الشكل و الموضوع في دعاوى الطلاق والتطليق بين التطبيق العادل والتطبيق السليم للقانون

20 مايو 2020
الشكل و الموضوع في دعاوى الطلاق والتطليق بين التطبيق العادل والتطبيق السليم للقانون

الشكل و الموضوع في دعاوى الطلاق والتطليق بين التطبيق العادل والتطبيق السليم للقانون

الطلاق هو حل ميثاق الزوجية بإرادة الزوج أو بإرادة الزوجة أو باتفاقهما معا تحت الرقابة القضائية و التي تتجلى في الإستماع للطرفين ودفاعهما ومحاولة الإصلاح بينهما وتقدير المستحقات للزوجة و الأطفال ، [1] وقد نظمه المشرع المغربي في المواد من 78 إلى 93 ، وكذا بموجب المادة 114 و 115 إلى 120 وما يليها . و بالرجوع إلى هذه المقتضيات فإن الطلاق بحسب الأصل يوقعه الزوج ، وله أن يملكه للزوجة (الطلاق المملك) ، كما لهما أن يتراضيا على الطلاق الإتفاقي (المادة 114 ) أو الخلع (المادة 115 وما يلي ) .

و التطليق هو الذي يصدر به حكم من المحكمة بناءً على طلب أحد الزوجين (المادتين 94و 97 من مدونة الأسرة ) أو بطلب من الزوجة ( المواد 102 و 113 و 120 فقرة 2 و 124 من مدونة الاسرة ) بعد تعذر محاولة الصلح بين الزوجين ، وتقدير مستحقات الزوجة و الأطفال ، والأمر بإيداعها في صندوق المحكمة .[2]

ولا شك أن موضوع الطلاق و التطليق هو ” إنهاء العلاقة الزوجية ” وما يترتب عنها من آثار ؛ بإحدى الكيفيات ووفقا لمسطرة شكلية معينة  ، وقد يدق الفصل بين ما يدخل في باب الموضوع فيترتب عنه إما رفض الطلب أو الإشهاد على التراجع عن الطلاق أو التطليق وبين ما يدخل في باب الشكل فيترتب عنه عدم قبول الدعوى أو التشطيب على الملف من جدول الجلسة . وهي كلها آثار إجرائية لا تفصل في الموضوع  أو آثار موضوعية تنهي النزاع في جوهره . وسنتطرق لحالات رتب فيها المشرع الأثر صراحة ونعالج طبيعة هذا الأثر هل هو موضوعي أو شكلي ، ثم لحالات سكت فيها المشرع عن ترتيب أي أثر صراحة فنتسائل هي هي حالات متروكة للقواعد العامة لقانون المسطرة المدنية أم أنها تقاس على المقتضيات الصريحة في نفس المدونة ودون الرجوع لقانون المسطرة المدنية ؟ وما الأثر الذي يحقق التطبيق العادل و السليم للقانون ؟

أولا : حالة توصل الزوج طالب الطلاق بالإستدعاء ولم يحضر .

        نصت المادة 81 من مدونة الاسرة على أنه : ” تستدعي المحكمة الزوجين لمحاولة الإصلاح . إذا توصل الزوج شخصيا بالاستدعاء و لم يحضر اعتبر ذلك منه تراجعا عن طلبه

…”

فقد رتبت هذه المادة على تخلف الزوج عن الحضور للجلسة الأولى للصلح اعتباره متراجعا عن طلبه ، في حين أن المادة 47 من قانون المسطرة المدنية و التي تحيل عليها المادة 179 من نفس القانون  و التي وردت بالباب الثالث المتعلق بالمساطر المتعلقة بالأحوال الشخصية قد نصت على أنه : ” تطبق في قضايا الأحوال الشخصية مقتضيات القسم الثالث و البابين الأول و الثاني من القسم الرابع إذا لم تكن مخالفة لمقتضيات هذا الباب …”

وبالرجوع إلى المادة 47 التي جاءت ضمن القسم الثالث المذكور نجدها تنص على أنه :” إذا استدعي المدعي أو نائبه بصفة قانونية ولم يحضر في الوقت المحدد أمكن للمحكمة إذا لم تتوفر على أي عنصر يسمح لها بالبت في الطلب أن تقرر التشطيب على القضية من جدول الجلسة .

وتحكم المحكمة بإلغاء الدعوى على الحالة إذا لم يطلب المدعي متابعة النظر في قضيته خلال شهرين من قرار التشطيب من الجدول …”

فهل المقصود بالتراجع في المادة 81 أعلاه هو نفس الامر المنصوص عليه في المادة 47 أي التشطيب ثم إلغاء الدعوى على الحالة أم أنه فصل في الموضوع بالإشهاد على تراجع المدعي عن طلبه . ؟

بالرجوع للإجراءات المنظمة للطلاق نجد أن المشرع رتب أثر الإشهاد على تراجع المدعي عن رغبته في الطلاق إذا لم يودع مستحقات الزوجة و الأطفال داخل اجل 30 يوما . فنصت المادة 86 على انه : “إذا لم يودع الزوج المبلغ المنصوص عليه في المادة 83 أعلاه ، داخل الاجل المحدد اعتبر متراجعا عن رغبته في الطلاق ، ويتم الإشهاد على ذلك من طرف المحكمة ”

فبمقارنة المادة الأخيرة بالمادة 81 أعلاه نجد أن المشرع نص هنا على أن المحكمة تشهد على تراجع الزوج طالب الطلاق عن طلبه تماما كما هو الأمر بالنسبة للتنازل الذي تسجله المحكمة على مقيم الدعوى الذي نص عليه قانون المسطرة المدنية ، في حين ان المادة 81 لم تنص صراحة على الإشهاد على التراجع من طرف المحكمة . فالإشهاد على التراجع في الحالة الثانية أي حالة عدم إيداع مستحقات الزوجة و الأطفال داخل الاجل المعلوم هو في نظرنا فصل في موضوع الدعوى بالإشهاد على تراجع المدعي عن رغبته في الطلاق وهو بمثابة تنازل للمدعي عن طلبه وليس عن الدعوى فقط .

أما في الحالة التي يتخلف فيها طالب الطلاق عن الحضور فالمشرع لم ينص صراحة على إشهاد المحكمة على التراجع بل نص على اعتباره متراجعا عن طلبه  ، وما دام الأمر كذلك فإنني أرى في نظري المتواضع أن الأثر الذي يجب ترتيبه على عدم الحضور هو المنصوص عليه في المادة 47 من قانون المسطرة المدنية أي التشطيب على الملف من جدول الجلسة ثم إلغاء الدعوى على حالها إذا لم يحضر المدعي داخل اجل شهرين وهو في النهاية بمثابة تراجع من المدعي عن طلبه لكن لا تحكم به المحكمة مباشرة ما دام ان نص المادة 81 لا يسعف وحده إذ لا ينص عليه صراحة  وإنما تكتمل الصورة  إذا ما قرأنا هذه المادة بمعية المادة 47 المذكورة .

ـــ الاصل في الإجراءات المنع  ، فمتى سكت المشرع عن شيء فلا ينبغي للمحكمة أن تتوسع في التفسير حفاظا على حقوق الدفاع للأطراف .

ــ مشرع قانون المسطرة المدنية أتى بفلسفة عامة مفادها أن تخلف المدعي عن الحضور في الجلسة الاولى وحده لا يكفي للفصل في موضوع الدعوى إذا لم تكن المحكمة تتوفر على العناصر الكافية للبت في الطلب ، ولذلك رتبت أثرا شكليا هو التشطيب ثم الإلغاء دون الخوض في الموضوع . ولم ترتب أثر الإلغاء مباشرة وإنما أعطت مهلة شهرين للمدعي قبل ذلك .

ــ  إذا كان قانون المسطرة المدنية كشريعة عامة قانون إجرائيا للتقاضي في الحقوق المالية المنقولة و العقارية و المختلطة قد رتب هذا الأثر فمن باب أولى أن يعمل به في الحقوق الشخصية من طلاق وتطليق وغيرهما ، فهي أكثر أهمية واعلى مرتبة من الأولى ، فتمنح لطالب الطلاق مهلة فلا يتم الحكم بتراجعه عن طلبه مباشرة بل يمهل ويعمل الأثر المنصوص عليه في المادة 47 من قانون المسطرة المدنية .

ــ قد يكون المدعي قد توصل فعلا وحال حائل قاهر بينه وبين الحضور ، ومن الإجحاف عدم منحه مهلة أخذا بنظرية القوة القاهرة في المجال الإجرائي ما دامت نصوص المدونة ونصوص قانون المسطرة المدنية تسعف في إعمال الأثر المنصوص عليه في الفصل 47 المذكور . [3]

وتجدر الإشارة إلى أن المشرع نص على هذا المقتضى المشار إليه في المادة 81 المذكورة وهو بصدد تناول إجراءات الطلاق الذي يوقعه الزوج بحسب الأصل (المادة 79 و 80 و 81 وما يليها ) أو الطلاق المملك و الذي توقعه الزوجة (المادة 89 التي تحيل على المواد سالفة الذكر) ، ولم يشر المشرع المغربي وهو بصدد تنظيم الطلاق الإتفاقي و الطلاق الخلعي إلى أن المقتضيات المنصوص عليها في المادة 79 إلى 93 من مدونة الاسرة هي المطبقة ، ورغم ذلك فقد جرى العمل على تطبيق نفس المقتضيات بصدد الطلاق الإتفاقي و الخلعي ، ويذهب الدكتور محمد الكشبور [4]إلى أن تلك المقتضيات يجب أن تطبق مركزا على ما يتعلق بمستحقات الزوجة و الأطفال وإلا فلا معنى للإشراف القضائي على الطلاق الإتفاقي المنصوص عليه في المادة 114 ، ونحن نرى أن ما يسري على عدم حضور الزوج طالب الطلاق من تشطيب ثم إلغاء للدعوى على حالها يجب أن يسري على حالة عدم حضور الطرفين طالبي الطلاق الإتفاقي أو عدم حضور الزوجة طالبة الطلاق الخلعي ، فالأمر سيان .

والعمل القضائي يذهب في عمومه إلى ترتيب اثر عدم قبول الدعوى في حالة تخلف المدعي عن الحضور أو الإشهاد على تراجع المدعي عن طلبه ، و الذين يتجهون إلى ترتيب أثر عدم القبول على الأقل كان أولى بهم أن يعملوا نص المادة 47 من قانون المسطرة المدنية لأنها الأولى بالتطبيق ولأن في إعمالها تطبيقا سليما وعادلا للقانون . ومن الأحكام القضائية التي ذهبت في اتجاه الحكم بعدم قبول الدعوى الحكم الصادر عن المحكمة الإبتدائية بالقنيطرة [5] و الذي جاء في حيثياته :” … حيث يهدف الطلب إلى الإذن للزوجين بالإشهاد على طلاقهما الاتفاقي.

وحيث إن الملف خال مما يفيد  قيام علاقة الزواج بين الطرفين

وحيث تخلف الطرفان عن الحضور بجلسة 15/09/2015

وحيث إن المحكمة تثير تلقائيا انعدام الصفة لتعلقها بالنظام العام وبالتالي فإن صفة الطرفين غير قائمة، ولا تستقيم الدعوى دونها ويتعين تبعا لذلك التصريح بعدم قبول الدعوى. ..”

والمحكمة هنا قد استندت على عدم إدلاء الطرفين بما يثبت صفتهما ورتبت بالتالي الحكم بعدم قبول الدعوى ، وكان توجهها صحيحا إذا ما أنذرت الطرفين بتصحيح المسطرة طبقا للفصل الأول من قانون المسطرة المدنية ، غير أن الأمر ليس كذلك في حالة ما إذا أدلى الطرفان بما يثبت صفتهما وتخلفا رغم ذلك عن الحضور بجلسة الصلح الأولى ، فالأثر الذي يجب ترتيبه في نظرنا هو التشطيب على الملف من جدول الجلسة ثم إلغاء الدعوى على حالها ، و للعمل القضائي رأي آخر ؛ فبعض المحاكم ترتب على عدم الحضور لجلسة الصلح عدم قبول الدعوى حتى ولو حضر المدعي الزوج طالب الطلاق للجلسة الأولى للصلح وتخلف عن الحضور للجلسة الثانية ، و إلى هذا ذهبت ابتدائية فاس في حكم لها حين قضت بعدم قبول الدعوى معللة حكمها بما يلي : ” حيث يهدف الطلب إلى الحكم وفق المسطر أعــلاه .

    وحيث إن القائم بدعوى الحال تقاعس عن حضور جلسة الصلح التانية كإجراء جوهري رغم سابق حضوره واعلامه وكذا إمهال نائبه لإحضاره ،و هو إخلال موجب للقول بعدم قبول الدعوى شكـــــــــــــــــلا .” [6]

وتذهب عدد من المحاكم إلى الحكم بالإشهاد على تراجع الطالبين عن طلبهما في الطلاق الإتفاقي ومن جملة هذه المحاكم ابتدائية ورزازات التي ذهبت إلى الإشهاد على تراجع الطرفين على طلبهما معللة قرارها بما يلي : ”  ….وحيث تخلف الطرفان عن  الحضور رغم توصلها بالاستدعاء شخصيا، مما تعذر معه  استكمال إجراءات  الطلاق الاتفاقي طبق للمادة 114 من مدونة الأسرة. 

وحيث إن المحكمة في حالة طلب الطرفان للطلاق الاتفاقي فإن المحكمة تحاول الصلح ما أمكن  ، وتقتضي حضور الطرفين معا لجلسة الصلح ، كما تقضي بذلك المادة 114 ، وهي قواعد آمرة من النظام العام،, وهو ما تعذر على المحكمة الوقوف عليه، لمحاولة تقريب وجهات النظر بينهما، بسبب تخلف الطرفين عن الحضور وعدم تأكيد طلبهما رغم توصلها بالاستدعاء، وهو ما يشكل إخلالا شكليا من قبلها.” [7]

وفي نفس المنحى ذهبت ابتدائية تمارة في حكم لها جاء في إحدى حيثياته : ” …وحيث تخلف الزوجين عن حضور جلسة الصلح المنعقدة بتاريخ 16/12/2015 رغم توصلهما لها شخصيا.

وحيث انه وطبقا للمادة 81 من مدونة الأسرة فان تخلف الزوجين عن حضور جلسة الصلح يعتبر تراجعا منهما عن طلب الطلاق الأمر الذي يتعين معه اعتبارهما متراجعين عن طلبهما…” [8]

ونحن نرى في نظرنا المتواضع أن الحالة الوحيدة التي رتب فيها المشرع إشهاد المحكمة على التراجع عن الطلب هي حالة عدم إيداع الزوج لمستحقات الزوجة و الأطفال إن وجدوا وهي المنصوص عليها في المادة 86 من مدونة الأسرة ، أما حالة عدم الحضور لجلسة الصلح فلم تنص المادة 81 صراحة على ذلك ، وترتيب عدم قبول الدعوى على عدم الحضور للجلسة الأولى مجاف للتطبيق السليم لمقتضيات قانون المسطرة المدنية التي رتبت في مثل هذه الأحوال أثر التشطيب ثم الإلغاء بموجب المادة 47 منها وليس عدم قبول الدعوى .

ثانيا : حالة تراجع أحد الطرفين عن رغبته في الطلاق الإتفاقي .

يتعلق الأمر هنا بالحالة التي يحضر فيها طالبي الطلاق الإتفاقي أو أحدهما ويصرح أمام المحكمة بأنه يتراجع عن رغبته في إيقاع الطلاق الإتفاقي ، فهل تقضي المحكمة بعدم قبول الدعوى أو تقضي بالإشهاد على تراجعه عن طلبه أم أن الأسلم أن تقضي برفض الطلب ؟

يختلف الأمر هنا عن حالات عدم الحضور وحالات عدم إثبات الصفة ، فنفترض أن الطرفين حضرا أو حضر أحدهما و أنهما أثبتا صفتهما في الدعوى ثم صرح أحد الزوجين أمام المحكمة بكونه لا يرغب في الطلاق الإتفاقي ، فنرى أنه في هذه الحالة تكون المحكمة بين خيارين :

  • ـــ أن تعتبر تصريح الطرف بمثابة تنازل عن الدعوى إذا كان هو من أقامها بصفته كمدع ، فالتنازل يكون إما بعقد مكتوب أو بتصريح شفوي يضمن بالمحضر طبقا للفصل 119 من قانون المسطرة المدنية .
  • ــ أما في حالة ما إذا أقام الطرفين الدعوى معا بصفتهما مدعيين كما هو السائد عمليا ؛ فإن الأمر مختلف ، فاعتبار تصريح أحد الطرفين بمثابة تنازل عن الدعوى قد يسقط حق الطرف الآخر الذي يرغب في إنهاء العلاقة الزوجية و الذي قد يرغب في تصحيح المقال والتقدم بطلب طلاق عادي أو بطلب تطليق للشقاق ، ومن ثم يلزم لاعتبار هذا التراجع بمثابة تنازل إجماع الطرفين عليه إما بعقد مكتوب أو بتصريح شفوي يضمن بالمحضر . ومن ثم فإن على للمحكمة في مثل هذه الأحوال أن تقضي برفض الطلب الرامي إلى الطلاق الإتفاقي للعلل التالية :

ــ لكل دعوى شكل وموضوع ، فموضوعها هو الحق و الشكل هو إجراءات الدعوى ، ودعوى الطلاق الإتفاقي ليست مستثناة من هذا الأصل .

ــ بالرجوع إلى المادة 114 من مدونة الأسرة نجدها تميز بين ما يدخل في الإجراءات الشكلية للدعوى وبين موضوعها ، فموضوعها هو الاتفاق على إيقاع الطلاق بشروط أو بدون شروط لا تتنافى مع المدونة و لا تضر بحقوق الأطفال ، أما الشكل فتحدثت عنه المادة حين ألزمت الطرفين أو أحدهما بتقديم الطلب مرفقا بالإتفاق ن أي أنه بالإضافة إلى إثبات الصفة بالإدلاء بما يفيد قيام العلاقة الزوجية يتعين عليهما أيضا أن يدليا بالإتفاق المبرم بينهما تحت طائلة عدم القبول في حالة ما إذا اتفقا على إنهاء العلاقة الزوجية بشروط ، أما إذا اتفقا على إنهائها وحسب فليسا ملزمين بالإدلاء بأي اتفاق .

ــ وما دام أحد الطرفين قد تراجع طوعا عن رغبته في الطلاق جملة فعلى المحكمة أن تقضي برفض الطلب لان موضوع الدعوى هو الاتفاق على الطلاق وما دام هذا التراضي منعدما أو على الأقل غير متبادل فإن الطلب الرامي إلى الطلاق الإتفاقي يتعين رفضه ، وليس الإشهاد على التراجع عنه لان الإشهاد على التراجع نص عليه المشرع حصرا في حالة عدم إيداع المستحقات ، ولا مكان له إذا تراجع أحد الطرفين عن رغبته في الطلاق الإتفاقي وكان الطرفين معا قد تقدما بالطلب كمدعيين ، أما إذا تقدم أحد الطرفين بالطلب في مواجهة الآخر وكان صاحب الطلب هو من تراجع فإن للمحكمة أن تعتبر ذلك تنازلا منه عن دعواه ، أما إذا عبر الطرف المدعى عليه في الطلاق الإتفاقي عن عدم رغبته في الطلاق كان للمحكمة أن تقضي برفض الطلب .

والعمل القضائي بين من يتجه للحكم بعدم قبول الدعوى وبين من يرى الحكم بالإشهاد على التراجع ، فبمناسبة طلب للطلاق الاتفاقي تقدم به الزوجان قضت المحكمة الابتدائية بورزازات بعدم قبول الدعوى بعد أن صرحت الزوجة بكونها تتراجع عن طلبها ، وجاء في حيثياته : ”   …. وحيث إنه طباق للمادة 114 من مدونة الأسرة يمكن للطرفين أن يتفقا على إنهاء العلاقة الزوجية دون شروط أو بشروط لاغ تضر بمصالح الأطفال.

وحيث صرحت الزوجة بمقتضى الجلسة العلنية المنعقدة بتاريخ 08/6/2016 أنها تمانع في طلب الطلاق الاتفاقي مما تكون معه مقتضيات المادة 114 من مدونة الأسرة غير متوفرة في نازلة الحال ويتعين تبعا لذلك التصريح بعدم قبول الطلب. ” [9]

أما المحكمة الإبتدائية بفاس فقد ذهبت في حكم لها إلى الإشهاد على تراجع الطالبين عن طلبهما الرامي إلى الطلاق الإتفاقي وجاء في حيثيات حكمها ما يلي : ”  … وحيث حضر الطرفين  جلسة الصلح بتاريخ 2010/02/09 واوضحا أنهما تراجعا عن رغبتهما  في التطليق.

وحيث إن الطرفين  بتصريحهما هذا  يعدان  متراجعين عن طلبهما ولايبقى أمام المحكمة سوى الإشهاد على ذلك…” [10]

وقضت المحكمة الإبتدائية بتمارة  بنفس الحكم  وجاء في حكمها :” … وحيث ألفي بالملف تراجع عن الطلاق الاتفاقي للمدعيان.

وحيث تبعا لذلك لا يسع المحكمة سوى الإشهاد على هذا التراجع …” [11]

        هكذا اعتبرت المحكمة الابتدائية بورزازات ومعها محاكم كثيرة لا يسع المقام لسرد أحكامها أن تراجع أحد الزوجين بمثابة إخلال شكلي ولا علاقة له بالموضوع ، والحال أن عدم توافق الإرادتين على الطلاق الإتفاقي هو من صميم موضوع الدعوى ومن ثم فإن الحكم برفض الطلب هو عين الصواب في مثل هذه الأحوال . أما إذا اتفق الزوجان على تراجعهما إما بتنازل صريح مكتوب عن الدعوى  أو بتصريح يضمن بالمحضر  فإن الاسلم هو الإشهاد على التنازل لا على التراجع ، جريا على ما سلفت الإشارة إليه من أن المشرع نص على الإشهاد على التراجع حصرا إذا لم يودع الزوج مستحقات الزوجة و الأطفال لا غير .

ونفس الحكم يسري على حالة عدم إقدام الطرف طالب الطلاق أو الطرفين في الطلاق الاتفاقي  على توثيق الطلاق لدى عدلين ، فإن على المحكمة أن تقضي برفض الطلب لا الإشهاد على التراجع .

ثالثا : حالة تخلف طالب التطليق للشقاق عن الحضور .

        لم يشر المشرع المغربي صراحة لمسالة  عدم الحضور كما فعل حين نظم إجراءات الطلاق في المادة 81 من مدونة الأسرة ، ويرى الدكتور عادل حاميدي أنه في حالة عدم حضور طالب التطليق للشقاق رغم توصله بالاستدعاء ولم تكن المحكمة تتوفر على العناصر الكافية للبت في الدعوى ، يجدر بالمحكمة التشطيب على القضية من جدول الجلسات ، وإدراجها بعد شهرين من تاريخ الجلسة ثم إدراجها وإصدار حكم بإلغاء الدعوى على الحالة متى لم يطلب الطالب إدراج قضيته عملا بالفصل 47 من قانون المسطرة المدنية . كما يرى أن للمحكمة أن تحكم بعدم قبول الدعوى لتخلف الطالب عن الحضور لتأكيد طلبه أمام المحكمة ، أما اعتبار الطرف المدعي المتخلف عن الحضور متراجعا عن طلبه الرامي إلى التطليق للشقاق ، فإن النصوص القانونية المنظمة للشقاق لا تسعف في ذلك لأنها لا تحيل على مقتضيات المادة 81 من المدونة و التي اعتبرت تخلف الزوج طالب الطلاق عن الحضور بعد توصله بمثابة تراجع عن طلب الطلاق مما يتعين معه مراعاة ذلك في الطلاق وحده دون غيره من دعاوى التطليق .[12]

ونحن نرى في نظرنا المتواضع أنه لا فائدة ترجى من التمييز بين الطلاق و التطليق للشقاق في مسالة عدم حضور الطالب رغم التوصل ، فالحل القانوني في الحالتين واحد وهو التشطيب على القضية من جدول الجلسة ثم الحكم بالإلغاء ، فنص المادة 81 المذكور لا ينص على إشهاد المحكمة على التراجع صراحة ، كما أن الحكم بعدم القبول لعدم الحضور وتأكيد الطلب ليس له أساس قانوني في قانون المسطرة المدنية .

ننتهي من هذه الدراسة المتواضعة إلى أن الخلط بين شكليات الدعوى وموضوعها وعدم رسم حد فاصل وواضح بينهما من شأنه العصف بالنظرية العامة التي تقضي بأن لكل دعوى شق موضوعي و شق شكلي ، فالحكم بعدم القبول و الحال أن الطرفين حاضرين أمام المحكمة وقد أثبتا صفتهما ثم تراجعا عن طلبهما أو تراجع أحدهما مجاف للمنطق القانوني السليم ، فالأولى أن تشهد المحكمة على تنازلهما إذا تراجعا معا كما هو الأمر في الطلاق الإتفاقي ، أما إذا تراجع أحدهما فقط فالأمر مختلف ، فإذا تعلق الأمر بالطلاق الإتفاقي فعلى المحكمة أن تحكم برفض الطلب ، أما في غير الطلاق الإتفاقي فتحكم بالإشهاد على تنازل المدعي عن دعواه .

كما أن عدم حضور الطالبين أو أحدهما لجلسة الصلح سواء الأولى أو الثاني فيترتب عنه التشطيب  على الملف من جدول الجلسة ثم إلغاء الدعوى على الحالة ، وذلك في جميع مساطر الطلاق و التطليق ولا تمييز في ذلك بين الطلاق و التطليق ، وفي ذلك تحقيق لنظرية القوة القاهرة في المجال الإجرائي كما اشرنا في متن الموضوع .

و لعل معترضا يحتج بأن العدالة لا تتأثر في النهاية سواء قضت المحكمة بالإشهاد على التراجع أو بالتشطيب أو بعدم القبول ، فنقول أن العدالة تتأثر فعلا حين تقضي المحكمة بعدم القبول أو الإشهاد على التراجع لمجرد عدم الحضور في الجلسة الأولى للصلح ، فقد تحدت ظروف طارئة منعت الطالب من الحضور ، ويكون قد أدى على مقاله ، ومن المجحف أن ترغمه المحكمة على إعادة فتح ملف جديد و أداء مصاريف إضافية وهذا مجاف للتطبيق العادل للقانون كمبدإ دستوري نص عليه الفصل 111 من الدستور  . وعلى أية حال فإنه حتى على فرض أن العدالة لا تتأثر فلا اقل من التطبيق السليم للقانون تفاديا للتضارب وصونا لتماسك النظريات العامة للقانون من العبث بها دون طائل .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإحالات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] دليل عملي لمدونة الاسرة ، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية و القضائية ، سلسلة الشروح و الدلائل ، العدد 1 ، 2004 ، ، مطبعة فضالة ، ص .9

[2]  المرجع السابق ، ص . 9

[3]  أنظر للمزيد من التفصيل بخصوص نظرية القوة القاهرة في القواعد الإجرائية رسالة الأستاذ المهدي الصافي لنيل شهادة الماستر ؛ القواعد الإجرائية للقوة القاهرة في قانون المسطرة المدنية ، دراسة تاصيلية مقارنة ، كلية الحقوق بجامعة ابن زهر باكادير ، الموسم الجامعي 2016/2017 .

وانظر كذلك ؛ أثر الظروف الطارئة و القوة القاهرة على الأعنال القانونية ، بحث علمي على ضوء الفقه و قضاء النقض ، منشاة المعارف ، الإسكندرية ، الطبعة الأولى ، يونيو 1999

[4]  محمد الكشبور ، الوسيط في شرح مدونة الاسرة ، الطبعة الثانية ، ص .220

[5] الحكم الصادر في الملف عدد  : 550/1635/15 بتاريخ:22/09/2015 ، غير منشور .

[6]  الحكم الصادر في الملف عدد : 2172/1608/2011 بتاريخ 17/05/2012 ، غير منشور .

[7] الحكم الصادر في الملف عدد 43 /1635/2016 بتاريخ 23/03/2016 ، غير منشور .

[8]  الحكم الصادر في الملف عدد  583/1635/2015 بتاريخ 23/12/2015 غير منشور .

[9] الحكم الصادر في الملف عدد 115/2016 بتاريخ 29/06/2016 ، غير منشور .

[10]  الحكم الصادر بتاريخ2010/02/25 ملف رقم09/1608/  3000غير منشور .

[11]   الحكم الصادر في الملف عدد: 1720/1635/15  بتـــاريخ: 03/11/2015 غير منشور .

[12]  الدكتور عادل حاميدي ، التطليق للشقاق و إشكالاته القضائية ، مطبعة المعارف الجديدة ، الرباط ،  الطبعة الثانية  2015 ، ص .74

وعلا خلاف ما ذهب إليه المؤلف ذهبت المحكمة الابتدائية بورززات إلى الحكم بالإشهاد على تراجع المدعي طالب التطليق للشقاق عن طلبه لعلة عدم حضوره رغم التوصل ، في قرارها الصادر في الملف عدد 219/2016 بتاريخ 15/06/2016 . ومما جاء فيه : ” …  وحيث تخلف المدعي عن  الحضور رغم التوصل الشخصي كما هو ثابت من محضر الجلسة العلنية المنعقدة بتاريخ 01/06/2016 ، مما يكون معه متراجعا عن طلب التطليق ما دام توصل بالاستدعاء شخصيا ولم يحضر…”