبر نقصانا في التعليل الموازي لإنعدامه”

3 : أن لا يكون الحكم الإبتدائي باطلا :                                                                                                       إذ حتى لو كانت الأسباب المحال عليها صحيحة فعلى القاضي الإستئنافي أن ينتبه إلى مدى احترام الحكم الإبتدائي للبيانات الواجب ذكرها والمحددة في 365 من قانون المسطرة الجنائية فتخلف أي بيان يجعل الحكم الإبتدائي باطلا ويجعل الإحالة على أسبابه عند تأييده استئنافيا بدورها باطلة، وبالتالي وجوب صياغة أسباب مستقله به.

ثانيا : ضوابط تعليل الحكم الإستئنافي عند الإحالة 

هذه الضوابط ترتبط بمجموعة من التساؤلات كما يلي :

-هل محكمة الإستئناف ملزمة بتقدير الوقائع من جديد ؟               ذهب بعض الفقه إلى أنه ما دامت محكمة الإستئناف درجة تقاضي ، وأنها محكمة موضوع فلها أن تعيد توصيف الوقائع وتكييفها التكييف الصحيح إذا  وقفت على خطأ في ذلك لأنه حتى وإن كان الحكم  الإبتدائي نجح في التدليل على الإدانة فهو قد يكون خاطئا في تكييف أفعال هذه الإدانة ، لدى يجب التمييز بين نظر قرار الإستئناف في تقدير الوقائع وبين نسبتها للمتهم.

-هل يجوز الإحالة على النص القانوني المطبق وعدم ذكره ؟

في هذا الإطار ذهبت محكمة النقض المصرية – في إطار قضاء النقض المقارن – إلى أنه لا يوجد مانع في اكتفاء الحكم الإستئنافي بالإحالة على نصوص القانون المشار إليها في أسباب الحكم الإبتدائي شريطة أن تكون هذه الأخيرة قد نصت عليها صراحة.

-هل محكمة الإستئناف ملزمة بالرد على الدفوع في هذه الحالة أم الإكتفاء بالإحالة فقط ؟

إن محكمة الإستئناف تبقى رغم إحالتها على أسباب الحكم الإبتدائي ملزمة بأن تضيف إلى هذه الحالة ردا على كل دفع قدم أمامها على اعتبار  أنها قضاء موضوع تنشر الدعوى أمامها من جديد وهذا النشر يفسح للأطراف  أن يدلوا بأي دفع جديد لم يدلوا به أمام محكمة الدرجة الأولى بحيث لا يمكن للقاضي الإستئنافي تجاوز هذه الدفوع بدعوى أنه رأى الحكم الإبتدائي على حق وأنه لامجال للنظر فيها.

الفقرة الثانية : التعليل في حالة الإلغاء

بخصوص حالة إلغاء الحكم الإبتدائي نكون أمام صورتين أساسيتين، الأولى تتعلق بالحكم الإبتدائي الصادر بالإدانة (أولا) والثانية تتعلق بالحكم الإبتدائي الصادربالبراءة(ثانيا).

أولا: حالة إلغاء الحكم الإبتدائي الصادر بالإدانة

عندما يقضي القرار الإستئنافي بإلغاء الحكم الإبتدائي الصادر بالبراءة هنا يجد القاضي نفسه أمام مهمة سهلة على اعتبار أن هذا القرار يعود بالمحكوم عليه ابتدائيا إلى الأصل ” البراءة ” فالمطلوب منه هو تقييد أدلة الإثبات التي اعتمدتها المحكمة الإبتدائية أو على الأقل أن يثير الشك حولها وحول مدى إمكانية الإعتماد عليها في إسناد التهمة للطاعن ، لكن يطرح تساؤل في هذا السياق، هل القاضي الإستئنافي ملزم في هذا المقام بالرد على أدلة الإدانة الواردة في أسباب الحكم الإبتدائي ؟

إن أغلب الفقه ذهب إلى نفي هذه المسألة على اعتبار أن مجرد إيراد محكمة الإستئناف لأسباب جديدة كافية ومستساغة من حيث التدليل على البراءة والتشكيك في أدلة الإدانة وبشكل منطقي ومتسلسل طبقا لضوابط التعليل هو في حد ذاته رد ضمني على الأسباب الإبتدائية بمعنى أن الأهم هو تعليل محكمة الإستئناف لحكمها الملغي للإدانة الصادر ابتدائيا بشكل كاف وسائغ.

ثانيا : حالة إلغاء الحكم الإبتدائي الصادر بالبراءة

على خلاف الحالة السابقة ،هنا  يجد القاضي نفسه أمام إلغاء الأصل الثابت “البراءة ” الذي ذهبت إليه المحكمة الإبتدائية، إذا لا يكفي في هذه الحالة أن يعلل القاضي الإستئنافي قراره تعليلا جديدا و سائغا ، وهذا أمر حتمي ، بل عليه أيضا أن يرد على الأسباب التي أوردها القاضي الإبتدائي للبراءة فيسقطها واحدا تلو الآخر بشكل سليم و منطقي ، فعليه أن يبرز الواقعة وكيفية ارتكابها ونص القانون الذي استند إليه والأدلة التي توافرت لديه ومضمونها الذي أدى به إلى إسناد التهمة إلى المحكوم عليه بالبراءة ، ثم أن يرد على جميع الدفوع والطلبات التي طرحت أمامه أو طرحت ابتدائيا ولم يستجب لها…، وإلا كان تعليله ناقصا ومعرضا للنقض والإبطال.

ومما يجب الإشارة إليه في الأخير، أنه في بعض الأحيان قد لا تذهب محكمة الإستئناف  إلى حد الإلغاء وإنما تكتفي بالتعديل، وحالة التعديل في الغالب تقتصر على العقاب وفي ذلك تذهب المادة 409 من قانون المسطرة الجنائية إلى أنه في حالة تقديم الإستئناف من النيابة العامة أو من إدارة يخول لها قانونا  إقامة الدعوى العمومية يجوز لغرفة الجنح الإستئنافية أن تؤيد الحكم المستئناف أو تعدله أو تلغيه إما لفائدة المتهم أو ضده ، أما إذا قدم الإستئناف من المتهم وحده فلا يمكن لمحكمة الإستئناف إلا تأييد الحكم أو إلغاؤه لفائدة المستأنف…

الخاتمة :

هكذا إذن ، يعد التعليل بصفة عامة  وبالأخص في المرحلة الإستئنافية من أهم الضمانات الممنوحة للمتقاضين حيث يعمل على توجيه الفكر القانوني نحو تحقيق عدالة جنائية حقيقية ، ومن تم يكون على المحكمة أن تأخده بعين الإعتبار عند إصدار الأحكام القضائية ، فتعليل الحكم من حيث الشكل أو الموضوع يعد ترجمة صادقة لما دار في الدعوى من دفوع وطلبات ، إضافة إلى أنه يجعل سلطة القاضي التقديرية في المسار الصحيح لتسلم من مضنة الغموض وذلك ببسط مراقبته من قبل الخصوم ومحكمة النقض ، وعليه فوجود الأسباب وكفايتها ومنطقيتها تعكس للحكم قوة قانونية تقيه من البطلان .

 تم بعون الله .