تأثير حالة الطوارئ الصحية على الحقوق والحريات

28 مايو 2020
تأثير حالة الطوارئ الصحية على الحقوق والحريات

تأثير حالة الطوارئ الصحية على الحقوق والحريات

معلوم أن العالم بصفة عامة والمملكة المغربية بصفة خاصة تعيش ظروف إستثنائية بسبب تفشي فيروس كورونا ” كوفيد 19″، مما دفع العديد من الدول ومن بينها المغرب الاعلان عن حالة الطوارئ، في إطار الاستعجال والضرورة الملحة.

مما يقتضي سن تدابير تكون في طبيعتها وشروطها والاثر والمتوخى منها، كفيلة بتحقيق الأهداف الدستورية التي منها تستمد أصلا مبرر وجودها وأن لا تتجاوز في ذلك حدود الضرورة،عملا بمبدأ تطابق القواعد القانونية المتخذة مع الهدف المتوخى منها، وأن تكون تدابير إستثنائية محدودة في الزمن يتوقف العمل بها بمجرد تحقق الأهداف التي بررت اللجوء اليها، وهو أمر يعود تقديره للمشرع الذي يسوغ له أيضا إعتماد تدابير قانونية أخرى، وكل ذلك في حدود ما تقتضيه الضرورة.

وعليه يمكن أن نتساءل عن ماهي  أسس تقييد الحقوق والحريات في حالة الطوارئ؟ وما طبيعة الإجراءات والتدابير  المتخذة في حالة الطوارئ.

للإجابة عن هذه الاسئلة نقسم الموضوع الى مطلبين:

المطلب الأول: أسس تقيد الحقوق والحريات في حالة الطوارئ

الفقرة الأولى: تقييدالحقوق والحريات في المواثيق الدولية

الفقرة الثانية: مداخيل تقييد الحقوق والحريات في القانون المغربي

المطلب الثاني: طبيعة الإجراءات والتدابير المتخدة في حالة الطوارئ

الفقرة الأولى: مراسم قوانين مؤقتة

الفقرة الثانية: سريان القوانين المؤقتة في الزمان والمكان

المطلب الأول: أسس تقييد الحقوق والحريات في حالة الطوارئ

الأصل أن يتمتع الجميع بالحقوق والحريات التي تضمن الكرامة والحرية والعدل والسلام في بقاع العالم دونما تقييد، إلا في إطار ما تتمتع  به حقوق الانسان بحماية النظام القانوني. غير أن هذه الحقوق التي تكفلها المواثيق الدولية ودساتير وقوانين البلدان، قد تعرف تقييد في حالات الطوارئ تفرضها ظروف اسثنائية تجعل الدول تتخذ بعض الإجراءات والتدبير تقيد بها بعض الحقوق لحماية حق أخر اسمى يرتكز عليه الوجود الا وهو الحق في الحياة.

ولذلك فإن الحديث عن تقيد الحقوق والحريات في حالات الطوارئ لن يكون الا إذا نظرنا الى ماجاء في المواثيق الدولة (الفقرة الاولى) دون إغفال مداخيل تقييد الحقوق ولحريات في القانون المغربي.

الفقرة الأولى: تقييد الحقوق والحريات في المواثيق الدولية.

قد إختار المغرب أن يكون عضو فاعلا في المنتظم الدولي، و أعلن حماية منظومتي حقوق الانسان والقانون الدولي الانساني والنهوض بها والاسهام في تطوريها، مع مراعاة الطابع الكوني لتلك الحقوق وعدم قابليتها للتجزئ. كما جعل الاتفاقيات الدولية[1]، التي صادق عليها المغرب[2]، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية، والعمل على ملاءمة هذه التشريعات، مع ما تتطلبه المصادقة. ولما كان المغرب قد أقر الاعلان العالمي لحقوق الانسان وصادق على العهدين الدوليين، وأن الدول تلتزم بما صادقت عليه بمحض إرادتها وفي نطاق سيادتها. فإن هذه المواثيق الدولية تعطي الحق للدول في تقييد الحقوق والحريات، ومن ذلك ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 29 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان التي نصت على أنه في الاصل  ” لا يخضع أي فرد، في ممارسة حقوقه وحرياته، الا للقيود التي يقررها القانون مستهدفا منها، حصرا ضمان الإعتراف الواجب بحقوق وحريات الأخرين واحترامها، والوفاء بالعادل من مقتضيات الفضيلة والنظام العام ورفاه الجميع في مجتمع ديمقراطي” وبالرغم من أن هذه الفقرة لا تتحدث عن تقييد الحقوق والحريات في حالة الطوارئ مباشرة، الا أنها تتضمن مفاهيم مرنة من قبل “الفضيلة والنظام  العام” التي يمكن أن تتخذ كمعيار لسن تدابير واجراءات تقيد حقوق وحريات الافراد. نفس الأمر نصت عليه المادة 4 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حيث جاء فيها “ تقر الدول الأطراف في هذا العهد بأنه ليس للدولة أن تخضع التمتع بالحقوق التي تضمنها طبقا لهذا العهد الا للحدود المقررة في القانون، والا بمقدار توافق ذلك مع طبيعة هذه الحقوق، وشريطة أن يكون هدفها الوحيد تعزيز الرفاه العام في مجتمع ديمقراطي” في المقابل نجد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والساسية ينص في المادة 4 منه  صراحة على أن” في حالات الطوارئ الاستثنائية التي تتهدد حياة الأمة، والمعلن عن قيامها رسميا، يجوز للدول الأطراف في هذا العهد أن تتخذ، في أضيق الحدود التي يتطلبها الوضع، تدابير لا تتقيد بالالتزامات المترتبة عليها بمقتضى هذا العهد” وفقا للشروط التي حددتها المادة نفسها. كما نصت  الفقرة الثالثة من المادة 13 من نفس العهد على أنه ” لا يجوز  تقييدالحقوق المذكرة أعلاه بأية قيود غير تلك التي ينص عليها القانون، وتكون ضرورية لحماية الأمن القومي او النظام العام او الصحة العامة او الأداب العامة او حقوق الأخرين وحرياتهم، وتكون متمشية مع الحقوق الأخرى المعترف بها في هذا العهد.” ولما كانت هذه المواثيق الدولية تجيز للدول الأطراف اتخاذ ما تراه ملائم في حالات الطوارئ من تدايبر وإجراءات تقيد بها حقوق وحريات الافراد تفرغ في شكل قوانين تحدد حدود ممارستها او منعها مدة محددة تفرضها الضرورة الملحة. فما هي مداخيل تقييد الحقوق والحريات في القانون المغربي.

الفقرة الثانية: مداخل تقييد الحقوق والحريات في القانون المغربي

في ظل حالة الطوارئ الصحية المعلنة بالمغرب وامام غياب مقتضى دستوري ينص صراحة بتقيد حقوق وحريات الافراد. بإسثناء ما نص عليه الفصل 59 من دستور2011 و وهو فصل غير مفعل في هذه الظروف. وإستحضارا لما تم التنصيص عليه تصدير الدستور بخصوص “جعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية…” وعلما أن التصدير جزء لا يتجزأ من هذا الدستور. فإن إعمال مقتضيات المواثيق الدولية المصادق عليها والمنشورة الجريدة الرسمية هي المدخل الاساسي لتقييد الحقوق والحريات في حالة الطوارئ من خلال سن مرسوم بقانون رقم 2.20.293 صادر في 28 من رجب 1441 (23 مارس 2020) بإعلان حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني لمواجهة تفشي فيروس كورونا-كوفيد10-، وكذا  مرسوم بقانون رقم 2.20.292 صادر في 28 من رجب 1441 (23 مارس 2020) يتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها. الذي بمقتضاه تم الاعلان في المادة الاولى منه حالة الطوارئ الصحية بمجموع أرجاء التراب الوطني. وقيد مجموعة من الحقوق والحريات في المادة الرابعة منه بسن مجموعة الجزاءات تنصب على حريتهم واموالهم في حق كل من لم يتقيد بالاوامر والقرارت الصادرة من السلطات العمومية المشار إليها في المادة الثالثة من نفس المرسوم، والتي نص فيها المشرع على عقوبة حبسية من شهر ألى ثلاثة أشهر وبغرامة تتراوح بين 300 و 1300 درهم  لكل من لم يتقيد بحالة الطوارئ، وعاقب على كل فعل يعرقل تنفيذ قرارات السلطات العمومية المتخذه تطبيقا لهذا المرسوم بقانون بكل الوسائل المنصوص عليهها في الفقرة الثالثة من نفس المادة الرابعة المذكورة. كما أنه نص في المادة السادسة على وقف سريان مفعول جميع الاجال المنصوص عليها في النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل خلال فترة حالة الطوارئ الصحية المعلن عنها، ويستفاد من هذا المقتضى أن المشرع قيد حقوق الاشخاص وممارستها طبقا لما ينص يضمنه القانون في الحالات العادية. مع مراعاة الفقرة الثانية من نفس المادة والتي بقي العمل بها في حالة الطوارئ الصحية حفاظا على حقوق وحريات الاشخاص التي تمس قرينة البراءة، لتفادي حرمان الشخص من حريته التي تقيد في حالة الوضع تحت الحراية النظرية والاعتقال الاحتياطي، وترك أجل الطعن بالاستئناف لممارسة حق التقاضي على درجتين وتصحيح ما يمكن تصحيحه من المحكمة الأعلى درجة داخل أجل معقول كضمانة من ضمانات المحاكمة العادلة وعدم المس بقرينة البراءة.  غير أن هذه المراسيم لها طبيعة خاصة تتميز بها من حيث تشريعها وكذا تطبيقا من حيث الزمان والمكان، الأمر الذي سنحاول الاحاطة به في المطلب الثاني بعد أن قدمنا في المطلب الأول أسس تقييد الحقوق الحريات في حالة الطوارئ.

المطلب الثاني: طبيعة الاجراءات والتدابير المتخذة في حالة الطوارئ

تتميز الاجراءات والتدابير المتخذة بطبيعة خاصة في حالة الطوارئ، كونها تدابير إستثنائية محدودة في الزمن يتوقف العمل بها بمجرد تحقيق الأهداف التي ببررت اللجوء اليها، وأن لا تتجاوز في ذلك حدود الضرورة، وتخضع لمساطر خاصة في تشريعها نظرا لأستعجالها في شكل مراسم قوانين مؤقتة.

الفقرة الأولى: مراسم قوانين مؤقتة

في نطاق أحكام الدستور خاصة تلك المنصوص في الفصل 70 الذي ينص على أنه “يمكن للقانون أن يأذن للحكومة أن تتخذ في طرف من الزمن محدود، ولغايته معينة، بمقتضى مراسيم تدابير يختص القانون عادة باتخاذها…” بالاضافة الى ما تم النصيص عليه في الفصل 81 من الدستور على أنه ” يمكن للحكومة أن تصدر، خلال الفترة الفاصلة بين الدورات، بإتفاق مع اللجان التي يعنيها الأمر في كلا المجلسين، مراسيم قوانين، يجب عرضها بقصد المصادقة عليها من طرف البرلمان، خلال دورته العادية الموالية”

ولما كانت مراسيم القوانين تتخذها الحكومة سواء في الفصل 70 او 81 من الدستور، لا يخضع اعتمادها لكامل المسطرة التشريعية المقررة في الدستور، مما يجعل سريانها يتم فور نشرها في الجريدة الرسمية ولا يتوقف على صدور أمر بتنفيذها كما تقتضي ذلك أحكام الفصل 50 من الدستور، الذي ينطبق على القوانين دون سواها.

وبناء على ذلك،” فإن مراسيم القوانين لا تكسب صبغة قانون الا بعد المصادقة عليها من قبل البرلمان بمجلسيه[3]

وتماشيا مع حالة الطوارئ المعلن عنها بالمغرب فإن سريان هذه المراسيم بقانون يبدأ فور نشرها بالجريدة الرسمية ، ، وتطبيق مجموع التدابير والاجراءات المعلن عنها في هذه المراسيم، مع الاشارة الى أن هذه القوانين المؤقتة ومرتبطة بظروف سنها.

الفقرة الثانية: سريان القوانين المؤقتة في الزمان والمكان

بمقتضى الفصل10 من مجموعة القانون الجنائي المغربي الذي ينص على أنه” يسرى القانون الجنائي المغربي على كل من يوجد بإقليم المملكة من وطنيين وأجانب وعديمي الجنسية…” فإن هذا الفصل يحدد نطاق تطبيق القانون الجنائي من حيث المكان والاشخاص. وهو أمر يسري على جميع القوانين بما فيها القوانين المؤقتة. غير أن المشرع إستثنى هذه الأخيرة من حيث سيرانها في الزمان وجعلها غير خاضع للقواعد العامة التي توقف تنفيذها وكذلك إستثناء من قاعدة تطبيق القانون الأصلح للمتهم. بحيث نص في الفصل 7 من مجموعة القانون الجنائي على أنه “لا تشمل مقتضيات الفصلين 5و6 القوانين المؤقتة التي تظل ولو بعد إنتهاء العمل بها، سارية على الجرائم المرتكبة خلال مدة تطبيقها”، هذا الفصل يعد إستثناء من قاعدة رجعية  النص الأصلح للمتهم. فإذا باشر الجاني سلوكا جرم بناء على قانون صادر لفترة محددة، ثم إنتهت هذه الفترة وأصبح السلوك محكوما بالقانون العادي الذي لا يجرمه او الذي يعاقب عليه بعقوبة أخف. مما يقتضي إعمال قاعدة رجعية النص الأصلح للمتهم الاستفادة من تطبيق القانون العادي عليه. غير أن هذا الفصل قضى باستمرار خضوع السلوك للقانون المحدد الفترة الذي كان نافذ وقت إتيان السلوك.

والحكمة التي أملت النص على هذا الاستثناء أن القانون المحدد الفترة يصدر لمواجهة ظروف خاصة، والمفروض أنه سيلغى بزوال هذه الظروف، فإذا قام شخص بمخالفته وقت نفاذه، تعين معاقبته وفقا لأحكامه حتى بعد إلغاء القانون، لأنه لم يراعي المبررات الخاصة التي دعت لأصداره.

وكذلك ما نص عليه الفصل 52 من القانون الجنائي الذي جاء فيه” بإستثناء الحالة المنصوص عليها في الفصل 7 بخصوص تطبيق القوانين المؤقتة فإن إلغاء قانون جنائي يحول دون تنفيذ العقوبة المحكوم بها…” ويستفاد من هذا المقتضى أن القوانين المؤقتة إستثناء من الاستفادة من إلغاء القانون الذي حوكم به. وبالتالي العقوبة المحكومة بها على الشخص في إطار القوانين المؤقتة تظل سارية لو بعد إلغاء هذه القوانين.

ختاما تلكم أسس تقييد الحقوق والحريات في ظل حالة الطوارئ وكذا بعض مميزات هذه القوانين المؤقتة التي تؤسس للإطار القانوني الذي يحدد سلوك الفرد المجرم. ونص قانوني يمكن توقيع الجزاء به على كل من خالف هذه المقتضيات. في إطار سلطة الملاءمة لقضاة النيابة العامة لإقامة الدعوى العمومية او عدم إقامتها تبعا لسلطتها التقديرية. وكذا تفريد العقاب من قبل قضاة الحكم  بناء على سلطتهم التقديرية.

نظرا للغاية المتوخاة من هذه القوانين المحددة في الزمان ولضرورة ملحة والمستعجلة من أجل الحفاظ على الأمن الصحي للبلاد، إستحضارا لهذه الغاية ولما تسببه العقوبات السالبة للحرية من أضرار ومساوئ للمعتقل ولأسرته فضلا عن ارتفاع تكاليف تنفيذها. نرى أنه من المفيد اعمال مسطرة الصلح في قضايا المعتقلين على خلفية خرق حالة الطوارئ ما لم يكن الشخص المعتقل إقترن  فعله أو إرتبط بفعل أخر معاقب عليه بعقوبات أشد. إعمالا للمادة 41 من قانون المسطرة الجنائية التي جاء فيها من بين شروط تطبيقها، عدم وجود مشتكي، وأن يكون الفعل معاقب عليه بسنتين حبسا او أقل أو بغرامة لا يتجاوز حدها الأقصى 5000 درهم. والحالة  هذه يمكن لوكيل الملك أن يقترح على المشتبه فيه صلحا يتمثل في أداء نص الحد الأقصى للغرامة المقررة للجريمة، أجل التخفيف عن المحاكم وتجنيب المشتبه به متاعب المحاكمة وربح الزمن القضائي والتخفيف على قضاء الحكم ، وكذا  تجنيب المشتبه به العقوبة الحبسية وما يترتب عن الحكم من أثار  وتضمين الحكم بالسجل العدلي.

الإحالات 

[1] الاعلان العالمي لحقوق الانسان، اعتمد على الملأ بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 217 ألف(د-3) المؤرخ في 10 ديسمبر 1948

[2] العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والساسية، قام المغرب بإيداع أدوات التصديق في 03 ماي 1979 حيث صادق عليه بظهير رقم 4-78-1 الصادر في 27 مارس 1979، ودخل حيز النفاذ وطنيا في 03 غشت 1979 وصدر في الجريدة الرسمية عدد 3525 بتاريخ 21 ماي 1980.

_العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، قام المغرب بإيداع أدوات التصديق في 03 ماي 1979 حيث صادق عليه بظهير رقم 4-78-1 الصادر في 27 مارس 1979، ودخل حيز النفاذ وطنيا في 03 غشت 1979 وصدر في الجريدة الرسمية عدد 3525 بتاريخ 21 ماي 1980.

[3] _ قرار المجلس الدستوري رقم 944 بتاريخ 18 شتنبر 2014