كما هو معلوم فإن توقيع العقاب على من تحلى بصفة الجاني هو من بين الأهداف الرئيسية للسياسة الجنائية ببلادنا التي تباشر بطريقة محكمة منبعها جهاز النيابة العامة في شخص الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، وإن كان الدور الأساس لهذه الجهة فإن التدخل لا يبقى حكرا عليها فأيادي الإسهام عديدة شاكلتها مؤسسات أخرى والحديث هنا عن المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج مرورا ب السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، أجهزة تنبهت لمأمورية مهمة وهو أن النمط التقليدي للإدانة يسهم في تعبئة شديدة للمؤسسات السجنية سواء منها المركزية أو المحلية وهو ما يفرغ المجهودات المقامة من محتواها لأنها تقدم حلا يؤدي لإشكال، وهذا ما جعل بالجهاز المكلف بالتشريع بالمملكة المغربية يتدخل ويصدر قانون العقوبات البديلة بتاريخ 22 أغسطس 2024 صدور ظل موقوفا لسنة كاملة بغرض إعداد النصوص اللازمة لتطبيقه، ليشهد المغرب بعد ذلك وبتاريخ 22 أغسطس 2025 التفعيل الرسمي لبنود هذا القانون بجانب المرسوم 2.25.386 الصادر في 3 يونيو 2025، قانون ومرسوم أتيا بمقتضيات بعيدة عن الطابع التقليدي محورها 4 عقوبات ذات منظور مختلف عن تلك الواردة في النصوص الوضعية الأنفة الوجود وركيزتها تنسيق فعال بين 4 متدخلين ” النيابة العامة، هيئة الحكم، الإدارة المكلفة بالسجون في شخص مديرها ودور مراقب معين لهذا الغرض وهيئة بنية ستحدث لهذا الغرض، قاضي تطبيق العقوبة”، ولأن الجهاز القضائي لا يعمل بالفكر التقليدي المتمثل في تكريس السلطة وتوقيع العقاب القاسي نجد أن المحكمة الابتدائية بأكادير أصدرت مقررا قضائيا بتاريخ 23.8.2025 بحق شخص متابع بجنحة المشاركة في إتجار بالخمور قضت بالحبس في حقه لمدة شهرين وغرامة مالية قدرها 500 درهم مع استبدال العقوبة الحبسية بعقوبة الغرامة اليومية محددة مقدارها في 300 درهم عن كل يوم من تلك العقوبة الحبسية، تفعيل أتى في إطار يرمي بدرجة أولى إلى تخفيف العبء عن سجون المملكة من تلك الجرائم ذات التأثير المحدود مقارنة مع أخرى التي تتوزع في صنف الجنايات أو تبقى في صنف الجنح إلى أنها خطيرة وهي تلك التي استبعدتها مضامين القانون الأنف الذكر.
وأمام التفعيل الذي شهده القانون 43.22 فإنه ستبرز عديد النتائج على مستوى الجانب العملي والتي يأمل أن تكون هي المبتغى من قبيل:
التضاعف السلبي لعدد المدانين بسجون المملكة: حسب الإحصائيات التي تصدرها المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج فإن عدد الأشخاص المسجونين إلى غاية السنة الفارطة وصل إلى 105.094، هذا العدد الهائل الذي توزع بين نسبة 93 في المئة خاضعين لتدبير الحراسة النظرية ونسبة 68.21 مدانين بأحكام حائزة لقوة الشيء المقضي به وأخرون جراء تدبير الإكراه البدني، أرقام شكلت فيها النساء نسبة 2.59 في المئة، ونسبة منهم دون سن الثلاثين ، ونسبة 45.90 منهم عاطلون عن العمل15.15، ونسبة 10.32 استحوذ عنها الأميون و 0.37 في المئة لذوي الإعاقة والسجناء الأجانب 1.60 في المئة. كل هاته الأرقام إن انبرى إليها التدقيق بشكل جيد فسنجد أن منها نسبة مهمة يكون المتابعون فيها ممن اقترفوا جنحا بسيطة ترقى لدرجة توقيع العقاب ولكن ليس لتلك الدرجة القاسية وهو أمر من شأن القانون 43.22 تحقيقه وفق المبتغى.
تغيير الفلسفة العقابية ببلادنا: إن من شأن القانون 43.22 أن يغير الفلسفة المتخذة للعقاب عن الأفعال الجرمية المحدثة وذلك بطريقة توازن بين جهتين تكرس لهما الحماية المتطلبة ” المجني عليه من خلال الظفر بحقه وعدم تركه مهملا والجاني عبر معاقبته بطريقة تجعل الردع الخاص محققا بأقل مجهود وبأفضل طريقة.
الإسهام في تحقيق النفع العام بطريقة غير مباشرة: من حسنات القانون 43.22 أن العقوبات المستحدثة التي أتى بها ستحقق بعضها نفعا عاما يستحسن بإيجابيات كل المواطنين فالعمل لأجل المنفعة هو بمثابة بادرة خيرية تؤدى في مؤسسات عمومية تنفع هاته الأخيرة ويغنم منها المواطن المستفيد من خدمات ذلك المرفق العمومي.
وإن كانت لغاية كتابة هاته الأسطر قد فعلت بنود القانون 43.22 فإن المأمول من هذا التفعيل هو تحقيق انتصار ذي صبغة قانونية بطابع ردعي مستحدث يحقق ما وجد خارج حدود هذا البلد ويوفق بين عديد الأمور منها ما أسفر عنه الحديث ومنها ما سيندثر عنه ستار الغموض في قادم الأحوال.











