محظورية الاتفاقات غير المباشرة المنافية للمنافسة في التشريع المغربي

6 يونيو 2020
محظورية الاتفاقات غير المباشرة المنافية للمنافسة في التشريع المغربي

محظورية الاتفاقات غير المباشرة المنافية للمنافسة في التشريع المغربي

 

إن موضوعا من قبيل الاتفاقات المنافية للمنافسة لهو موضوع ذو ارتباطات عدة، حيث يلتقي فيه ما هو قانوني بما هو اقتصادي، بل قد تتقاطع فيه حتى الموضوعات ذات المجال الواحد، فحرية الأسعار والمنافسة مثلا أمران متلازمان تربط بينهما علاقة تأثير وتأثر، فأي تغيير يلحق الأسعار يصيب المنافسة آثاره، والعكس أيضا يُتصور.

ولئن كانت النزعة الفردانية وحب الظهور جِبِلَّةُ الأفراد الذاتيين الطبيعيين، فإنها كذلك بالنسبة لبعض الأشخاص المعنوية الخاصة كالشركات التجارية والمقاولات على مختلف أنواعها وكل المنشآت الاقتصادية التي يكون هاجس الربح هو الغرض من وراء تأسيسها، ففي سبيل ذلك قد تسلك بعض الطرق اللاأخلاقية كالتواطىء مع منشآة ضد أخرى أو مجموعة من المنشآت الأخريات، بل الأقذر من هذا كله التواطىء ضد مصلحة المستهلكين أنفسهم، عبر المساس إما بالأسعار أو الجودة أو الكمية وغيرها.

وتعدد صور التعدي التي تقترفها هذه الجهات هو ما يجعل من الصعب تعريف الاتفاقات المنافية للمنافسة نفسها، فلا يتعين بالضرورة أن تأخذ الاتفاقات المنافية للمنافسة شكل اتفاق كما يحمل اسمها (التوافق الصريح للإرادات)، وإنما قد يتحقق ذلك بصور شتى، فإذا علمنا أن الاتفاقات المنافية للمنافسة هي كل تواطىء بين إرادة منشأتين اقتصاديتين أو أكثر، أو كل مقاولة أو فاعل اقتصادي على تقييد المنافسة أو عرقلتها أو الاعتداء على السوق…، فإن هذه التحالفات قد تأخذ أكثر من صورة مجرّمة.

وهنا يَطرح الاشكال المركزي للموضوع نفسه حيث يمكن صياغته على النحو التالي:

إلى أي حد تستوعب الأحكام القانونية شوائب الواقع على مستوى الاتفاقات المنافية للمنافسة؟

ولا يمكن الإجابة عن هذا الإشكال العام دون العرض لبعض الأسئلة الفرعية التي تهدي في النهاية لمعرفة جوانب الجواب من قبيل:

ماذا نعني بالاتفاقات المنافية للمنافسة ومختلف صورها؟ وكيف هو تقييم عمل الأجهزة التي خولها القانون صلاحية التصدي لهذه الاتفاقات؟

وهذا تحديدا ما يمكن ما يفرض تقسيم الموضوع لنقطتين، ترمي الأولى إلى محاولة الإلمام بمختلف صور الاتفاقات المنافية للمنافسة، بينما تُخصص الثانية لتقييم جهود مختلف الفاعلين الهادفين لمكافحة آفة المنافسة الغير مشروعة.

النقطة الأولى: مختلف صور الاتفاقات الغير مباشرة المنافية للمنافسة

نعرض في هذه النقطة الأولى لكل من الاتفاقات الغير مباشرة المنافية للمنافسة التي أتى بها القانون رقم 104.12 (أولا)، على أن أتناول الاتفاقات الغير مباشرة المنافية للمنافسة من الناحية الواقعية وعن قُصور القانون المذكور وغيره عن استيعابها (ثانيا).

أولا: الاتفاقات غير المباشرة المنافية للمنافسة بحسب القانون 104.12.

كثيرة هي الاتفاقات المنافية للمنافسة والتي أتى التنصيص عليها بموجب القانون رقم 104.12 قيد الدراسة، والتي يمكن تعدادها على النحو الآتي:

  • رفض البيع:

يلاحظ أن هذه المخالفة مشتركة بين كل من قانون تدابير حماية المستهلك رقم 31.08  (المادة 57)، والقانون المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة رقم 104.12 (المادة 7 الفقرة الثانية)، وذلك عندما لا يكون لهذا الرفض سبب مقبول.

  • البيع بعروض أسعار تكون منخفضة بصورة تعسفية:

أي البيع بأدنى من تكاليف الإنتاج والتحويل والتسويق، وهو الأمر الذي يفترض فيه المشرع ان المراد منه هو إقصاء منشأة صغيرة أو متوسطة في الغالب أو أحد منتوجاتها أو الحيلولة دون دخولها إلى السوق (المادة 8) من القانون رقم 104.12.

  • صورة تدخل الدولة:

لا يكون الاختلال الذي قد تعرفه المنافسة والأسعار دائما وليد ظروف غير مشروعة تُحْبَك في السر داخل الأجهزة الداخلية للمقاولات المنتجة للسلع أو الخدمات، وإنما قد ينتج عن ظروف مشروعة قد تفرز احتكارا قانونيا، كالحالة التي تتدخل فيها الإدارة لدعم بعض القطاعات أو المواد عند الإنتاج أو التسويق (المادة 3 من القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة). فلا يعني ذلك أننا أمام اتفاق منافي للمنافسة وإنما تدخل الدولة هنا فرضته سياسة تقويمية لقطاع معين. فقد يحصل أن شريحة مهمة من المواطنين لا يمكنها اقتناء منتوج أو منتوجات معينة، أو لولوج خدمة أو خدمات معينة نظرا لمحدودية مستوى دخلها وهنا يتطلب الأمر تدخل السلطات العمومية عن طريق دعم هذه المنتوجات أو تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، أو كالحالة التي تتدخل فيها الدولة لتشجيع بعض المقاولات الصغرى أو المتوسطة في قطاع معين كقطاع الفلاحة مثلا شريطة أن يرتبط هذا التدخل بتحقيق غاية محددة في مدة محدودة ثم يُترك السوق بعد ذلك يعمل وفق نظامه التنافسي الطبيعي[1].

  • صورة اتفاق المنشآت الصغرى من غير عرقلة المنافسة

يدخل في حكم الاتفاقات المشروعة الاتفاقات الرابطة بين المنشآت الصغرى والتي لا تعرقل سير المنافسة (الفقرة الأخيرة من المادة 9 من القانون رقم 104.12).

لا ينبغي أن يُفهم أن الاتفاقات المنافية للمنافسة تكون بين منشأتين اقتصاديتين أو أكثر في العلن دائما، بل إن روح القانون رقم 104.12 تعتبر كل تواطىء على الإخلال بالسير السليم للمنافسة اتفاقا مخلا بهذه الأخيرة، ولو أن اتفاقا من هذا القبيل لم يتم إلا داخل الأجهزة الإدارية لمنشأة اقتصادية وحيدة، فهل نجح بهذا القانون المذكور في التصدي لشبه الاتفاقات أو التواطآت الغير مباشرة؟

ثانيا: قصور القانون رقم 104.12 عن استيعاب بعض الاتفاقات الغير مباشرة المنافية للمنافسة

وهذه النقطة الثانية هي محور هذه الدراسة العلمية العملية، وإن كان لا يمكن استجلاء كل الصور التي تشهدها الساحة التنافسية، خاصة في مجال تطور فيه المنشآت الاقتصادية أساليبها باستمرار لضمان مركز ريادي داخل الأسواق، فما هي أبرز هذه الصور التي يتم من خلالها الاعتداء على المنافسة؟ وما مدى استيعاب القانون لها؟

كما أنه بعد مراجعة القانون رقم 12-104 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، نجده قد عرض لحالات وسكت عن أخرى، فهل يعني ذلك أن ما يُحظر هو ما تناولته مواد القانون المذكور؟ أم أن الأمر يتجاوز ذلك إلى حالات أخرى مسكوت عنها يمكن اعمال القياس بينها؟

لا يمكن التسليم دائما بأن المستهلك أو المتسوق هو الحكم بين المنشآت الاقتصادية المتنافسة، أو أن التنافسية يحسمها معياري الثمن والجودة دون الإقرار بوجود اعتداءات على المنافسة قد يصح وصفها بأنها غير أخلاقية لكن لا يصح أبدا وصفها بأنها غير قانونية، وهذا هو باعث طرح سؤال المحضورية.

إذا تمت دراسة خدمة استهلاكية أو منتوج استهلاكي ما كالحليب مثلا أو أي منتوج آخر مما يصح كونه محلا للمنافسة، وافترضنا أن الشركة المصنعة تهيمن على نسبة 60% أو 70% أو أكثر من مجموع مادة الحليب الرائجة في السوق، فإن رفع أو خفض الأسعار الذي يعتبر فارقا إما في جذب الزبناء أو تنفيرهم قد لا يؤدي هذه الوظيفة لأسباب عدة تعدّ في حقيقة الأمر صورا للمنافسة غير المشروعة، ويمكن إجمالها فيما يلي:

  • لجوء المنشأة المهيمنة إلى الرفع من الأسعار يجعلها تعزز قدرتها أكبر على اقتناء كميات أكبر من المنتوج وبالتالي استحواذها على حصص أكثر وقلب قواعد المنافسة وتطويعها لصالحها.
  • أن المحلات التجارية تعمم الزيادة على منتوجات المنافسين مما يدفع هؤلاء لإسترجاع هذه الزيادة لفائدتهم لأنها لا تصل للمستهلك. وبالتالي ترتفع الأسعار بالشكل الذي أرادته المنشأة الاقتصادية المهيمنة كما لو أنها اتفقت مع البقية على رفع الأسعار، وقس على ذلك باقي المنتوجات والقطاعات الأخرى.
النقطة الثانية: أوجه تعاون القانون وبعض الأجهزة الإدارية في حضر الاتفاقات غير المباشرة المنافية للمنافسة

لا مراء من أن هذه الأجهزة الإدارية التي نعني بها بالأساس كل من المجلس الأعلى للمنافسة وجمعيات حماية المستهلك، وإن كان وجودها جاء متأخرا نسبيا مقارنة مع النقابات وبعض المنظمات الحكومية، إلا أنه قد كان لها وزن ووظيفة مزدوجة، إذ من جهة تهدف إلى حماية المستهلكين من كل تعسف تمارسه المنشآت الاقتصادية وتوعيتهم بحقوقهم، ومن جهة ثانية فقد عملت على الاسهام في إبقاء المنافسة بمنأى عن كل اعتداء، من خلال ممارستها للحقوق التي خص القانون إياها، كالحق في التقاضي (المادة 106 من القانون رقم 104-12).

والعلاقة بين هذه الأجهزة تقوم على تكملة النقص، فإن كان المجلس يهتم بقضايا المنافسة الكبرى، كالأمر بجعل حد للممارسات المنافية لقواعد المنافسة وفرض شروطه على المعنيين (المادة 36 من قانون حماية الأسعار والمنافسة)، واتخاذ التدابير التحفظية في حقهم (المادة 35) فيرمي بذلك إلى ترسيخ مناخ تنافسي بعيدا عن مختلف القيود، فإن جمعيات حماية المستهلك تهتم بالخصوصيات وتدقق في التفاصيل، فقد أضحت أكثر نضجا، فهي الآن تمارس الدعاوى القضائية وتعد مقترحات وتوصيات من أجل رفع سلامة المواد وجودة الخدمات المعروضة للاستهلاك[2].

ويلاحظ على عمل المجلس المذكور أنه ذو طابع “ماكرو اقتصادي” وليس ذو شخصي، كما أن دوره ظل منذ تأسيسه إلى قبل تعديل 2014 يتسم بالاستشارية[3]، ويقيم البعض حصيلة عمل المجلس منذ انشائه إلى الآن في النقاط التالية[4]:

  • الدعم المؤسساتي
  • التحسيس بقضايا المنافسة
  • انجاز ونشر دراسات تنافسية بعض القطاعات
  • المساهمة في عملية تشريع النصوص القانونية ذات الارتباط بمجال المنافسة[5]

ورغم أن مجلس المنافسة المغربي لا يعتبر جهازا قضائيا بالمعيار العضوي ولا إداريا فإن كل هذا لم يمنع المشرع المغربي من الاعتراف لهذا الجهاز بممارسة بعض أوجه السلطة العامة، من خلال إصدار قرارات قد تصل إلى حد توقيع بعض الجزاءات الإدارية[6].

إلا أن سلطة التحري وإجراء البحوث التي تمكنه من الوصول إلى الصلاحيات الضرورية لإنجاز عمله ظلت خارج اختصاص المجلس ولو بعد صدور قانون حرية الأسعار والمنافسة الحالي، لكل هذا وغيره يمكن الخروج بالخلاصات والملاحظات التالية:

  • بخصوص مجلس المنافسة:
  • ضرورة إعطاء المجلس الأعلى للمنافسة سلطة التحري عن كل تواطىء مخل بالمنافسة الشريفة والأخلاقية، سواء جرى بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال تمكينه من الوسائل التي تجعله يستشف وجود اتفاقات من هذا النوع، والضرب على أيدي المتلاعبين.
  • بخصوص ما يسجل على جمعيات حماية المستهلك:
  • اشتغال جمعيات المستهلك دون أدنى تنسيق مع بعض المصالح الإدارية التي من شأن التعاون معها مساعدة هذه الجمعيات لبلوغ أقصى حماية للمستهلك، كمصلحة الجمارك والشرطة والمديرية العامة للضرائب، عن طريق تبادل المعلومات وطرق العمل، الشيء الذي يمكن من تسهيل اجراءات التحقيق والحصول على نتائج جيدة.
  • وأُسجل ضرورة تفعيل حق الجمعيات العمومية في الحصول على الإعانات العمومية مع تعليق ذلك على شرط رفع الحصيلة السنوية لأنشطتها في هذا المجال.
  • كما يعاب على هذه الجمعيات أنها لا تمارس بعض الصلاحيات المفترض قيامها بها في شكل المبادرة الذاتية، كالدعوة للامتناع عن الشراء أو ما يُعرف بالمقاطعة – – boycott، أو حتى الدعاية المضادة، اللتان لا يمنعهما القانون مادامت الدعوة إلى المقاطعة أو الدعاية المضادة لا تدخلان ضمن المنافسة الغير مشروعة لعدم صدورهما عن جهة تجارية، بل جمعية دفاعية، وعلى غرار التوجه الذي قد يرى بأن تمتيع جمعيات حماية المستهلك بحقَّىْ الدعوة إلى المقاطعة والدعاية المضادة قد يعصفان بالمصالح الاقتصادية لبعض المنشآت التجارية الوطنية، إلا أن هذا الأمر لا ينبغي التسليم به، إلا إذا سَلَكَتْ الجمعية في ذلك مسلكا تعسفيا.
الإحالات

[1]  عبد العالي بن عمور (رئيس مجلس المنافسة إلى غاية 2012)، دور مجلس المنافسة في تخليق العلاقات الاقتصادية، سلسلة ندوات محكمة الاستيناف، العدد الرابع 2012 “الاقتصاد الخفي والجرائم المالية ودورها في إعاقة التنمية: أوجه المكافحة؟” ص 49.

[2]  نبيل بوحميدي: العمل الجمعوي في مجال حماية المستهلك، مجلة الملف، العدد 8. أبريل 2006، ص85.

[3]  أنظر المواد ا2، 6 و7 من القانون رقم 20.13 المنظم لعمل المجلس.

[4]  عبد العالي بن عمور، مرجع سابق. ص 47.

[5]  المادة 7 من القانون رقم 20.13.

[6]  عبد الإله عبدون: تدبير سياسة المنافسة على ضوء المفاهيم الجديدة للنظام العام ، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام، بجامعة عبد المالك السعدي طنجة 2006.2007،ص – 88.