مرتكزات الحكامة الترابية بالمغرب وفق الوثيقة الدستورية الجديدة

16 أغسطس 2020
مرتكزات الحكامة الترابية بالمغرب وفق الوثيقة الدستورية الجديدة

مرتكزات الحكامة الترابية بالمغرب وفق الوثيقة الدستورية الجديدة

 

مقدمة

عرف مصطلح الحكامة الترابية في السنوات الأخيرة تداولا واسعا وانتشارا من طرف الهيئات الدولية وكذا في مجال العلوم الاجتماعية والسياسات العامة، كإحدى الوسائل الحديثة لبلوغ الديمقراطية والاستقرار الاجتماعي وذلك في أفق تحقيق التنمية المستدامة.

إلا أنه يظل مفهوما ضبابيا وغامضا، مما يتطلب تعريفه والتدقيق في زواياه المتعددة والمقاربات المعتمدة فيه، ويمكن القول على أنها أسلوب جديد في الحكم تعتمده الدولة من خلال مؤسساتها المختلفة لتحسين نوعية حياة المواطنين وتحقيق رفاهيتهم، وذلك في تناغم تام مع القطاع الخاص والمجتمع المدني، إنها بعبارة أخرى قدرة الدولة على التدبير الجيد للموارد والتزامها بضمان حقوق الناس داخل وحدات إدارية منظمة.

ولكي تتمكن الحكامة المحلية من أن تكون في مستوى تطلعات المواطنين والسلطات العمومية وفي مستوى التحديات التي تنتظر المجتمع فإنه يتعين القيام بإعادة تأهيل حقيقي سواء من طرف الدولة أو من طرف الجماعات المحلية نفسها، وكذا من طرف كافة الشركاء، ذلك أن الجماعات المحلية تمثل اليوم فاعلا وشريكا حقيقيا لتحقيق التنمية إلى جانب الفاعلين الآخرين، وذلك بفضل الإصلاحات العميقة التي شملت جميع المجالات والتي من شأنها إنعاش اللامركزية ومنحها قوة نوعية.

إن نهج المغرب سياسة تقوم على مبادئ الحكامة الترابية كحل فعال لبلوغ تنمية محلية شاملة يطرح معه العديد من الأسئلة والتحديات والرهانات . ولعل أهمها على الإطلاق ما يتعلق فعليا وعلى أرض الواقع ليس فقط بالمجالين السياسي والإداري وإنما أيضا بالمجالين الاقتصادي والاجتماعي.

لا تكتمل التنمية المحلية إلا بوجود كل عناصرها. فإلى جانب العنصر السياسي، لا بد من مراعاة البعد الإداري عبر نسق التنمية الإدارية التي ينصب مضمونها على جميع عناصر العمل الإدارية عموما بما في ذلك الإداريين والأجهزة، التنظيمات، القوانين والأنظمة.

فالتنمية الإدارية هي عملية مستمرة باستمرار المجتمع، شاملة لجميع جوانب المسألة الإدارية ومواكبة لظروفه وتطوراته؛ ومتكاملة في أجزائها ومكوناتها ومتوازنة بحيث لا يكون هناك تركيز في نواحي، وإهمال أو تقصير في نواحي أخرى .

وترتكز الحكامة الإدارية للتراب المحلي على مبدأين رئيسيين هما مبدأ التدبير الحر ومبدأ التفريع.

المطلب الأول : مبدأ التدبير الحر : ماهيته وتطبيقاته

تمثل المقتضيات الدستورية والقانونية ضمانة أساسية لانخراط المجالس المنتخبة في اعتماد مبادئ الحكامة والديمقراطية والتدبير الحر، كأساس لتدبير شؤونها، وتبني اختياراتها وبرامجها وتنزيل الاختصاصات التي خولتها لها النصوص التنظيمية وذلك من خلال الاعتراف للمجالس المنتخبة بالاستقلالية في تدبير شؤونها، دون تدخل سلطات الرقابة، إلا في الحدود التي يتيحها القانون، وكذلك بإقرار ممارستها للسلطة التنظيمية المحلية، والتي تنصب على اتخاذ القرارات والقيام بالإجراءات التي يتطلبها حسن سير المرافق العمومية بكيفية منتظمة وبغية الحفاظ على النظام العام.

الفقرة الأولى : ماهية التدبير الحر

إن الهدف الرئيسي الذي يتوخاه المشرع المغربي من خلال التنصيص على مبدأ التدبير الحر للشأن الترابي هو منح المجالس المنتخبة سلطة التداول وسلطة تنفيذ مقرراتها بكيفية ديمقراطية طبقا لقواعد الحكامة المتعلقة بحسن تطبيق مبدأ التدبير الحر لشؤون الجهة  والجماعة والإقليم أو العمالة ، من خلال احترام العديد من القواعد المجسدة في المساواة بين المواطنين في ولوج المرافق العمومية التابعة للجماعة، وكذا الاستمرارية في أداء الخدمات وضمان جودتها وتكريس قيم الديمقراطية والشفافية والمحاسبة والمسؤولية وترسيخ سيادة القانون والتشارك والفعالية والنزاهة، مع احترام مجموعة من المبادئ في التدبير والخضوع في ذلك لتقييم الأداء والمراقبة الداخلية والافتحاص، انسجاما مع المقتضيات الدستورية التي تؤكد على ربط المسؤولية بالمحاسبة، مما يؤكد أن مبدأ المسؤولية يعد مبدأ استراتيجيا في الحكامة المحلية الجيدة.

ولم يحدد المشرع المغربي على غرار التشريعات المقارنة  مفهوم التدبير الحر   “le principe de libre administration”  تاركا المهمة للفقه، بحيث اعتبر البعض  أن معناه يتجلى في كون ” أن المجالس الجهوية لها كامل الصلاحية والحرية في تحديد وبلورة اختياراتها وبرامجها، في احترام تام بطبيعة الحال للمقتضيات القانونية والتنظيمية وبمراعاة للإمكانيات التمويلية المتاحة.

والتدبير الحر معناه إلغاء مفهوم الوصاية على عمل المجالس الجهوية و كل أشكال الرقابة المتعلقة باختياراتها “، وهو المعنى المستفاد من نص الرسالة السامية التي وجهها جلالة الملك إلى المشاركين في المؤتمر الرابع لمنظمة المدن والحكومات المحلية المتحدة المنعقد في الرباط بتاريخ 02 أكتوبر 2013، ومما جاء فيها ما يلي: ” وتفعيلا لمبدإ التدبير الديمقراطي للجهات والجماعات الترابية الأخرى، المنصوص عليه في الدستور الجديد للمملكة، فقد تم الانتقال من الوصاية الإدارية التقليدية على أعمال هذه الجماعات، إلى تعزيز نظام الرقابة البعدية للقضاء الإداري والمالي عليها، مما من شأنه أن يتيح لها هامشا أكبر لاتخاذ قراراتها، في إطار من الاستقلالية المسؤولة، ووفق قواعد وضوابط دولة الحق والقانون”.

وقد ذهب في نفس السياق أغلب الفقهاء المعاصرين، بحيث يرى جانب من الفقه أن مفهوم التدبير الحر ينطوي على حرية مؤسساتية ووظيفية .

وبالرغم من عدم تحديد المقصود بمفهوم التدبير الحر، فقد عمل المشرع في القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات إلى جانب القانون التنظيمي للعمالات والأقاليم  على تحديد مجموعة من التدابير التنفيذية المرتبطة به، حيث اشترط، لاحترام حسن تطبيقه مجموعة من المبادئ العامة، من قبيل المساواة بين المواطنين في ولوج المرافق العمومية، الاستمرارية في أداء الخدمات وضمان جودتها، تكريس الديمقراطية والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، ترسيخ القانون، التشارك والفعالية والنزاهة .

وبذلك تكون للمجالس المنتخبة كامل الصلاحية والحرية في تحديد وبلورة اختياراتها وبرامجها في احترام للمقتضيات القانونية والتنظيمية، بمراعاة الإمكانيات التمويلية المتاحة .

الفقرة الثانية : التطبيقات العملية لمبدأ التدبير الحر

إن التنصيص على مبدأ التدبير الحر في الوثيقة الدستورية (على رأسها الفصل 136 ) وفي النصوص التشريعية الخاصة المؤطرة لمجال الحكامة الترابية ينطوي على الاعتراف الصريح والتكريس القانوني للحق المطلق بالنسبة الجماعات الترابية في تسيير شؤونها المحلية بنفسها من خلال إعطاءها استقلالية ذاتية تتيح لها ممارسة اختصاصاتها ووضع التدابير اللازمة لتحقيق ذلك على أساس انفلاتها وانعتاقها من الوصاية مركزية أو محلية، يتمثل في تلك المكانة التي منحت لرؤساء مجالس الجهات، حيث يقومون بتنفيذ مداولات هذه المجالس ومقرراتها.

فالوصاية على حد تعبير البعض  شكلت ” غطاء لمجموعة من التجاوزات كغياب النزاهة والاستقامة سواء لدى ممثلي سلطة الوصاية أو لدى المنتخبين، إضافة إلى استغلال سلطة الوصاية لنقص تأطير المستشارين وضعف مستواهم التعليمي وعدم استطاعتهم فهم فصول القانون خاصة في الجماعات القروية كل هذا أدى إلى حضور ثقيل لسلطة الوصاية، سواء بشكل مبرر أو غير مبرر “.

فقد أشار إليه المشرع في البند الأخير من المادة الأولى من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات بالقول: ” طبقا لأحكام الفصل 146 من الدستور، يحدد هذا القانون التنظيمي:

-قواعد الحكامة المتعلقة بحسن تطبيق مبدأ التدبير الحر لشؤون الجماعة، وكذا بمراقبة تدبير البرامج وتقييم الأعمال وإجراءات المحاسبة “.

وقد نص عليه أيضا في المادة 3 من ذات القانون، بحيث أكد على أنه ” يرتكز تدبير الجماعة لشؤونها على مبدأ التدبير الحر الذي يخول بمقتضاه لكل جماعة، في حدود اختصاصاتها المنصوص عليها في القسم الثاني من هذا القانون التنظيمي، سلطة التداول بكيفية ديموقراطية، وسلطة تنفيذ مداولاتها ومقرراتها طبقا لأحكام هذا القانون التنظيمي والنصوص التشريعية والتنظيمية المتخذة له “.

ويعتبر التدبير الحر آلية هامة وفعالة لربح الرهانات المطروحة فيما يتعلق بتنمية الجهات وجعلها أقطاباً حقيقية للتنمية، فالمجلس الجهوي في ظل هذا المبدأ الدستوري هو القائد المخطط، والبنّاء الاستراتيجي للتنمية الجهوية، وذلك لتوفره على صلاحيات وضع وتتبع البرامج التنموية، والتصاميم الجهوية لإعداد التراب، وهذا يجعل الجهة مجلساً للتدبير، خاصة بعد التنصيص على التنسيق بين القطاعات اللاممركزة الذي يقوم به الولاة والعمال على الصعيد الجهوي، وهذا لا شك أنه سيؤدي إلى تبني سياسة اللاتمركز الواسع الذي يعتبر مدخلاً أساسياً لنجاح الجهوية المتقدمة.

وهكذا، يقتضي مفهوم التدبير الحر التعامل وفق مقاربة شمولية أي ” بعدم إقصاء أي عنصر، بمعنى كل الاراء و كل الطاقات و الامكانيات البشرية المتاحة كما يندرج تحته معطى التفاعل من وحدات ترابية و فاعلين سياسيين و جمعويين و منظمات و أحزاب سياسية، و بالتالي يعني انخراط كافة القوى الحية وهيأت المجتمع المدني و أخيرا المواطنين” .

كما أن ” فائدة الحكامة الترابية لا تكمن في استحواذ فئة واحدة أو فرد من الأفراد على تدبير الشأن العام الجهوي و المحل كالجهة أو العمالة أو الإقليم أو الجماعة المحلية أو موقع عدم التمركز، بل يجب تقاسم وتوزيع الأدوار بينهم”.

نفس الوقت إعطاء مساحة عريضة لتمثيل المواطنين، حيث يتحول الشأن العام إلى قضية الجميع” .

وفي نظر جانب من الفقه ، هناك بعض الثغرات تدل على محدودية فعالية هذا المبدأ، ذلك أن ” الدستور ربما المتطور على اداء المؤسسات الرسمية والسياسية، قد عبر بصراحة على خيار التدبير الحر للجماعات، وصحيح ايضا ان النص موضوع القراءة قد كرر هدا المبدأ بنصه على سلطة المجلس الجماعي في التداول بكيفية ديموقراطية، وسلطة تنفيذ المداولات والمقررات التي يتخذها المجلس، الا انه عاد لتكريس نوعا من الوصاية فيما يشبه تراجعا او لفا على مبدأ التدبير الحر، فالمقررات التي تهم الجانب المالي مازالت غير قابلة للتنفيذ إلا بعد تأشير سلطة الوصاية عليها، ولعل ذلك راجع الى عدة عوامل موضوعية أحيانا، كمحدودية النخب المحلية التي تفرزها الصناديق على مستوى الكفاءات، بل ايضا على مستوى الحكامة، إذ أن التجربة ربما افرزت عدة تجازوات على مستوى التدبير والحكامة، وهدا المعطى يستشف من حجم المخالفات الواردة في تقارير لجان المراقبة وعلى رأسها المحاكم المالية المختصة، ولعل تلك التقارير تشكل دراسة لواقع التدبير الجماعي ومستوى تطور اللامركزية ببلادنا في جانب الممارسة وتخريج النخب.

كما ان هناك عوامل ذاتية اخرى تكرس الوصاية ، فالدولة وان كانت راكمت تجربة لا يستهان بها في مجال اللامركزية إلا ان القرار المركزي لازال سيد الموقف، وخير دليل على دلك هو اغفال تحريك اللاتركيز الاداري موازاة مع محاولات بسط وتمديد اللامركزية افقيا وعموديا، فالالتقائية لتنفيذ البرامج التنموية تستلزم اعتماد اللاتركيز الاداري أيضا خاصة ان المشروع المقروء في هدا التحليل جاء بمقتضى غاية في الاهمية فيما يخص الاختصاصات المشتركة والمنقولة، اد نص على مبدأ التعاقد كآلية لتنفيذها، هدا التعاقد في اطار المقاربة التشاركية لن يسهل اللجوء اليه في ظل تخلف اللاتركيز الاداري عن اللامركزية”.

وفي اعتقادنا، سيمكن مبدأ التدبير الحر الجماعات الترابية من ممارسة اختصاصاتها بنوع من الاستقلالية مقابل التقليص من وصاية السلطة المركزية. والاستقلالية هنا ليس معناها الانسلاخ الكلي عن المراقبة وعدم الخضوع للمراقبة، بل إن البعد الرقابي احتفظ به المشرع المغربي عن طريق المراقبة اللاحقة contrôle postérieur أي ترك نوع من الحرية للمدبر المحلي في ممارسة اختصاصاته في مقابل مسائلته عن النتائج التي أنجزها، وله حرية التصرف في الموارد المتاحة له في إطار احترام القانون .

عمليا، فتبني مبدأ التخفيف من الوصاية جاء لدعم الاستقلال المحلي للمجالس الجماعية ورؤسائها وتمثل هذا التخفيف من خلال القانون رقم 78.22 في المحاور الآتية:

– التقليص من قائمة المواد الخاضعة للرقابة القبلية؛ فعند مقارنة المادة 19 من القانون رقم 78.22 مع المادة 11 من الميثاق الجماعي المغير يتضح بأنه تم إعفاء المداولات و القرارات التالية من الخضوع للرقابة المسبقة:

* الأنظمة العامة التي تهم شؤون طرق المواصلات والبناء؛

* احتلال الملك العمومي مؤقتا من دون إقامة أبنية؛

* تحويل تخصيص البنايات الجماعية المجعولة رهن إشارة مصالح عمومية؛

* قبول أو رفض هبات و وصايا تقتضي تكاليف أو تخصيصا معينا؛

* إحداث أو حذف أو تبديل أماكن الأسواق الحضرية أو تاريخ إقامتها؛

* التدابير الفردية التي يتخذها رؤساء المجالس الجماعية في ميدان الشرطة الجماعية الإدارية

إحلال الرقابة المقربة محل الوصاية المركزية من خلال تكريسها بمقتضى مجموعة من التدابير أهمها:

* إسناد سلطة المصادقة على المقررات الصادرة عن الجماعات القروية إلى الولاة و العمال؛

* إقرار مبدأ التفويض للولاة أو العمال قصد المصادقة على المقررات و القرارات الخاضعة للوصاية المركزية؛

* تخويل الولاة أو العمال صلاحية المصادقة على عدد من المقررات بالنسبة لكافة الجماعات و كذا التأشيرة على القرارات التنظيمية للجماعات القروية المتعلقة بالشرطة الإدارية الجماعية و تحديد سعر الرسوم و تعرفة الوجيبات و مختلف الحقوق المستخلصة لفائدة الميزانية الجماعية.

غير أن هذا المبدأ يتطلب توفير الموارد البشرية والمالية والتقنية اللازمة، وكذا منتخبين قادرين على استيعاب دورهم الحقيقي في النهوض بالتنمية المحلية وتكريس نهج الحكامة الجيدة التي نص عليها الدستور، ذلك أن الاختصاصات الهامة المنوطة بالجماعات الترابية، لا سيما وضع المخططات والبرامج التنموية تتطلب التوفر على منتخبين لهم مستوى معرفي وعلمي يمكنهم من فهم النصوص القانونية والإلمام ببعض التقنيات التي تحكم التدبير المالي والإداري.

لذا، يتعين في مقابل التنصيص على مبدأ التدبير الحر، وضع آليات للرفع من القدرات المعرفية والعلمية للمنتخب المحلي، وعلى الأحزاب السياسية أن تتحمل مسؤوليتها المنوطة بها دستوريا، والمتمثلة أساسا في تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية وفي تدبير الشأن العام.

وبالتالي حتى في حالة ملاحظة ما يمكن اعتباره إخلالاً باحترام المقتضيات القانونية في تدبير الجماعات الترابية، فإنه يجب الطعن في ذلك لدى المحاكم الإدارية احتراماً لمبدأ التدبير الحر.

المطلب الثاني مبدأ التفريع : ماهيته وتطبيقاته

قبل مجيئ الدستور، نلاحظ أن مبدأ التفريع  كان معمولا به، بحيث نعتقد أنه ورد هذا لأول مرة في مشروع الحكم الذاتي ، حيث نصت عليه الفقرة 17 بشكل صريح بالقول ” من جهة أخرى، تمارس الاختصاصات، التي لم يتم التنصيص على تخويلها صراحة، باتفاق بين الطرفين، وذلك عملاً بمبدأ التفريع  “.

بمعنى آخر، ينطوي المفهوم الجديد للسلطة على مفهوم جديد للدولة يرتكز على مبدأ التفريع  Principe de Subsidiarité، أي أن الإقليم يقوم بما لا يمكن للجماعة أن تقوم به، والجهة تقوم بما لا يمكن للجماعات الأخرى أن تقوم به والدولة تمارس الإختصاصات التي لا يمكن إسنادها للجماعات المحلية. سيتم تشييد الدولة من القاعدة إلى القمة ولا يمكن أن تتدخل في المستقبل إلا على أساس تخلفات ونقائص وعجز الجماعات المحلية والمجتمع المدني .

وقد جاء أيضاً بشكل واضح في أحد اقتراحات تقرير اللجنة الاستشارية للجهوية، ما يلي) فيما يتعلق بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، يعتبر كل مجال للاختصاص ) الماء، الطاقة، النقل….( قابلاً لأن تتقاسمه الدولة والجماعات الترابية عملاً بمبدأ التفريع “.

وقد ورد الإشارة إليه في العديد من الخطب الملكية السامية، من بينها الخطاب الذي وجهه إلى الأمة بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب سنة 2011 الذي جاء فيه: ” (…) وذلك ضمن تحول تاريخي، يتوخى تحديث وعقلنة هياكل الدولة، باعتماد إصلاحات جوهرية، قائمة على الحكامة الترابية الجيدة، وهادفة للنهوض بالتنمية المندمجة، وترسيخ العدالة الاجتماعية، وضمان مقومات المواطنة الكريمة، لكافة المغاربة.

(…) في إرساء الجهوية المتقدمة، القائمة على إعادة توزيع سلط وإمكانات المركز على الجهات. وذلك على أساس الديمقراطية الترابية والحكامة الجيدة؛ بما يكفل تحقيق تنمية جهوية، متضامنة ومتوازنة ومندمجة، تضع حدا للمقولة الاستعمارية للمغرب النافع وغير النافع، وللفوارق المجالية.

(…) إن منظورنا الشامل للديمقراطية الحقة، ومقومات الحكامة الجيدة، لا ينحصر في إعادة توزيع السلطات المركزية، بل يقوم على توزيع السلطات والموارد، بين المركز والجهات؛ وذلك ضمن جهوية متقدمة، نعتبرها عماد الإصلاح العميق لهياكل الدولة وتحديثها”.

ودوليا، فقد تم التنصيص عليه في مجموعة من الاتفاقيات من بينها المتعلقة بالاتحاد الأوروبي المنبثق عن معاهدة لشبونة، حيث أشارت المادة 5 منها إلى ضرورة مراعاة مبدأ التفريع .

أما في الآونة الحالية، فقد نص الفصل 140 من الدستور على مبدأ التفريع بقوله ” للجماعات الترابية، وبناء على مبدإ التفريع، اختصاصات ذاتية واختصاصات مشتركة مع الدولة واختصاصات منقولة إليها من هذه الأخيرة.

تتوفر الجهات والجماعات الترابية الأخرى، في مجالات اختصاصاتها، وداخل دائرتها الترابية، على سلطة تنظيمية لممارسة صلاحياتها “.

وبالرجوع إلى القانون التنظيمي للجماعات، نجد أنه نص على هذا المبدأ في مادته الرابعة، بحيث أكد فيها على ما يلي : ” طبقا للفقرة الأولى من الفصل 140 من الدستور، وبناء على مبدأ التفريع، تمارس الجماعة الاختصاصات الذاتية المسندة إليها بموجب أحكام هذا القانون التنظيمي والنصوص المتخذة لتطبيقه، وتمارس أيضا الاختصاصات المشتركة بينها وبين الدولة، والمنقولة إليها من هذه الأخيرة وفق الشروط والكيفيات المنصوص عليها في الأحكام المذكورة.

وطبقا للفقرة الثانية من الفصل 141 من الدستور، يتعين عند نقل كل اختصاص من الدولة إلى الجماعة، تحويل الموارد اللازمة التي تمكنها من ممارسة الاختصاص المذكور”.

وتفصيلا للمقتضى أعلاه، أقرت المادة 77 من القانون التنظيمي للجماعات ” تناط بالجماعة داخل دائرتها الترابية مهام تقديم خدمات القرب للمواطنات والمواطنين في إطار الاختصاصات المسندة إليها بموجب هذا القانون التنظيمي، وذلك بتنظيمها وتنسيقها وتتبعها.

ولهذه الغاية، تمارس الجماعة اختصاصات ذاتية واختصاصات مشتركة مع الدولة واختصاصات منقولة إليها من هذه الأخيرة.

تشتمل الاختصاصات الذاتية على الاختصاصات الموكولة للجماعة في مجال معين بما يمكنها من القيام في حدود مواردها و داخل دائرتها الترابية بالأعمال الخاصة بهذا المجال، ولا سيما التخطيط والبرمجة والإنجاز والتدبير والصيانة.

تشمل الاختصاصات المشتركة بين الدولة والجماعة التي يتبين أن نجاعة ممارستها تكون بشكل مشترك. ويمكن أن تتم ممارسة الاختصاصات المشتركة طبقا لمبدأي التدرج والتمايز.

تشمل الاختصاصات المنقولة الاختصاصات التي تنقل من الدولة

إلى الجماعة بما يسمح بتوسيع الاختصاصات الذاتية بشكل تدريجي “.

وفي إطار التسهيلات الممنوحة للجماعات، فإن القانون التنظيمي للجماعات  نص على إمكانية إسناد البعض من هاته الاختصاصات إلى مجالس العمالات أو الأقاليم عملا بمنطوق المادة 84 منه التي أشارت إلى أنه ” تطبيقا لمقتضيات الفصل 146 من الدستور وخاصة البند التاسع منه المتعلق بالآليات الرامية إلى ضمان تكييف تطور التنظيم الترابي، وتفعيلا لمبدأ التفريع المنصوص عليه في الدستور، يمكن لمجالس الجماعات عند الاقتضاء أن تعهد بممارسة اختصاص أو بعض الاختصاصات الموكولة لها إلى مجلس العمالة أو الإقليم وذلك بطلب من الجماعة أو الجماعات الراغبة في ذلك، أو بطلب من الدولة التي تخصص لهذا الغرض تحفيزات مادية في إطار التعاضد بين الجماعات أو بمبادرة من العمالة أو الإقليم المعني.

يمارس الاختصاص أو الاختصاصات الموكولة قانونا للجماعات من طرف مجلس العمالة أو الإقليم بعد مداولة مجالس الجماعات المعنية والموافقة على ذلك. وتحدد شروط وكيفيات هذه الممارسة في إطار التعاقد” .

علاوة على ذلك، فبالنسبة للجهات أكدت المادة 6 من القانون التنظيمي الخاص بها على أنه ” طبقا للفقرة الأولى من الفصل 140 من الدستور، وبناء على مبدأ التفريع، تمارس الجهة الاختصاصات الذاتية المسندة إليها بموجب أحكام هذا القانون التنظيمي والنصوص المتخذة لتطبيقه، وتمارس أيضا الاختصاصات المشتركة بينها و بين الدولة، والمنقولة إليها من هذه الأخيرة وفق الشروط و الكيفيات المنصوص عليها في الأحكام المذكورة.

وطبقا للفقرة الثانية من الفصل 141 من الدستور، يتعين، عند نقل كل اختصاص من الدولة إلى الجهة، تحويل الموارد اللازمة التي تمكنها من ممارسة الاختصاص المذكور”.

الفقرة الثانية :التطبيقات العملية لمبدأ التفريع

إذا كان مبدأ التفريع ليس من الأمور المستجدة، إلا أن بصدور الدستور والقوانين التنظيمية المشار إليها أعلاه أضحى مسألة تكرس في العمق مفهوما مستحدثا بقوم على فكرة أساسية مفادها حسب البعض  أن ” السلطة المركزية لا يمكن لها أن تمارس إلا الاختصاصات التي لا يمكن للجهات أو الجماعات الترابية أن تمارسها بالنظر إلى خصوصية دورها الرئيسي أو بسبب محدودية الوسائل التي تتوفر عليها.

الاختصاصات الذاتية

نصت المادة 5 من القانون التنظيمي للجهات على أنه ” تطبيقا لأحكام الفصل 143 من الدستور، تتبوأ الجهة مكانة الصدارة بالنسبة للجماعات الترابية الأخرى في عمليات إعداد برامج التنمية الجهوية والتصاميم الجهوية لإعداد التراب وتنفيذها وتتبعها، مع مراعاة الاختصاصات الذاتية للجماعات الترابية الأخرى.

ويتعين على السلطات العمومية المعنية مراعاة مكانة الصدارة المشار إليها في الفقرة أعلاه “.

وبالرجوع إلى مقتضيات الميثاق الجماعي، نجد أنه حدد الاختصاصات الذاتية للمجلس الجماعي في عدة أمور

فبالنسبة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، فقد أقرت المادة 78 من القانون التنظيمي ما يلي: ” يضع الجماعة، تحت إشراف رئيس مجلسها، برنامج التنمية الجماعة وتعمل على تتبعه وتحيينه وتقييمه.

يحدد هذا البرنامج الأعمال التنموية المقرر إنجازها أو المساهمة فيها بتراب الجماعة خلال مدة ست (6) سنوات .

يتم إعداد برنامج عمل الجماعة في السنة الأولى من مدة انتداب المجلس على أبعد تقدير بانسجام مع توجهات برنامج التنمية الجهوية ووفق منهج تشاركي وبتنسيق مع عامل العمالة أو الإقليم، أو من ينوب عنه، بصفته مكلفا بتنسيق أنشطة المصالح اللامركزية للإدارة المركزية .

يجب أن يتضمن برنامج عمل الجماعة تشخيصا لحاجيات وإمكانيات الجماعة وتحديدا لأولوياتها وتقييما لمواردها ونفقاتها التقديرية الخاصة بالسنوات الثلاث الأولى وأن يأخذ بعين الاعتبار مقاربة النوع.

والملاحظ على أن المشرع في هذا المجال استعمل لفظ البرنامج  بدل المخطط الذي كان معمولا به في إطار الميثاق الجماعي سابقا، بحيث نصت المادة 36 من الميثاق الجماعي بما يلي: ”

  1. يدرس المجلس الجماعي مخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية للجماعة ويصوت عليه طبقا لتوجهات وأهداف مخطط وطني ولهذه الغاية:

-يضع برنامج تجهيز الجماعة في حدود وسائلها الخاصة والوسائل الموضوعة رهن إشارتها,

-يقترح كل الأعمال الواجب إنجازها بالتعاون أو بشراكة مع الإدارة والجماعات المحلية الأخرى أو الهيآت العمومية.

  1. يقوم بجميع الأعمال الكفيلة بتحفيز وإنعاش تنمية الاقتصاد المحلي والتشغيل ولهذه الغاية:

-يتخذ كل التدابير التي من شأنها المساهمة في الرفع من القدرات الاقتصادية للجماعة خاصة في مجالات الفلاحة والصناعة التقليدية والسياحة والخدمات.

-يقوم بالأعمال اللازمة للإنعاش وتشجيع الاستثمارات الخاصة ولاسيما إنجاز البنيات التحتية و التجهيزات وإقامة مناطق للأنشطة الاقتصادية وتحسين ظروف المقاولات,

-يبت في شأن مساهمة الجماعة في المقاولات وشركات الاقتصاد المختلط ذات فائدة جماعية أو ذات الفائدة المشتركة بين الجماعات و العمالات والأقاليم والجهات.

-يقرر إبرام كل اتفاقيات التعاون أو للشراكة من أجل إنعاش التنمية الاقتصادية والاجتماعية ويحدد شروط القيام بالأعمال التي تنجزها الجماعة بتعاون أو بشراكة مع الإدارات العمومية والجماعات المحلية والهبات العمومية أو الخاصة والفاعلين الاجتماعيين.

  1. يحدد شروط المحافظة على الملك الغابوي واستغلاله واستثماره في حدود الاختصاصات المخولة له بموجب الظهير.

وبالنظر إلى كون الشق الاقتصادي والاجتماعي للتنمية المحلية له ارتباط وثيق بالجانب المالي المحض، فقد اعتبر الميثاق المالية والجبايات والأملاك الجماعي من بين المسائل التي تدخل في ّإطار الاختصاصات الذاتية، بحيث أكد في المادة 37 على أنه :

  1. يدرس المجلس الجماعي الميزانية والحسابات الإدارية ويصوت عليها طبقا للشروط والشكليات المنصوص عليها في التشريع الجاري به العمل،
  2. يقرر فتح حسابات خصوصية واعتمادات جديدة ورفع مبالغ اعتمادات وتحويل اعتمادات من فصل إلى فصل,
  3. يحدد في نطاق القوانين والأنظمة المعمول بها سعر الرسوم وتعرفة الواجبات ومختلف الحقوق التي تقبض لفائدة الجماعة ،
  4. يقرر في الاقتراضات والضمانات الواجب منحه,
  5. يبث في الهبات والوصايا الممنوحة للجماعة,
  6. يسهر على تدبير الأملاك الجماعية والمحافظة عليها وصيانتها ولهذه الغاية:

-يقوم طبقا للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل بتحديد الأملاك العامة الجماعية وترتيبها وإخراجها من حيز الملك العمومي,

-يبث في الإقتناءات والتفويتات والمعاوضات والاكتراءات وكل المعاملات المتعلقة بعقارات الملك الخاص,

-يصادق على جميع أعمال تدبير أو احتلال الملك العمومي الجماعي مؤقتا,

-يقرر في شأن تخصيص بنايات عمومية والأملاك الجماعية طبقا للقوانين والأنظمة المعمول بها “.

وفيما يخص قضايا التعمير وإعداد التراب، فإن المادة 85 من القانون التنظيمي للجماعات  أشارت بوضوح إلى أنه: “مع مراعاة القوانين والأنظمة الجاري بها العمل، تختص الجماعة في مجال التعمير بما يلي:

-السهر على احترام الاختيارات والضوابط المقررة في مخططات توجيه التهيئة العمرانية وتصاميم التهيئة والتنمية وكل الوثائق الأخرى المتعلقة بإعداد التراب والتعمير؛

-الدراسة والمصادقة على ضوابط البناء الجماعية طبقا للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل؛

-تنفيذ مقتضيات تصميم التهيئة ومخطط التنمية القروية بخصوص فتح مناطق جديدة وفقا لكيفيات وشروط تحدد بقانون؛

-وضع نظام العنونة المتعلق بالجماعة، يحدد مضمونه وكيفية إعداده وتحيينه بموجب مرسوم يتخذ باقتراح من السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية”.

وهنا، فإنه كما جاء في الرسالة التي وجهها جلالة الملك للمشاركین في الملتقى الوطني لانطلاق إعداد مدونة التعمیر بتاريخ 03 أكتوبر 2005 على الجماعات الترابية ” أن تضطلع بمسؤولیاتھا الدقیقة، في النھضة العمرانیة المنشودة، بإبداء الرأي والإشراك في إعداد ومراقبة مخططات التھیئة والتعمیر، في نطاق اختصاصھا، وفي انسجام مع المشاریع والاستثمارات الھیكلیة الكبرى، مؤكدین ضرورة تقید المنتخبین والسلطات العمومیة، وكافة المواطنین والفاعلین في ھذا القطاع، بالضوابط والشروط المسطرة في التحملات المتعلقة بالتصامیم”.

وبالنسبة للمرافق والتجهيزات العمومية المحلية، فهي تدخل في صلب الاختصاصات الذاتية للجماعات الترابية، وهي منصوص عليها في المادة 83 من القانون التنظيمي

أما في مجال الوقاية الصحية والنظافة والبيئة، فقد صرحت المادة 40 من الميثاق الجماعي بأنه ” يسهر المجلس الجماعي على ضمان الوقاية الصحية والنظافة وحماية البيئة مع مراعاة الاختصاصات المخولة لرئيس المجلس بمقتضى المادة 50 بعده. ولهذه الغاية يتداول خاصة حول سياسة الجماعة في ميادين: حماية الساحل والشواطئ وضفاف الأنهار والغابات والمواقع الطبيعية ، الحفاظ على جودة الماء خاصة الماء الصالح للشرب والمياه المخصصة للسياحة ؛ تصريف ومعالجة المياه العادمة ومياه الأمطار؛ محاربة عوامل انتشار الأمراض المعدية؛ محاربة جميع أشكال التلوث والإخلال بالبيئة والتوازن الطبيعي .

وفي هذا الإطار فإن المجلس الجماعي يقرر خاصة في : إحداث وتنظيم المكاتب الجماعية للوقاية الصحية المصادقة على الأنظمة العامة الجماعية للوقاية الصحية والنظافة العمومية طبقا للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل’ .

ومن هنا، يمكن القول بأن القانون التنظيمي للجماعات أعطى لرئيس المجلس الجماعي صلاحيات واسعة في إطار الشرطة الإدارية  التي يدخل في نطاقها ما تم بيانه أعلاه، وهو ما يستشف أيضا من مقتضيات المادة 100 من هذا القانون .

لكن هذا المبدأ ليس على إطلاقه، بل إن المشرع حدد بعض الميادين الخاصة التي تخرج من صلاحيات رئيس المجلس الجماعي في إطار مزاولته لمهام الشرطة الإدارية، إذ أقرت المادة 110 من القانون التنظيمي بأنه:  ” يمارس رئيس مجلس الجماعة صلاحيات الشرطة الإدارية الجماعية باستثناء المواد التالية التي تخول بحكم هذا القانون التنظيمي إلى عامل العمالة أو الإقليم أو من ينوب عنه:

المحافظة على النظام والأمن العمومي بتراب الجماعة؛

تأسيس الجمعيات والتجمعات العمومية والصحافة؛

الانتخابات والاستفتاءات؛

النقابات المهنية؛

التشريع الخاص بالشغل ولاسيما النزاعات الاجتماعية؛

المهن الحرة ورخص الثقة لسائقي سيارات الأجرة؛

مراقبة احتلال الملك العمومي الجماعي؛

تنظيم ومراقبة استيراد الأسلحة والذخائر والمتفجرات وترويجها وحملها وإيداعها وبيعها واستعمالها؛

مراقبة مضمون الإشهار بواسطة الإعلانات واللوحات والإعلامات والشعارات؛

شرطة الصيد البري؛

جوازات السفر؛

مراقبة الأثمان؛

تنظيم الاتجار في المشروبات الكحولية أو الممزوجة بالكحول؛

مراقبة الدعامات وغيرها من التسجيلات السمعية البصرية؛

تسخير الأشخاص والممتلكات؛

التنظيم العام للبلاد في حالة حرب” .

أما بخصوص القانون التنظيمي للعمالات والأقاليم ، فقد نصت المادة 80 منه على أنه ” يضع مجلس العمالة أو الإقليم، تحت إشراف رئيس مجلسها خلال السنة الأولى من انتداب المجلس، برنامج التنمية للعمالة أو للإقليم وتعمل على تتبعه و تحيينه و تقييمه.

يحدد برنامج تنمية العمالة أو الإقليم لمدة ست سنوات الأعمال التنموية المقرر برمجتها أو إنجازها بتراب العمالة أو الإقليم، اعتبارا لنوعيتها و توطينها و كلفتها، لتحقيق تنمية مستدامة و وفق منهج تشاركي و بتنسيق مع عامل العمالة أو الإقليم بصفته مكلفا بتنسيق أنشطة المصالح اللاممركزة للإدارة المركزية.

يجب أن يتضمن برنامج تنمية العمالة أو الإقليم تشخيصا لحاجيات و إمكانيات العمالة أو الإقليم و تحديدا لأولوياتها و تقييما لمواردها و نفقاتها التقديرية الخاصة بالسنوات الثلاث الأولى و أن يأخذ بعين الاعتبار مقاربة النوع “.

وعليه، فالمستفاد مما ذكر ان وضع برنامج عمل الجماعة يجب أن يحمل في طياته اجابة عن مجموعة من الأهداف نذكر منها :

–         الربط بين التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و ضمان التوازن المجالي و الوظيفي مما سيؤدي الى توفر بنية تحتية و بيئية تساعد على زيادة التجهيزات الجماعية و توسيع فرص الاستثمارات الخاصة و العمومية بتراب الجماعة .

–          التوفر على رؤية تنبئية خلال التطورات المستقبلية و بصدقية اداء الجماعة خلال الست سنوات المقبلة .

–         التوفر على البنية التحتية و الظروف الكفيلة و المناخ اللازم لاستيطان رؤوس الاموال المحلية من جهة و  جلب الاستثمارات خارج النفوذ الترابي للجماعة من جهة اخرى .

–         تحقيق الادماج الاجتماعي لجميع الشرائح في المجتمع المحلي و امتصاص مواطن الهشاشة ، و العجز الاجتماعي بالنفوذ الترابي للجماعة ، من خلال تنفيذ تنمية متوازنة تستهدف الفئات المحتاجة داخل الجماعة

–          تعزيز كفاءة اداء الادارة المحلية الجماعية و ربطها في اطار تشاركي مع  القطاع الخاص و تنظيميات المجتمع المدني .

–         تحقيق تركيز استراتيجي افضل يساعد على تنسيق المشاريع و النشاطات وفق معايير قائمة على حساب النتائج  تساعد في التحقق من الفرص المحلية و تحديد القطاعات الواعدة .

–          العمل على التوظيف الامثل للموارد الجماعية و زيادة فرص النمو و تحسين الانتاجية و خلق فرص العمل من خلال انفتاح الجماعة على الفرص التي يتيحها محيطها الخارجي .

–         يحدد هذا البرنامج الهوية التنموية للجماعة في اطار المخطط الجهوي الشامل لجميع جماعات الجهة .

وجدير بالاشارة أن برنامج عمل الجماعة لا يجب أن نختزله في مجرد وثيقة استراتيجية تقنية للمجالس الجماعية ، و انما يجب أن نستوعبه في اطار مشروع مجتمعي مستقبلي يههم كل اطياف و مكونات الجماعة ، المطالبة بالمساهمة الفعلية و الانخراط الجاد و الفعال في عمليات اعداده و تنفيذه و تقيمه بغض النظر عن الفترات الانتدابية للمجالس الجماعية المتعاقبة ، انسجاما مع مبدأ استمرارية المرفق العمومي خدمة للصالح العام و دعما لدولة لمؤسسات .

علاوة على ما ذكر، فقد نص القانون التنظيمي للجماعات على أن التنمية داخل الجماعات الترابية رهينة بتطوير التجهيزات والحرص على صيانتها خاصة منها المتعلقة بالقرب من المواطن، ذلك أن المادة 83  أوضحت أنه: ”

بهذا الخصوص، انتهى القضاء المغربي في اجتهاد له إلى أنه ” حيث يهدف الطلب إلى الحكم بإلغاء قرار الرفض الضمني الصادر عن رئيس الجماعة القروية للجماعة القروية للسهول بعدم منح الترخيص للطاعن لبناء وتشييد وإنجاز واستغلال منتزه للترفيه ولألعاب الأطفال فوق القطعة الأرضية البالغة مساحتها 23000 متر مربع والتي اكتراها من الجماعة المذكورة بسومة سنوية قدرها 90.000,00 درهم الواقعة بجانب الطريق الوطنية رقم 6 بمركز العرجات بسلا موضوع مطلب التحفيظ مع شمول الحكم بالنفاذ المعجل وغرامة تهديدية قدرها 1000,00 درهم عن كل يوم تأخير في التنفيذ في حالة الامتناع.

حيث دفعت الجماعة المدعى عليها بكون القرار لم يخرج حيز الوجود بعد ويعتبر الطعن سابقا لأوانه، وأنها غير مسؤولة على أي تأخير في حصول الطاعن على الترخيص لأنه ليس ضمن التزاماتها المضمنة بالعقد

حول مشروعية المقرر المطعون فيه :  وحيث أسس الطاعن طعنه على وسيلتين اثنتين مستمدتين من عيب السبب ومخالفة القانون.

أولا: حول عيب  انعدام السبب  وحيث إن الثابت من أوراق الملف وخاصة عقد الكراء الرابط بين الطاعن والجهة المطلوبة في الطعن أنه اكترى منها قطعة أرضية مساحتها 2300 متر مربع لمدة 27 سنة لاستغلالها في منتزه للترفيه، وأنه منذ تاريخ 28/04/2004 وهو ينتظر صدور الترخيص لإقامة المشروع لكن دون جدوى رغم مكاتبتها.

وحيث إنه من المتفق عليه فقها وقضاء أن لكل قرار سبب، وأن السبب هو الواقعة المادية أو القانونية السابقة على صدور القرار الإداري تدعو رجل الإدارة إلى اتخاذ القرار الإداري اللازم لموقف ما وأن الإدارة لا تملك حرية مطلقة في إصدار القرار الإداري وإنما تتقيد إرادتها بسبب يبرر إصداره.

وحيث إن الإدارة لم تدل للمحكمة في معرض جوابها بما يفيد صحة الوقائع التي بني عليها سبب رفضها لمنح الترخيص للطاعن رغم تقيده بالمقتضيات المنصوص عليها في عقدة الكراء وأداء المقابل رغم عدم التمكين من الاستغلال، لاسيما وأن الوكالة الحضرية تنفي توصلها أصلا بالملف، مما يبقى السبب المثار المتمثل في رفض الوكالة غير جدي، وغير مؤسس لعدم ثبوت السبب .

ثانيا:حول عيب مخالفة القانون وحيث  إن رفض الجماعة الترابية الترخيص للطاعن بإحداث مشروع اقتصادي بدون سبب مشروع يشكل إخلالا منها بحرية المبادرة والمقاولة، والتنافس الحر المكرسة دستوريا في الفصل 35 من الدستور، وبمسؤوليتها في تيسير كل الوسائل المتاحة، لاستفادة الأشخاص كانوا مواطنين أم أجانب ،لا فرق في الحماية الدستورية، وعلى قدم المساواة، من الحق في الدعم من طرف السلطات العمومية في التشغيل الذاتي  ويندرج تحتها إحداث مقاولة طبقا للفصل 31 منه.

وفي نظرنا، يطرح الإشكال حول حدود كل جهة مختصة في ممارسة صلاحياتها دون التدخل في مجال جهة أخرى، لا سيما في تنفيذ برنامج الجماعة عند تنزيل المحاور المتعلقة بالشرطة الإدارية.

وبالتالي، يؤدي تعدد الأجهزة المتدخلة في ميدان الشرطة الإداريةإلى تداخل الاختصاصات في اغلب الأوقات وقد يؤدي إلى تنازعها بين مختلف هذه الأجهزة.

وتنشأ هذه النزاعات على مستوى الاختصاص أساساإذا لم يضع المشرع صراحة حدود الاختصاص الترابي وكذا الميداني لكل سلطة على حدى من السلطات المتدخلة .

فمثلا مساهمة الرئيس في المحافظة على المواقع الطبيعية والتراث التاريخي والثقافي، وحمايته، وذلك باتخاذ التدابير اللازمة طبقا للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل، نجد وزارة الثقافة مكلفة بذلك أيضا من خلال المرسوم 2.06.328 بتاريخ 18 شوال 1427 الموافق ل 10 نونبر 2006 بتحديد اختصاصات وتنظيم وزارة الثقافة . وهذا تجلي واضح في تداخل في اختصاص الشرطة الوطنية المتمثلة في وزارة الثقافة و المحلية المتجلية في رئيس المجلس الجماعي.

كذلك فيما يتعلق بمساهمة رئيس المجلس الجماعي في مراقبة جودة المواد الغذائية و المشروبات والتوابل المعرضة للبيع و الاستهلاك العمومي، فإننا نجد مصالح كثيرة تابعة للدولة تختص بهذا العمل، فمثال المحتسب نجد القانون رقم 81.807 المنظم له ولأمناء الحرف ينص في فصله الأول : ” يعهد إلى المحتسب دون غيره من السلطات داخل دائرة الاختصاص المكاني التي يزاول فيها مهامه، بمراقبة جودة وأثمان خدمات ومنتوجات الصناعة التقليدية و المنتجات الفلاحية والمواد الغذائية والمشروبات ومنتجات التزيين و النظافة … ” .

وينص الفصل 7 منه على أن يتولى المحتسب علاوة على الاختصاصات المسندة إليه في ميدان مراقبة جودة و أثمان المنتجات و الخدمات المبين في الفصل أعلاه، السهر على الصدق في المعاملات وعلى التقيد بما تفرضه قواعد المحافظة على الصحة و النظافة في الأسواق الحضرية و القروية وفي الأماكن التجارية … وهذه الاختصاصات تدخل أيضا في نطاق اختصاصات الشرطة الإدارية الجماعية الموكولة لرئيس المجلس الجماعي.

الاختصاصات المشتركة

نظم المشرع المغربي نطاق الاختصاصات المشتركة بين الجماعات الترابية والدولة في المادة 87 من القانون التنظيمي للجماعات ، إذ نصت على ما يلي: ” تمارس الجماعة الاختصاصات المشتركة بينها وبين الدولة في المجالات التالية:

-تنمية الاقتصاد المحلي وإنعاش الشغل،

-المحافظة على خصوصية التراث الثقافي المحلي وتنميته،

-القيام بالأعمال اللازمة لإنعاش وتشجيع الاستثمارات الخاصة، ولا سيما إنجاز البنيات التحتية والتجهيزات والمساهمة في إقامة مناطق للأنشطة الاقتصادية وتحسين ظروف عمل المقاولات.

ولهذه الغاية، يمكن للجماعة أن تساهم في إنجاز الأعمال التالية:

-إحداث دور الشباب

-إحداث دور الحضانة ورياض الأطفال

-إحداث المراكز النسائية

-إحداث دور العمل الخيري ومأوى العجزة

-إحداث المراكز الاجتماعية للإيواء

-إحداث مراكز الترفيه

-إحداث المركبات الثقافية

-إحداث المكتبات الجماعية

-إحداث المتاحف والمسارح والمعاهد الفنية والموسيقية

-إحداث المركبات الرياضية والميادين والملاعب الرياضية والقاعات المغطاة والمعاهد الرياضية

-إحداث المسابح وكلاعب سباق الدراجات والخيل والهجن

-المحافظة على البيئة

-تدبير الساحل الواقع في النفوذ الترابي طبقا للقوانين الجاري بها العمل

-تهيئة الشواطئ والممرات الساحلية والبحيرات وضفاف الأنهار الموجودة داخل تراب الجماعة

-صيانة مدارس التعليم الأساسي

-صيانة المستوصفات الصحية الواقعة في النفوذ الترابي للجماعة

-صيانة الطرقات الوطنية العابرة لمركز الجماعة ومجالها الحضري

-بناء وصيانة الطرق والمسالك الجماعية

-التأهيل والتثمين السياحي للمدن العتيقة والمعالم السياحية والمواقع التاريخية “.

الاختصاصات المنقولة

إن الاختصاصات المنقولة من لدن الدولة لفائدة الجماعات الترابية أو لصالح العمالات والأقاليم  تعد ترجمة فعلية وواقعية لنظام اللامركزية الذي يستند على قواعد تتعلق بالتنظيم الإداري و السياسي للدولة؛ باعتباره عملية ترمي إلى نقل أنشطة اقتصادية وخدمية من منطقة مركزية مسيطرة إلى أقاليم قليلة النمو .

فاللامركزية الإدارية فعل تقوم الحكومة عبره بنقل السلطة والمسؤولية رسميا إلى فاعلين ومؤسسات على مستوى أدنى في تراتبية سياسية وإدارية ومناطقية ، فهذا النقل للصلاحيات الإدارية يمكن الأقاليم من مزاولة عمل الدولة فيما يخص تنفيذ ومتابعة وتسيير الاستثمارات العمومية؛

وهكذا، فتحويل السلطات إلى الأقاليم يكون مصاحبا بتوفير الوسائل المالية الضرورية للتنمية الإقليمية اللامركزية في ظل مسار أو سياق تخلى بموجبه مركز عن جزء من سلطاته وامتيازاته، لصالح مجالات أخرى، فهي بهذا المعنى تحويل جزء من الصلاحيات إلى سلطات أدنى .

ولقد تم منح الأجهزة المنتخبة سلطات تقريرية تحت مراقبة الإدارة المركزية أو ممثليها المحليين, و يرتكز هذا النظام على قاعدة جغرافية أي ترابية.

وإن هذا المسار تم تتويجه باعتراف الدستور بوجود أشخاص أخرى خاضعة للقانون العام إضافة إلى الدولة وكذا الاعتراف بوجود حاجيات خاصة محلية يتم تدبيرها محليا من قبل السكان عن طريق ممثليهم المنتخبين؛ دون إغفال وجود مصالح محلية ذاتية تتمتع بالشخصية المعنوية، فإلى جانب المرافق التي تؤمنها الدولة (كالدفاع والبريد..)؛

وعليه، فقد تم الانتقال من جماعات مركزية إلى جماعات لامركزية  بحيث أسندت لها شخصية قانونية أي أن تكون مؤهلة للتمتع بالحقوق و تحمل الالتزامات؛ وللتمتع بالشخصية القانونية و الاستقلال المالي (ذمة مالية خاصة و ميزانية خاصة إمكانية تحصيل الموارد و استخدامها)؛ في سبيل ضمان مشاركة السكان على الصعيد المحلي في إدارة شؤونهم المحلية بواسطة ممثلين عنهم ينتخبونهم و هم ينتمون إلى نفس الوحدة الترابية؛ وفيما يخص الاختصاصات المنقولة ، لم يتم حصرها من طرف المشرع المغربي بدليل عبارة “بصفة خاصة ” التي استعملها لتحديد المجالات التي تشملها .

فتبعا للمادة 90 من القانون التنظيمي للجماعات، ” تحدد اعتمادا على مبدأ التفريع، مجالات الاختصاصات المنقولة من الدولة إلى الجماعة، وتشمل هذه المجالات بصفة خاصة :

-حماية وترميم المآثر التاريخية والتراث الثقافي والحفاظ على المواقع الطبيعية

-إحداث وصيانة المنشآت والتجهيزات المائية الصغيرة والمتوسطة “.

نعتقد أن هذه المادة لم تأت بّأي مستجد، بحيث اكتفى المشرع هنا بتكرار ما نص عليه الميثاق الجماعي في المادة 43 التي جاء فيها أنه ” يمارس المجلس الجماعي داخل النفوذ الترابي للجماعة الاختصاصات التي يمكن أن تنقلها إليه الدولة خاصة في المجالات التالية:

  1. إحداث وصيانة المدارس ومؤسسات التعليم الأساسي والمستوصفات والمراكز الصحية ومراكز العلاج
  2. إنجاز برامج التشجير وتحسين وصيانة المنتزهات الطبيعية المتواجدة داخل النفوذ الترابي للجماعة
  3. إحداث وصيانة المنشآت المائية الصغيرة والمتوسطة
  4. حماية وترميم المآثر التاريخية والتراث الثقافي والحفاظ على المواقع الطبيعية
  5. إنجاز وصيانة مراكز التأهيل والتكوين المهني
  6. تكوين الموظفين والمنتخبين الجماعيين
  7. البنيات التحتية والتجهيزات ذات الفائدة الجماعية.

يكون كل نقل للاختصاصات مقترنا وجوبا بتحويل الموارد اللازمة لممارسة هذه الاختصاصات ويتم هذا النقد حسب الحالة وفق النص التشريعي أو التنظيمي الملائم. ”

ولا جدال في أن عملية نقل الاختصاصات من الدولة إلى الجماعات الترابية تتم وفق ضوابط معينة تراعي مبدأين أساسيين هما مبدأ التدرج ومبدأ التمايز المنصوص عليهما في المادة 91 من ذات القانون  التي نصت على ما يلي ” يراعى مبدأ التدرج والتمايز بين الجماعات عند نقل الاختصاصات من الدولة إلى الجماعة.

طبقا للبند الرابع من الفصل 146 من الدستور، يكون تحويل الاختصاصات المنقولة إلى اختصاصات ذاتية للجماعة أو الجماعات المعنية بموجب تعديل هذا القانون التنظيمي “.

كما نصت المادة 79 من القانون التنظيمي للعمالات والأقاليم على أنه “تمارس العمالة أو الإقليم اختصاصات ذاتية داخل نفوذها الترابي في الميادين التالية:

–             النقل المدرسي في المجال القروي؛

–             إنجاز وصيانة المسالك القروية؛

–             وضع وتنفيذ برامج للحد من الفقر والهشاشة؛

–             تشخيص الحاجيات في مجالات الصحة والسكن والتعليم والوقاية وحفظ الصحة؛

–             تشخيص الحاجيات في مجال الثقافة و الرياضة “.

وهكذا، يلاحظ أن المشرع في القوانين التنظيمية الجديدة سواء بالنسبة للجماعات الترابية أو الجهات أو العمالات والأقاليم حسمت الأمر وتجاوزت الإشكاليات التي كانت مطروحة إبان سريان مفعول النصوص القديمة ولا سيما القانون رقم 96-47، بحيث لم يتم تحديد كيفية حدوث نقل الاختصاصات من الدولة إلى الجهات والجماعات من قبيل هل سيتم نقل الاختصاصات دفعة واحدة أو تدريجيا؟ هل ستنقل الاختصاصات لفائدة جهة دون أخرى؟ في ميدان دون آخر ولمشروع زمني محدد ؟

في موقفنا الشخصي، نميل إلى القول بأن مبدأ التفريع لن يجني ثماره بالشكل المطلوب إلا بعد تجاوز تداخل الاختصاصات التي تتخبط فيه الجماعات الترابية بالمغرب .

فالملاحظ أنه بالرغم من صدور النصوص الخاصة بالتنظيم الترابي وقف المنظور الجديد الذي أتى به الدستور، إلا أنه لازالت ظاهرة تداخل الاختصاصات حاضرة سواء فيما يتعلق باختصاصات الدولة والجماعات المحلية أو فيما يتعلق أيضا بعلاقة الجماعات الترابية فيما بينها وفيما بين هيئاتها كالمجموعات الحضرية سابقا واللجان المشتركة بين الجهات دون إغفال التداخل الحاصل بين الإدارات المختلفة التابعة للوزارات ومصالحها الخارجية الموجودة بالنفوذ الترابي للجماعات .

فالواقع العملي يكشف بوضوح ضعف انخراط المصالح الخارجية اللاممركزة للدولة في هذه الدينامية. فأغلب هذه المصالح لا تتوفر على اي سلطة للإجابة بالرفض أو القبول على العديد من المشاريع المبرمجة في المخططات الجماعية للتنمية التي تندرج في مجال اختصاصها، رغم تبنيها للتشخيص التشاركي الذي أسس عليه المخطط. ونرى أن المشرع المغربي في القانون التنظيمي للجماعات  لم يتطرق إلى اختصاصات أخرى ذات أهمية بالنسبة لدور الجماعات الترابية في التنمية عكيس الميثاق الجماعي  وهي اختصاصات استشارية. فهي تتلخص في ما يلي:

-تقديماﻟﻤﺠﻠﺲ اﻟﺠﻤﺎﻋﻲ اﻗﺘﺮاﺣﺎتوﻣﻠﺘﻤﺴﺎتوﺁراءللدولةواﻷﺷﺨﺎصاﻟﻤﻌﻨﻮﻳونالآﺧﺮوناﻟﺨﺎﺿﻌون ﻟﻠﻘﺎﻧﻮناﻟﻌﺎمفي  اﻷﻋﻤﺎلاﻟﻮاﺟﺐ اﻟﻘﻴﺎم ﺑﻬﺎ ﻹﻧﻌﺎشاﻟﺘﻨﻤﻴﺔ اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ واﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ واﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ ﻟﻠﺠﻤﺎﻋﺔ إذاكانتهذهاﻷﻋﻤﺎل ﺗﺘﺠﺎوز ﻧﻄﺎقاﺧﺘﺼﺎﺻﺎﺗﻬﺎ أو ﺗﻔﻮقاﻟﻮﺳﺎﺋﻞ اﻟﻤﺘﻮﻓﺮة ﻟﺪﻳﻬﺎ أواﻟﻤﻮﺿﻮﻋﺔ رهﻦ ﺗﺼﺮﻓﻬﺎ ؛

-الاطلاع ﻣﺴﺒﻘﺎ ﻋﻠﻰ كل ﻣﺸﺮوع ﺗﻘﺮرإﻧﺠﺎزﻩ ﻣﻦ ﻃﺮفاﻟﺪوﻟﺔ أوأﻳﺔ ﺟﻤﺎﻋﺔ أوهيئةﻋﻤﻮﻣﻴﺔ أﺧﺮى ﺑﺘﺮاباﻟﺠﻤﺎﻋﺔ؛

-إبداءالرأيوﺟﻮﺑﺎ ﺣﻮلكلﻣﺸﺮوع ﺗﻘﺮرإﻧﺠﺎزﻩ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ اﻟﺪوﻟﺔ أوأﻳﺔ ﺟﻤﺎﻋﺔ أوهيئةﻋﻤﻮﻣﻴﺔ أﺧﺮى ﺑﺘﺮاباﻟﺠﻤﺎﻋﺔ إذاكانسيترتبعنهﺗﺤﻤﻼتفيموارداﻟﺠﻤﺎﻋﺔ أو ﻳﻤﺲ ﺑﺎﻟﺒﻴﺌﺔ؛

-إبداء الرأي ﺣﻮل ﺳﻴﺎﺳﺎت وﺗﺼﺎﻣﻴﻢ إﻋﺪاد اﻟﺘﺮاب واﻟﺘﻌﻤﻴﺮ ﻓﻲ ﺣﺪود اﻟﻤﺠﺎل اﻟﺘﺮاﺑﻲ ﻟﻠﺠﻤﺎﻋﺔ، وﺣﻮل ﻣﺸﺎرﻳﻊ وﺛﺎﺋﻖ اﻟﺘﻬﻴﺌﺔ واﻟﺘﻌﻤﻴﺮ ﻃﺒﻘﺎ ﻟﻠﻘﻮاﻧﻴﻦ و اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﻤﻌﻤﻮل ﺑﻬﺎ؛

-إبداء الرأي كلما اﺳﺘﻮﺟﺒﺖ ذﻟﻚ اﻟﻘﻮاﻧﻴﻦ و اﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﻤﻌﻤﻮل ﺑﻬﺎ أو كلما ﻃﻠﺒﺘﻪ اﻟﺪوﻟﺔ أو ﻏﻴﺮها ﻣﻦ اﻟﺠﻤﺎﻋﺎت  اﻟﻌﻤﻮﻣﻴﺔ اﻷﺧﺮى ؛

-ﺗﻘﺪﻳﻢ اﻟﻤﻠﺘﻤﺴﺎت غير السياسية المتعلقة بﺠﻤﻴﻊ اﻟﻤﺴﺎﺋﻞ ذات اﻟﻔﺎﺋﺪة اﻟﺠﻤﺎﻋﻴﺔ، إﻟﻰ اﻟﺴﻠﻄﺎت اﻟﺤﻜﻮﻣﻴﺔ واﻟﻤﺆﺳﺴﺎت اﻟﻌﺎﻣﺔ واﻟﻤﺼﺎﻟﺢ اﻟﻤﺨﺘﺼﺔ.

وهاجس أخر يطرح بالنسبة للفاعلين الإداريين أو السياسيين بخصوص الاختصاصات المنقولة يتجلى في التخوف من التبعات المالية من جراء اتخاذ قرار بفرض ضرائب على المتعاملين مع الإدارة والمرتفقين وكذا عموم المواطنين أو الرفع منها بطريقة غير متوقعة في الميزانية مسبقا .

وكخلاصة فمبدأ التفريع يعد من الوسائل الحديثة المتبعة في الأنظمة اللامركزية، وهو مبدأ يقوم على التوزيع في الاختصاصات، أي ما يستطيع الأدنى القيام به يترفع عنه الأعلى وما يعجز عنه الأدنى يتولاه الأعلى . وبذلك فيصبح الإقليم اتباعاً لمبدأ التفريع يقوم بما لا يمكن للجماعة أن تقوم به، والجهة تتكفل بما لا يمكن إسناده للجماعات الترابية أن تقوم به، والدولة تمارس الاختصاصات التي لا يمكن إسنادها للجماعات الترابية، أي سيتم تشييد الدولة من القاعدة للقمة، ولا يمكن أن تتدخل في المستقبل إلا على أساس التعويض، أو التصحيح للنقائص، أو التقوية في حالة العجز لدى الجماعات الترابية، و عملا بهذا المبدأ تصبح الواجبات موزعة حسب كل مستوى قادر على العمل كما يجبر الجماعات الأدنى كلما أبانت عن المقدرة والاستعداد اللازمين

كما أن مبدأ التفريع يسمح بتنظيم القدرة على اتخاذ القرارات بشكل سريع وفوري دونما الحاجة إلى انتظار توجيهات وأوامر آتية من فوق، الشيء الذي يجعل الجهات قادرة على إغناء نفسها عن طريق اتساع الخيرات مع المكونات المجتمعية الأخرى الفاعلة على المستوى المحلي. وهو بهذا المعنى يقترح بشكل طبيعي تنظيماً ترابياً بسيطاً، مرناً وملائماً كأحد شروط لتحقيق التنمية.

خاتمة

من خلال ما سبق، يتضح أن الحكامة الترابية هي دعوة صريحة لتجاوز حالة اللاتوازن في مختلف المجالات المحلية الناتج عن أحادية صنع القرار دون مراعاة لمعايير الحكامة المعتمد على عناصر المشاركة في مختلف مراحل إعداد المشاريع والقرارات ابتداء من التشخيص مرورا بالبرمجة واللوجستيك والتنفيذ، ووصولا إلى التقييم و المحاسبة و المساءلة .

يعتبر مشروع الجهوية المتقدمة نمط من تصور المجتمع للكيفية التي يرها لتدبير وتسير شؤونه والنهوض بتنمية مجاله، ومما لا شك فيه فالمغرب أصبح مقتنعا بضرورة السير في تفعيل هذا الورش الكبير والذي يعطي للجهة الاليات والوسائل التي تساعدها على انعاش و تنمية مجالها.

فبالرغم من كل هذا، يبقى تفعيل مشروع الجهوية بالمغرب يتخللها مجموعة من العوائق التي تقف عائقا وتحد من مدى فعالية الجهوية، إلا أنه بعد نشر تقرير اللجنة الاستشارية للجهوية تبين أن المشروع المقترح يندرج ضمن الفلسفة التقليدية لتدبير التراب. ثم بعد ذلك جاء دستور 2011 ليؤكد هذه الأطروحة، فبالرغم من تنصيصه على مجموعة من المبادئ الضرورية لجهوية متقدمة، كمبدأ التدبير الحر ومبدأ التفريع، فإنه في المقابل يختصر دورها في المساهمة، إلى جانب الجماعات الترابية الأخرى، في تفعيل السياسة العامة للدولة ولا يحق لها إعداد السياسات الترابية إلا من خلال ممثليها في مجلس المستشارين.

فمن بين المعيقات التي تحول دون تفعيل ورش الجهوية بالمغرب:

  • المستوى القانوني

لاشك أن النصوص القانونية تعد المرآة العاكسة لمركز أي تنظيم إداري، إلا أنه بالرغم مما تتمتع به المجالس الجهوية من اختصاصات واسعة في مجال التدبير الشأن العام الجهوي والمحلي، فإن عدم تفعيلها بإخراجها إلى حيز الوجود من الناحية العملية، قد يؤدي في نهاية المطاف إلى الاقتصار على عقد اجتماعات الدورات العادية والاستثنائية للمجالس الجهوية واجتماعات اللجان الدائمة لهذه المجالس التي قامت بصياغة التوصيات و الملتمسات دون أن تعرف هذه الأخيرة طريقها إلى التنفيذ.

وإذا كان القانون التنظيمي للجماعات الترابية قد تضمن فعلا مجموعة من المستجدات القانونية المنسجمة مع روح الدستور، فإن ما يعاب عليه أنه جاء تقريبا “نسخة طبق الأصل للقانون التنظيمي للجهات وكذا القانون التنظيمي للعمالات، والفارق بينهما في التسمية فقط ” .

  • على المستوى السياسي:

هناك عدة اشكالات مرتبطة بنظام انتاج النخب المحلية هذا المعطى يشكل أحد المعوقات الاساسية لتطور ديمقراطي حقيقي للمِؤسسات. حيث يبقى الاقتصاد الوطني يشكو من الريع و المضاربة في وقت يتقوى موقع لوبيات الفساد داخل المؤسسات السياسية التي يتم تطويرها و تسخيرها لحماية المصالح الشخصية اللوبيات المحلية .

ويتم ذلك عبر الخلط والمزج بين السلطتين الاقتصادية والسياسية ما يساهم ويساعد على خلق الثروات غير المشروعة و الغير القانونية حيث اصبح الوصول الى المواقع السياسية نتاج لمعاملات مادية و انتهازية و المحسوبية و الزبونية و ليس نتاجا للاستحقاق .

هذا ما يؤثر بشكل كبير على البناء المؤسساتي واضعاف بنياتها عن طريق سلوك النخب من نهب للمال العام على كل المستويات التمثيلية محلية كانت أو جهوية أو وطنية .كذلك هناك اختلالات اخرى مرتبطة بالمواطن من خلال غياب الوعي السياسي ما يتجلى في عدم انعدام المراقبة الفعلية عن طريق المجتمع المدني والراي العام باعتماد على الالية العقابية المتمثلة في عدم اعادة التصويت على نفس النخب في الانتخابات.